مقالات

أحبوا أعداءكم.. باركوا لاعنيكم..!

عمر سعيد/ لبنان

“المدارنت”..
“أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم”.. عبارة علّمتني أن أحب نفسي، لا أعدائي.
أذكر أني كنت بكاءً في طفولتي.

يستثير مشاعري أي موقف سلبي أو إيجابي، ويحملني على البكاء.
تلقيت بسبب ذلك الكثير من التنمّر والتأنيب والضرب والتعنيف ممّن حولي.
من أسرتي، أبي وأخواتي البنات، ومن أقاربي ورفاق الطفولة، وأكثر من هؤلاء جميعهم من معلّمي المدرسة.
كان الكلّ يريدني أن أكون قاسيًا عنيفًا.
ولأني كنت طفلًا، لم أكن أعرف وسيلة تمكّني من توضيح ما يحصل في داخلي.
لذا تنقلت كثيرًا في البحث عمّا أريد.
درست الموسيقى، وغنّيت، وما وجدت ضالتي. تخصّصت في المسرح، وقدمت عروضًا حصدت تصفيقًا ودعمًا؛ وما وجدت ضالتي.
دخلت العراق للدراسة في الخامسة عشرة من عمري.
تجربة كانت أكبر محطات حياتي، وأقساها خبرة على الإطلاق.
أذكر أني عانيت من الغربة بشكل لا أطيق تذكّره وإلى اليوم.
وإلى اليوم، لا أنسى كيف رحت أشجع نفسي وأقول لنفسي: كان النبيّ مُحمّد يتيمًا، وحقّق كل ما أراد، فما الذي يمنعني من ذلك؟!
كانت أمثولة تذكرتها كثيرًا كلما لامست حدّ الانهيار، والتفكير بالهروب ممّا أنا فيه
عندما بدأت دراسة شخصية يسوع المسيح، وتعرفت إلى مقولته عنوان هذه المقالة، تذكّرت أني كنت في لبنان بكاءً، وصرت في العراق حاقدًا.
حقدت على كل الذين حرّضوني على نفسي. اكتشفت أنهم أرادوني أن أردّ الإساءة بأضعافها.
علّمتني عبارة يسوع أن أحب نفسي من جديد. فصرت لا أشعر بالخدش إن جرحني أحد. وصرت لا أغضب إن استفزني أحد، وصرت أشفق على من يستغيبني، وأحسن لمن يسيء إلي، وأبادر لزيارة من قاطعني. فأصفح وأسامح وأحب، وأُلام في الوقت نفسه من أصحابي على تفريطي بكرامتي واعتباري، وأتهم بالجبن.
أذكر أني كتبت أيّامها: “لا أملك وقتًا لكل الذين أساؤوا إلي. لأني منشغل بنفسي”.
مكّنتني عبارة: “أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم” من سلامي الداخلي.
صرت بدل أن انشغل في مراقبة الناس، وبدل أن أخطط للنيل ممّن تعرض لي، وبدل أن أشتعل بالغضب والكراهية ممن جرحني، وبدل أن أحاول صنع الآخرين؛ صرت أشتغل على نفسي وأنشغل بها.
تعلمت الموسيقى، ليس لأني موهوب، بل لأني فهمت كيف يمكن للخشب أن يتحدث بجمال وطلاقة أكثر مني أنا الإنسان الحساس.
قرأت، وقرأت، وقرأت، ليس لأني كنت أملك كثيرًا من الفراغ الذي علي أن أملأه. بل لأني بدأت أفهم معنى أن أحب وأن أصغي.
كان الحب محركي الأقوى صوب المعرفة والكتب.
رحت أكتب لأمتنّ للكون على ما وهبني من ضعف ورقّة، وعجز عن أن أكون حقودًا عنيفًا، ولأشكر كلّ الذين عاملوني بقسوة وعنف منحاني الكثير من المبرّرات، التي تكفي لأكره وأحقد.
كانت عبارة علمتني السلام والتأمل والحكمة..
عبارة بلغت بي ما يكفيني من إيمان، جعلني أعرف أن الله ما خلقني عبثًا. وما خلقني لأعبده، بل لأشكره ولأحب خلقه، ولأمارس رحمته.
أحببت كل من عاداني، فصنعت بحبه طمأنينتي، واشتريت بذلك الحب الكثير من الوقت والفرص والراحة والتوفيق.
تركت لغيري متعة الجرح والانتقام والإساءة، وحزت لنفسي نعمة الصفح والعفو والرحمة.
فشكرًا لك يسوع.. شكرًا لك مُعلّمي وحبيبي.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى