مقالات

أزمة السويداء.. مؤامرات الخارج وأخطاء الداخل!

“المدارنت”
من دون شك, فإن جميع الوطنيين السوريين، مدعوون للتفكير في السبيل لخروج السويداء من محنتها المؤلمة, فحتى لو صمد وقف إطلاق النار الحالي, يبدو أن جذور الأزمة ما تزال تهدد بالعودة للقتال, فالعشائر لن تعود من دون إطلاق سراح الرهائن المحتجزين، والذين يقال إنهم يقاربون الألفين بين رجل وامرأة وطفل من العشائر, وكذلك عودة عوائل العشائر التي تم تهجيرها إلى مساكنهم أو ما تبقى منها, وفي المقابل فإن بقاء قرار السويداء بيد تيار (الشيخ حكمت) الهجري، لا يسمح بتنازلات ذات معنى, وهو لا يوافق على دخول قوى الأمن العام إلى المدينة حتى الآن, وحتى لو دخلت قوى الأمن العام، فيمكن أن تتعرض لهجمات مثل التي تعرضت لها من قبل وتسببت في تدخل الجيش.
المشكلة مع تيار الهجري، ليست فقط في رفضه للدولة السورية لكن في العلاقة التي صارت تربطه مع اسرائيل، عبر الشيخ موفق طريف، وهي علاقة أصبحت شبه علنية، بدليل أن زعيما درزيا مرموقا مثل وليد جنبلاط، تحدث عنها بطريقة لا تقبل التأويل, بل ذهب إلى أن موفق طريف، أصبح فعليا المرجع للشيخ الهجري في جميع مواقفه السياسية.
هكذا، لم يتم فقط اختطاف القرار السياسي للسويداء، بعيدا عن الحوار مع الدولة السورية، ولكن تم ربطه بالسياسة الاسرائيلية أيضا، والتي لا تخفي رغبتها في إضعاف الدولة السورية وتفكيك سورية إلى دويلات ضعيفة وتابعة.
بطريقة أو بأخرى، لا بد من إبعاد تيار الهجري عن القرار السياسي للسويداء, وإعادة ذلك القرار ليد الوطنيين والمثقفين الأحرار، والذين يمثلون الانتماء الوثيق للسويداء إلى عروبتها ووطنيتها وتاريخها المشرق الذي عمل الهجري على تشويهه والاساءة إليه.
ما ينبغي لجميع الوطنيين الأحرار في سورية الذين يحملون راية الثورة السورية فعله، هو وقف التحريض الطائفي ضد الدروز، أولا, وحصر المسؤولية بتيار الهجري في حرف الحراك الوطني الديمقراطي في السويداء, واختطاف القرار السياسي وسياسة الالتحاق والتبعية لموفق طريف، اليد اليمنى (لرئيس حكومة العدو الإرهابي الصهيوني بنيامين) نتنياهو، وبالتالي، تنفيذ الأهداف والسياسات الاسرائيلية تجاه سورية، وما استتبع ذلك من العداء للدولة السورية، وتفاقم نفوذ الميليشيات المسلحة، وانفجار الاعمال المسلحة مع العشائر، وصولا لما آل إليه الحال اليوم, كل ذلك يقع بالدرجة الأولى وإلى حد كبير على عاتق الهجري وجماعته وليس الطائفة الدرزية.


لكن السؤال الذي ينبغي أن نفكر فيه مليا: كيف وبأي ظروف استطاع تيار الهجري، إسكات جميع الأصوات الوطنية في السويداء، وتسيّد القرار السياسي هناك؟
لا يمكن اعتبار القوة المسلحة للميليشيات وحدها، هي التي تقف وراء تمكن تيار الهجري من الصعود على حساب التيارات الوطنية الأخرى، بل لا بد من البحث في أخطاء الادارة الحكومية التي أعطت تيار الهجري، المبررات والذرائع بحيث أضعفت موقف التيارات الوطنية في السويداء.
فالأخطاء التي تناولها كثيرون من المفكرين السوريين الأحرار، والشخصيات الوطنية التي شاركت في الكفاح ضد النظام السابق، لم تلق آذانا صاغية قط.
وبدلا من ذلك، تم إهمالها أو الالتفاف عليها, وهكذا تراكمت الأخطاء فوق بعض, وأصبح شائعا أن الادارة الحكومية رغم انجازاتها في الخارج التي لا يمكن انكارها, ورغم استنادها لتأييد غالبية الشعب السوري، إلا أنها بصدد رسم هيكل دولة من لون واحد, وفرض رؤيتها الخاصة التي لايشاركها فيها كثيرون على الجميع.
هل أستعيد هنا ما سبق الحديث حوله مرارا, فمؤتمر الحوار الوطني كان مصطنعا إلى حد كبير, ونتائجه كانت مقررة سلفا, والاعلان الدستوري جاء ليس كإعلان دستوري مؤقت ولكن كدستور مختزل وناقص.
العدالة الانتقالية تم ترحيلها, لجان التحقيق في جرائم الساحل تأخرت كثيرا, ألأخطاء التي ارتكبت في الساحل تكررت في السويداء.
كل ذلك خلق وضعا ضبابيا، لم يعد المواطن السوري يعرف من خلاله إلى أين نسير بالضبـط.
بكلمة واحدة، لقد قمنا بايجاد الظروف الملائمة لنشوء تيارات كتيار الهجري، بدل أن نقطع الطريق عليها, وكانت حساباتنا أن ضبط العلاقة مع الخارج، وكسب تأييد الدول العظمى والاقليمية، هو العامل الحاسم في قوة الدولة إضافة لشعبيتها في الشارع.
نقطة الضعف في مثل ذلك التفكير، هي نسيان أن الدول الكبرى وتحديدا الولايات المتحدة، لا يمكن الركون لصداقتها بحال من الأحوال, فحتى اوكرانيا التي سلمت مقاليد أمورها لـ”الناتو”، وجدت الآن أن الولايات المتحدة، تتخلى عنها، بل وتطالبها بما يشبه الاستسلام أمام الروس.
نعم، لقد كان انجازا باهرا العمل على إعادة التموضع بالقرب من الدول العربية وتركيا والغرب، ورفع العقوبات عن سورية، لكن ذلك لا يعفينا من مراجعة السياسة الداخلية وتصويبها، فالسياسة الداخلية حين تتراكم أخطاؤها، يمكن أن تقلب جميع المعادلات في ظل علاقة هشة وجديدة مع الولايات المتحدة والغرب.
أخيرا: أعداؤنا كثيرون، لكن أخطرهم هي أخطاؤنا التي نتجاهلها ولا نريد إصلاحها.

معقل زهور عدي/ “ملتقى العروبيّين”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى