مقالات

ألسياسة في الإسلام..

أحمد ذبيان/ لبنان

خاص “المدارنت”
يتوهّم كثير من المسلمين؛ بأنّ الدين مشروع سياسيّ، وإن لم يُمارَس على هذه القاعدة، فسيكون ناقصًا ومنحرِفًا ومخالِفًا لسُنّة الله ورسولِه ولمقاصد الشريعة ومحتواها..

من حيث الوقائع والمفاهيم القرآنيّة، يتضمّن الإسلام خطوطًا عريضة في السياسة والاجتماع والاقتصاد والأمن والتربية والأسرة، وكلّ ما يُنَظِّم دورات الحياة في المجتمع إلى أن يرِثَ الله الأرضَ ومَن عليها..

لنستعرض الخطاب القرآنيّ في الجوانب الأساسيّة لمسيرة الإنسان في هذا الوجود، ونبدأ في السياسة. لقد وضع القرآن الكريم، أصولاً عامة للسياسة وإدارة الدولة، وتتمحور حول العدل، والشورى، وطاعة أولي الأمر، ورعاية مصالح الناس. لنستعرض بعض الآيات الناظمة للمشاريع السياسيّة للمسلمين حتّى تستقرّ أمورُهم وتتحقّق نهضتُهم:

1/ أساس الحكم: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْل”..
2/ طاعة ولي الأمر: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ”…
3/ مبدأ الشورى: “وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُم”..
4/ ألعدل المطلق: “وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا”. “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْط”.
5/ ألعلاقات الدولية والدبلوماسية : “وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله”… “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ”.

أمّا عن الاجتماع الإنساني والتنظيم المجتمعي، فيتحدّث القرآن في عدة آيات تؤكد على أهمِّيّة الوحدة والتعاون والشورى، مع تحذير شديد من التفرُّق والنزاع..
إليك أبرز هذه الآيات مصنفة حسب الغرض منها:

1/ ألوحدة والاعتصام: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا” .
2/ ألشورى وإدارة الشؤون: “وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ”، وقال في موضع آخر، تشجيعًا على الاجتماع والتشاور: “.. وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر”.
3/ ألتعاون على البِرٌ: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ”.
4/ ألنهي عن التنازُع والتفَرُّق: “وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ”.

يضع القرآن الكريم، إطارًا متكاملاً وشاملًا للاقتصاد من خلال آيات تنظِّم المعاملات الماليّة، وتحُثّ على كسب الرزق، وتحدِّد قواعد عادلة للتجارة والإنفاق في محاور رئيسية منها:

1/ تحريم الربا والاستغلال: “الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا”.

2/ التجارة وأخلاقيات البيع والشراء: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ”… “وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُون”.

3/ ألعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة: “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله”.

4/ ألرشد الاقتصاديّ والإنفاق: “وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا”… “وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا”.

5/ ألاستثمار وإدارة الأزمات: يُقدم القرآن نموذجًا تخطيطيًّا لإدارة الموارد ومواجهة الأزمات الاقتصاديّة والتضَخُّم من خلال خطة الادِّخار الاستراتيجيّ، وتتنوّع الآيات القرآنيّة التي تتحدّث عن “الأمن” لتشمل الأمن المجتمعيّ، الخوف والطمأنينة، والأمن الاقتصاديّ والغذائيّ و وقد ربط القرآن هذه النعمة دائماً بالإيمان والعمل الصالح.

1/ ألأمن المجتمعيّ والاستقرار العامّ: “الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ”.. “وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا”، وذلك وعد إلهيّ بالتمكين والأمن لمن آمن وعمل الصالخات. “وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّنَّاسِ وَأَمْنًا”. “رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا”.

2/ ألأمن الاقتصاديّ والمعيشيّ: “وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ”، وهي آية تحذيرية تربط زوال الأمن والخوف بـكفران النعم.

3/ ألأمان الشخصيّ والطمأنينة: “الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ”، وعذه قاعدة قرآنية تربط الأمن النفسيّ الخالص بالتوحيد الخالي من الشِرك. “ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ” وذلك في الحديث عن الطمأنينة وتفريج الكرب وقت الشدائد.

أمّا في التربية فيضع القرآن الكريم، منهجًا شاملًا يركِّز على غرس الإيمان، الأخلاق، المسؤولية والقدوة الحسنة. من أبرز الآيات في هذا المجال وصايا لقمان لابنه في غرس التوحيد والمراقبة، آية المسؤولية الأسرية، وآيات الدعاء بالذُرِّيّة الصالحة التي تتحدّث في التربية مصنّفة حسب الجوانب الأساسية:

1/ غرس العقيدة والتوحيد والأخلاق: “وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ باللهِ إنَّ الشِركَ لَظُلمٌ عظيم”.

2/ ألمسؤولية الأسَرِيّة والوقاية: تحَمِّل الآيات الآباء مسؤوليّة حماية أبنائهم وتوجيههم وتنشئتهم تنشئة سليمة تنجيهم من المهالك: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون”.

3/ القدوة الصالحة والدعاء بالذرِّيّة: دعاء إبراهيم عليه السلام: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ”. دعاء زكريّا عليه السلام: “رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء”.

4/ ألالتزام بالسلوك القويم والقدوَة الحسنة: “وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا”. “وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين”.

أمّا الأسرة، فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم، في نحو 33 موضعًا، ترسم منهجًا شاملًا ومتكاملًا للأسرة، بدءًا من تأسيسها مرورًا بحقوق أفرادها؛ وصولًا إلى توجيهات الحفاظ على تماسكها، ومن أبرزها:

1/ أساس بناء الأسرة والموَدّة: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون”.

2/ ألمسؤوليّة الأسَرِيّة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة”.

3/ ألتقوى وصلة الأرحام: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا”.

4/ حقوق المعاشرة بالمعروف: “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا”.

إذن، من خلال هذا العرض المُبَسّط، ترى أنّ الإسلام أُنزِلَ لتنظيم حياة البشر؛ وليس للتسلُّط عليهم باسم الدين أو باسم حزب، يزعم بأنّه يمثِّل الدين أو باسم مؤسّسات يديرها رجال الدين. لا كهنوت في الإسلام، ولا وصاية ولا استغلال للشريعة السمحاء: ” فَذَكِّر إنّما أنتَ مُذَكِّر، لستَ علَيهِم بِمُسَيطِر” صدق اللهُ العظيم..”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى