أدونيس.. حين يتحدّث الطغيان بلغة الشعر!

خاص “المدارنت”
الإسفاف ليس جديدًا على أدونيس، فقد جعل من استفزازه للأصول الروحية والثقافية للأمّة هواية فلسفية، يختبئ خلفها بادّعاءات الفكر وحرية النقد، بينما هو يُنعم في تسويق سرديّة تحمل في طيّاتها ازدراءً دفينًا لكل ما يمتّ للإسلام – باستثناء بسيط سيأتي ذكره في سياق الكلام – مع انحياز فجّ إلى الطغيان، وتواطؤ معلن مع أعتى الأنظمة القمعية في العصر الحديث.
نكتب لنضع الحقيقة في وجهه كما تُوضع المرآة أمام من يظنّ أنه فوقها.
ما عاد يُدهشنا أن يخرج علينا أدونيس (علي أحمد سعيد إسبر) بمقالة جديدة، يهاجم فيها الإسلام في ذاته، وينقض سيرة النبي محمد – الذي جعله الكاتب اليهودي الأميركي مايكل هارت الشخصية الأولى في كتابه المئة العظماء أو الخالدون المئة.. بحسب كل مَن ترجم الكتاب، وهذا ليس موضوعنا – ويجرّ خلف قلمه عبارات شائنة عن السيدة خديجة والخلفاء الراشدين. فالرجل – الذي خلع اسمه العربي ليُلبس نفسه أسطورةً يونانية – لا يترك فرصةً إلا وينقض بها على ذاكرة الأمة، تارةً باسم العقل، وتارةً باسم الحداثة، وتاراتٍ كثيرة باسم شيء لا يفهمه سوى هو: الحرية.
لكن المفارقة التي تثير التهكّم لا الدهشة، أن أدونيس الذي يتّهم الإسلام بالعنف، يقف بكل قوّة إلى جانب واحد من أشدّ الأنظمة دمويةً في تاريخ العرب المعاصر: النظام السوري الأسدي، الذي ابتكر طوال أكثر من نصف قرن، أبشع أصناف القمع والقتل والتنكيل.. ولم ينجُ من ظلمه طفل ولا شيخ، لا مسلم ولا مسيحي، لا مؤمن ولا ملحد! كل ذلك، لم يحرّك في أدونيس قصيدةً واحدة تنصر المظلوم أو تحاسب الجلّاد. بل كان مدافعًا، مبرّرًا، ساكتًا عن الذبح ما دام الذابح من “أبناء الطائفة”!
فكيف لرجلٍ يدّعي كسر الأوثان الفكرية أن يصنع من الطائفة وثنه؟ وكيف لمن يزعم نقد العنف أن يخرس أمام مجازر الأفران والبراميل والأسلحة الكيماوية؟ كيف ينام قرينه في الضمير حين يكون المعيار هو الهوية لا الحقيقة، والطائفة لا الحرية، والعداء للإسلام لا انتصار الإنسان؟
أدونيس الذي يتهم النبي محمدًا بأنّه تاجر – كأنّ الأمر وصمة – يجهل أو يتجاهل عمدًا أن التجارة في مكة كانت بابًا للثقة لا للثروة، وأن خديجة كانت تاجرة شريفة، آمنت به وبرسالته قبل أن تُعلَن، وساندته ليس بمالها وحسب، بل بقلبها وعقلها وإيمانها العميق بما جاء به من نور وعدل ورحمة أيضًا. أما الخلفاء الثلاثة الذين يهاجمهم، فكانوا قادة عظماء في زمنٍ بنى المسلمون أعمدة الحضارة لا أعمدة السجون.
وإذا كان أدونيس قد “غضّ الطرف” عن الخليفة الرابع عليّ بن أبي طالب فلم يأتِ على ذكره بسوء – وهنا الطامة الكبرى، والمفارقة غير المفهومة عنده وهذا ما يدلّ على أنّ ما يكتبه هو حقد أعمى، لأن الإمام عليًّا كان، وما زال من أهم الرموز الإسلامية، فضلًا عن أنّه كان ابن عم محمد وصهره وأول مَن آمن برسالته وهو فتًى لم يبلغ العاشرة – فلأن الطائفية التي يُنكرها لفظًا، تَسكن قلمه سرًّا، وتُحرّك بوصلته حين يعجز الفكر عن إقناع أحد.
لا، لسنا في حاجة إلى خطاب “أخلاقي” من شاعرٍ مدّعٍ يدافع عن القتلة، ويهاجم نبيّ الرحمة. لسنا في حاجة إلى من يرى الدم في الإسلام، ويغضّ الطرف عن إراقة الدماء في سورية التي استمرّت أكثر من عقد. لسنا في حاجة إلى مثقّف يرى في الآيات إرهابًا، وفي البراميل المتفجّرة “ضرورة وطنية”.

كفاك لعبًا بالنار يا أدونيس، فالنار التي توقدها في صدور الناس لن تُنير لك درب الحقيقة! وكفاك تحاملًا على الإسلام، فإنّك ما هجوتَه مرة إلا وفضحتَ نفسك لا الدين. وما مدحتَ طاغية إلا وخسرتَ أمتك لا النظام.
دعْ عنك الإسلام، فإن مجده لا يُنقصه هجاء شاعر، ولا يشوّهه من تحوّل من منشد للحقيقة إلى بوقٍ للاستبداد.
بين نبوءة الشعر وخيانة الكلمة
أدونيس، يا مَن زعمت أنّك حامل نبوءة الشعر في زمن العتمة، ما أثقل النبوءة حين تُصبح سيفًا في يد الجلّاد! وما أضلّ الشعر حين يبيع ضميره على أبواب السفّاحين! أيّ نبوءة تلك التي تُبصر عنفًا في يد رسولٍ جاء رحمةً للعالمين، وتُعمي بصرها وبصيرتها عن براميل تُسقطها يدٌ سفّاحة على أجساد الأطفال في حلب والغوطة ودير الزور؟!
لقد انقلبت الموازين في قلمك، فما عدتَ شاعرًا يرى ما لا يُرى، بل غدوت أعمى البصر والبصيرة، يمشي إلى الماضي بخنجرٍ، وإلى الحاضر بسجادة صلاة على عتبة قصرٍ دمويٍّ في دمشق. هجوت الإسلام فلم تُصِبْه، وهاجمت محمّدًا فازداد عظمة، لكنك جرّدت نفسك من شرف الكلمة، وطعنتَ الشعر في خاصرته حين جعلته خادمًا لسلطان المذبحة.
أما نحن، فلن ننجرّ إلى ردّك بالمهانة، ولكننا سنذكّرك بما نسيته:
أنّ الكلمة أمانة، وأنّ الشعر موقف، وأنّ الحرية لا تُستعار حين تناسب، وتُخنَق حين تُحرج.
وأنّك مهما علا صوتك، لن تُسكت الحقّ. ومهما لطّختَ سير الكبار، فلن تُطهّر ذاكرة الطغاة.
دع عنك النبوءات يا أدونيس، فإنها لا تُمنح لمن خان الكلمة، ولا تُكتب على يد من صبغ الحبر بدم إخوته.. واذهب إلى حيث تجد في أصداء الطغيان وطنًا لك.. أما نحن، فلدينا وطنٌ اسمه الحقّ واحترامٌ للإنسان – أيًّا كان – وللدين وللشرائع كلّها ما دامت لا تؤذي الناس ولا تهينهم!




