أريـــــــد وطــنــــــــاً..!

خاص “المدارنت”..
على وقع المصائب التي تتوالى علينا، نلجأ غالباً إلى السخرية والمزاح واختراع النكات على واقعنا المزري.
فلنرمٍ المزاح (القفشات) جانباً، ولنتذكّر سويّاً أن نهاية الحرب اللبنانيّة أُعلنت رسميّاً في بداية التسعينات، حيث استلم الحكم أشخاص كانوا من ضمن الميليشيات التي ساهمت في تدمير البلد، واتفقوا أن “لا غالب ولا مغلوب، وعفا الله عمّا مضى”، غير آبهين بالشعب المثقل بالجراح، ومن دون أن تتمّ مصالحة وطنية على أساس العدالة الترميميّة، كما ينبغي أن يحصل عند انتهاء الحروب الداخليّة.
واخترع هؤلاء المتسلّطون منظومة كريهة، والتصقوا بكراسيهم ومناصبهم، وجعلوها حقاً لهم ولأولادهم من بعدهم.
فلنفكّر سويّاً ولنسأل أنفسنا بعض الأسئلة الجوهريّة:
– كم دام استلام هؤلاء الأشخاص لمناصبهم؟
– ما الذي قدّموه للمواطن:
= قانون أحوال شخصيّة موحّد؟
= قانون ضمان صحّي؟
= قانون ضمان شيخوخة؟
= قانون إنتخاب عادل؟
= قانون حماية المرأة؟
= قضاء مستقلّ؟
= شبكة قطاع نقل عام؟
= تغذية كهربائية لا تنقطع؟
= قانون محاسبة السارقين والفاسدين والمرتشين والمختلسين؟
= قانون توظيف حسب الكفاءة؟
= إلغاء الطائفيّة؟
= غير..؟؟؟
– إن لم تقدّم هذه القوانين، لماذا لا يزالون متربّعين على عروشهم؟
– لماذا لا نزال نرى أولادهم يرثون هذه العروش؟
– ما هو سقف أحلامنا كمواطنين بهذا البلد المسروق من المافيات؟
– لماذا احتكر بعض هؤلاء الأشخاص مولّدات الكهرباء بدل أن يؤمّن الكهرباء، خاصّة خلال استلامه لهذه الحقيبة الوزارية في الثمانينات، والبعض الآخر احتكر”الفانات” بدل أن يعمل على تأمين شبكة نقل عام آمن للناس؟
– لماذا أموالهم تزيد وأموال الناس تبخّرت؟
أسئلة مشروعة، ويمكن أن تفتح لنا باباً حتى نلاقي حلاً…
لأن الأجوبة ترينا إنّ هؤلاء يدمّرون الوطن والمواطن، وأغلب الناس حاليّاً لا يعرفون بالضبط محلّهم من الإعراب بالبلد: مواطنون، أرقام، أعداد بالطائفة، مشروع شهيد، مشروع ضحيّة، مشروع مهجّر… شيء مبهم على الأغلب في ظل غياب القوانين التي تضمن له حقوقه.
المصيبة ليست فقط في هذه النقطة… المصيبة إنّ لا أحد يصوّب على الفاسدين الحقيقيين، لأن هؤلاء المجرمون صوّبوا سهامهم على أماكن مختلفة… وللأسف الشديد، بمساعدة بعض الإعلام الخبيث، اختبأوا بأمان وراء المقولة الضبابيّة “كلّن يعني كلّن”.
كنت أظنّ صراحة إنّ ما حدث يوم السابع عشر من تشرين الأول هو ثورة حقيقية، كنت آمل إن يحدث تغيير حقيقي، ولكن مشاهداتي على أرض الواقع من خلال مشاركتي، جعلتني ألمس إنّ كل هذه التحركات كانت لتغطية الفاسدين، وليس لاجتثاثهم.
من المؤكّد أن الكثيرين كانوا أناساً صادقين، يشعرون بالظلم، ويسعون جدّيًاً لتغيير جذريّ، وأعرف أغلبهم، ولكن محرّكو الخيوط من وراء الكواليس ( المجهولون من الجميع لأنهم تستّروا وراء اختراع خبيث أسموه: لا قيادة ولا خطّة) كانوا من أزلام المنظومة الفاسدة، أعني بذلك الدولة العميقة، وكان الشعب الصادق ضحيّة هذه الكذبة الكبيرة، أكبر كذبة بالتاريخ.
سُرقت أموال الناس، غلت الأسعار، فُقدت المحروقات، حصل إنفجار 4 آب، والمصائب لا تزال تتوالى، والسبب واحد:
أضعنا البوصلة… أنظروا إلى عدد المرّات التي يجتمع فيها المجلس النيابي، منذ 40 سنة إلى أيامنا هذه… ما الذي يفعلونه؟ يبدأون بالتنكيت والتنمّر على بعضهم، ويغرقون في مشاكلهم الشخصيّة، دون إقرار أي قانون يضمن حقّ المواطنين.. يصوّتون على القوانين يالتي تحميهم وتضمن حقوقهم وتنمّي أموالهم وأموال أولادهم.
ليتنا نعي ونفكّر في مصلحتنا كمواطنين ونمنع تلاعب زعماء الحرب والطوائف بعقولنا وبمشاعرنا…
لدينا حقوق كمواطنين ونريدها، ونرفض أن نكون حطباً طائفيّاً يغذّي أحقاد بعض النرجسيّين ضدّ نرجسيّين آخرين.
أريد قانون أحوال شخصيّة موحّد وعادل
أريد قانون ضمان صحّي
أريد قانون ضمان شيخوخة
أريد كهرباء لا تنقطع
أريد مياه عذبة
أريد دواء رخيصاً
أريد أن ترجع قيمة ليرتي
أريد أن يكون للمواطن قيمة
أريد أن أشعر بالأمان
أريد أن أعيش بطمأنينة مع الجميع
أريد أن لا نختلف سوياً بسبب مشاكلهم الشخصيّة واناهم المريضة
أريد وطناَ…. وأنتم.. ماذا تريدون؟




مقال رائع بامتياز، يحفز القارئ على تحديد مطالبه بالتحديد.
ولفتتني الإشارة إلى موضوع الثورة من دون قيادة ولا خطة، هذا أمر بغاية الأهمية لم يتنبه كثر لخطورة الأمر حينها ..
أنا أريد وطناً