مقالات

أفغانستان.. تحدث فرقًا.. الجزء “3”..

د. مخلص الصيادي/ الشارقة

خاص “المدارنت”..

… ولا يختتم المشهد الأفغاني، مشهد انتصار طالبان على قوات الاحتلال والغزو إلا بالتوقف عند مصطلح الإرهاب الذي ما فتئت الولايات المتحدة ترفعه في وجه كل قوى تقاوم الاحتلال أو الظلم أو تتمرد على قوى الطغيان.
ومصطلح الإرهاب مصطلح مركزي في السياسة الخارجية الأمريكية منذ عهد الرئيس الأمريكي رولاند ريغان، وهو من أكثر المصطلحات استخداما، ودأبت الخارجية ألأمريكية على إصدار نشرات تصم شخصيات وجماعات وحركات وأحزابا بالإرهاب، وتصم دولا وحكومات بدعم الإرهاب، وتطالب دول العالم عموما العالم وحلفاءها خصوصا باتخاذ الموقف نفسه من هؤلاء” الإرهابيين”، وترتب على ذلك عقوبات وتغري بمكافآت، وشعارها الدائم “واشنطن لا تفاوض الإرهاب”.
والذي نعرفه أن واشنطن صنفت طالبان بأنها حركة إرهابية، ومع ذلك دخلت واشنطن بمفاوضات مع طالبان لسنوات، وكانت منذ العام 2018 مفاوضات مباشرة، ثم توصلت معها إلى اتفاق يقضي بانسحابها من أفغانستان لصالح هذه الحركة “الإرهابية” بالعرف ألأمريكي.
والحق أن قضية الإرهاب تحتاج إلى وقفة، وأن مفهوم الإرهاب يحتاج إلى تمعن، حتى لاتختلط الأمر، وتتداخل المسائل ، وتضيع الحدود.
بداية يجب الاعتراف بأن المجتمع الدولي لا يملك تحديدا واضحا جازما معنى الإرهاب، وليس هناك في القانون الدولي مثل هذا التحديد ولا في الاتفاقات والوثائق الملزمة الصادرة عن الأمم المتحدة، رغم العديد من الجهود المحاولات التي بذلت للتوصل الى موقف وتعريف ملزم.
وللحق فليست الولايات المتحدة هي وحدها التي لاتريد أن يكون هناك تعريفا وموقفا قانونا دوليا ملزما بشأن الإرهاب، وإنما هذا موقف كل الدول الكبرى، لأن كلا منها في جعبته مشاكل ومعضلات لايريد أن تحده حدود في مواجهتها، ولا يريد أن تفرض عليه طرق لايتعداها، في جعبة روسيا أزمات مستعصية من ازمة الشيشان 1994 وما تلاها الى الازمة الأخيرة في القرم وأوكرانيا، وفي جعبة الصين ملفات من أهمها ملف الإيغور في إقليم شينجيانغ وملف التبت، وأحداث “ساحة تيان آن من” قبل 32 عاما، وملفات عديدة لدول الاتحاد الأوربي داخل أوربا وأقربها وأشهرها ملف الصراع في البلقان ومذابح البوسنة والهرسك، وفوبيا الاسلام، وملفات أخرى في افريقيا.
كل الدول الكبرى في النظام الدولي الراهن لا تريد ولا ترحب بوجود تعريف واضح جامع مانع للإرهاب، وللمنظمات الإرهابية، وللأفعال الإرهابية، وجميعها يريد أن يبقى الأمر استنسابي لكل دولة، واستنسابي لكل حدث، واستنسابي لكل قوة معنية. وكل الدول الكبرى تنطلق في موقفها من مصالحها الخاصة، لذلك هي مسؤولة مجتمعة على إهدار كل فرصة وكل جهد لبناء رؤية أممية قائمة على ضمير انساني فعال.
ورغم اشتراك كل الدول الكبرى في إعاقة التوصل الى موقف اممي موحد إلا أن الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية الأولى في ذلك بحكم كونها الدولة الأعظم التي تعمل على فرض سيطرتها على العالم بالقوة، وبحكم كونها الراعية الأولى للكيان الصهيوني العنصري في فلسطين المحتل الذي يرتكب جرائم إرهاب وعنصرية وعدوان بشكل يومي.
مهم أن نتذكر هنا محاولات دولية للتوصل إلى تعريف محدد للإرهاب، لكنها بقيت محدودة قاصرة وكذلك عاجزة عن التحول إلى إنجاز ملزم قانونيا.
في العام 1972 ذهبت الأمم المتحدة إلى أن الإرهاب هو” استخدام العنف غير القانوني أو التهديد به بغية تحقيق هدف سياسي معين”.
وعلى وقع هجمات سبتمبر 2001 واحتلال أفغانستان بعيد ذلك، وكذلك احتلال العراق في 2003 أعطى مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 1566 الصادر في أكتوبر 2004 تعريفا محددا للأعمال الإرهابية حيث نص على أن الأعمال الإرهابية هي ” الأعمال الإجرامية بما في ذلك تلك التي ترتكب ضد المدنيين بقصد القتل أو الحاق إصابات جسمانية خطيرة أو أخذ الرهائن بغرض إشاعة حالة من الرعب بين عامة الجمهور أو جماعة من الأشخاص أو اشخاص معينين أو لتخويف جماعة من السكان أو ارغام حكومة أو منظمة دولية على القيام بعمل ما أو عدم القيام به. واعادت الجمعية العامة للأمم المتحدة تأكيد هذا التعريف في قرارها رقم 43/ 60 الصادر في يناير 2006.
وذهبت المحكمة الجنائية الدولية المؤسسة في يوليو العام 2002 (تم التوقيع على نظامها الأساسي في روما في العام 1998) إلى تعريف للإرهاب جاء فيه أن الإرهاب هو “استخدام القوة أو التهديد بها من أجل إحداث تغيير سياسي أو القتل المتعمد والمنظم للمدنيين، أو التهديد به لخلق جو من الرعب والاهانة للأشخاص الأبرياء من اجل مكسب سياسي أو الاستخدام غير القانوني للعنف ضد الأشخاص والممتلكات لإجبار المدنيين او حكوماتهم للاذعان لأهداف سياسية”.
لكن هذه القرارات والتعريفات على قصورها لم تتحول لتكون جزءا من القانون الدولي وبالتالي لم تأخذ طابع الإلزام، وبقيت مجرد محاولات تستجيب لظروف محددة مقصودة بعينها، أو تحكم عمل هيئات محددة مثل المحكمة الجنائية الدولية (روسيا والولايات المتحدة والصين والهند ليسوا موقعين على ميثاق المحكمة)، لكنها لا تعطي تعريفات محددة ملزمة أمميا لمصطلح “الإرهاب” الذي يبقى مصطلحا محملا بدلالات سياسية وايديولوجية، وبمصالح ذاتية، وبوقائع مرحلية.
والإرهاب في حقيقته وصف لعمل قبل أن يكون وصفا لفكر، وإن كانت له أرضيته الفكرية، وإذا كانت مواجهة العمل ضروري للتصدي لظاهرة الإرهاب، فإن مواجهة الفكر ضروري لتفكيك العقل الإرهابي.
والعمل الإرهابي بهذا الطابع يتجلى في ثلاثة مستويات: الفعل، والاتجاه، والأداة.
** ويمكن أن يقوم به الفرد، فنكون أمام إرهابي. استهدف الوصول إلى غرض ما دون مراعاة أي اعتبار، وهذا أبسط أنواع الإرهاب وأقلها خطرا، لأنه ينتهي بانتهاء الفرد.
** ويمكن أن تقوم به جماعة، أو تنظيم سياسي، أو اجتماعي، أو ديني، وعندها نكون أمام تشكيل إرهابي.
– ويمكن أن تقوم به سلطة سياسية في دولة ما، فنكون أن سلطة إرهابية أي إرهاب دولة.
** ويمكن أن يستخدم العمل الإرهابي ضد جهة محددة. في مكان محدد، فيكون بذلك عملا إرهابيا مضبوطا.
– ويمكن أن يستخدم استخداما عشوائيا، لا يكون فيه العدو محددا، ولا تكون للمكان خصوصية عداء، وإنما الاختيار جاء بهدف نشر الرعب والذعر العام.
– ويمكن أن تستخدم في العمل الإرهابي أسلحة وأدوات عادية تستخدم في مختلف أنواع الصراعات، قنابل، براميل متفجرة، عبوات ناسفة.
– ويمكن أن تستخدم فيه أسلحة هي بطبيعتها محرمة دوليا وتصنف باعتبارها أسلحة إرهابية. الغازات السامة مثل غاز السارين، والأسلحة الكيماوية، والقنابل الحارقة.
كل ما سبق من تجليات العمل الإرهابي، ونحن حينما نتطلع إلى تعريف قانوني شامل وملزم فإننا ندرك أن من خصائص التعريف تغطيته هذه الجوانب كلها، لكن واشنطن والدول الكبرى لا تريد مثل هذا التعريف، الجامع المانع والمقيد، ولم تقتصر عدم الرغبة بمثل هذا التعريف على هذه الدول، وإنما امتدت ظاهرة عدم الرغبة في التوصل إلى هذا التعريف للعديد من الدول الأخرى الأقل شأنا التي صار من مصلحة النظم القائمة فيها أن يبقى مصطلح الإرهاب غائما بحيث يسمح لها أن تطلقه على من تشاء من خصومها السياسيين، من جهة، كما يسمح لها بأن تستخدم كل الأسلحة التي تملكها ـ ولو كان بعضها يدخل في المحرم والمجرم ـ بمواجهة هؤلاء الخصوم.
هذه الرغبة الحقيقية في إبقاء مفهوم الإرهاب غائما عائما، أفقدت مفهوم “مقاومة الإرهاب” على المستويين الوطني والدولي قيمته الحقيقية، وجعلته مجرد سلعة دعائية بأيدي القوى المسيطرة، قل أن يستحوذ على اهتمام المجتمع وعلى تعاطف قواه المختلفة، وبالتالي فإن يصبح عاجزا عن التعامل الصحيح والفاعل مع بيئة الإرهاب.
وفي العودة إلى أفغانستان فإن حركة طالبان وعلى امتداد السنوات العشرين من صراعها ضد قوات الاحتلال لم تقف كثيرا على أوصاف الإرهاب التي أطلقتها الولايات المتحدة تجاهها، وتجاه قيادات وشخصيات طالبانية، إذ اعتبرت ـ وهي محقة في هذا الاعتبارـ أن واشنطن التي تحتل أفغانستان، وتقتل بطائراتها وصواريخها المدنيين الأفغان، وتدمر بيوتهم وتحرق محاصيلهم، ليست أهلا لأن تكون مرجعا في توصيف الآخرين.
لذلك فإن إطلاقها وصف الإرهاب على الحركة وعلى رجالاتها يصبح مصدر فخر واعتزاز، لأنه بات يعني أن الحركة ترهب قوات الاحتلال وترهب القيادة السياسية لهذه القوات، وأن من شأن زيادة منسوب هذا “الإرهاب” أن يأتي بواشنطن صاغرة إلى طاولة المفاوضات، وأن يدفعها صاغرة أيضا على اتخاذ قرار الانسحاب، ولأنها كانت موقنة بهذه الرؤية أصرت على أن تكون جولات المفاوضات كلها فيما المعارك مع قوات الاحتلال مستمرة لا تتوقف، وهي في هذا تكرر التجربة الناجحة للتفاوض بين الفيتناميين والأمريكيين التي كانت تجري في باريس بينما القتال على أشده لا يتوقف في فيتنام.
مهم جدا هذا الدرس الطالباني لكل القوى والحركات التي تعمل على تحرير أوطانها، فمهما تكتل الأعداء، ومهما تكاثروا، ومهما استجلبوا من مرتزقة وميليشيات داعمة، ومهما استحضروا من أدوات العنف والقهر، يبقوا معتدين، إرهابيين، طارئين على الوطن والمجتمع والحياة، لا يستطيعون أن يتحملوا ثمن البقاء، ومصيرهم أن يرحلوا صاغرين.
الدرس الطالباني في مواجهة المحتل، ليس الدرس الوحيد الذي يقدم لقوى المقاومة، لكن لعله الدرس الأهم على الإطلاق.
(إنتهى)..
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى