أنـــا الـــزعـيـــــم.. !

خاص “المدارنت”..
تلقّيتُ معلومة من أحد الأصدقاء، ذات مرّة، كان أثرها كبيرًا على إدارتي لوقتي، وتمكيني من السيطرة على مواضيع كثيرة تشغل حياتي. وتتجسد المعلومة بصريًا بالتالي:
دائرة كبيرة، تتضمّن المواضيع اليومية الحياتية التي تشغل كلّ إنسان. وكلّما كثرت المواضيع وتزاحمت بشكلٍ فوضوي، كَبُرت الدائرة، لتُغرق دائرةً أصغر بداخلها، لدرجة محوها، هذا في حال لم نحسن إدارة العلاقة بينهما.
ولقد ارتحت أنا شخصيًّا، بعد أن تعلّمت إدارة هذه العلاقة بين الدائرة الكبرى (الموضوع) والدائرة الأصغر (الذات). لكن المنطق العلمي والأخلاقي والإنساني (أقلّه)، يفترض انتهاجَ أمرين للتحكّم السليم بهذه العلاقة:
أوّلاً، إدارة الوقت. ثانيًا، ترتيب أولوّيات المواضيع التي تشغلنا. فلو تركنا المواضيع على غاربها، لضيّقت الخناق على “الذات”. وهذا ينجم عنه تصرّف يظهر للناس، بأنّه “ذاتي”، فهو خارجٌ منها، لكنّ أحدًا لا يعلم كيفيّة خروج هذا التصرّف الذي يراه الناس ذاتيًّا! فالذات كما صوّرتها المعلومة، دائرة صغيرة غارقة بالدائرة “المُحيط”. وكلّما أهملنا ترتيب أولويّاتنا، وتأطيرها في إطار زمنيّ يعكس إدارة سليمة للوقت.
ومناسبة كلامي الآن، هو خطاب رئيس الجمهوريّة الأخير. وقد أكذب على القارئ لو قلت بأنّي شاهدت أو سمعت الخطاب. فقد حذفت من حياتي كلّ ما هو تلقيني من جهة واحدة وغير تفاعلي، وبخاصّةً في عالم الأخبار والسياسة.
فالتلفاز، هو جهاز يبُثّ سمومًا، ولا يمكنك إلغاءها بتغيير المحطّة، فتقع تحت “مزراب” آخر، مع العلم ان القناة التلفزيونيّة الأخرى ليست “دلفة”، بل ميزاب يشبه البقيّة.
هل يَعقُل لخطاب رئيس جمهوريّة، أن يتضمّن إشارة لتاريخ هذا الرئيس، والكلّ يعلم بأن هناك لُبسًا في تحديد هذا التاريخ. لكنّي لا ألغي ذاكرتي، حين كنت في الثامنة عشرة من عمري، وقت تطوّعت مع منظّمة شبابيّة في منطقة صيدا، حيث نصبنا خيمًا على شاطئ البحر، لاستقبال نازحين من بيروت، هربًا من قصفٍ ارتكبه “قصر بعبدا الرئاسي”.
لن أخوض نقاشًا دستوريًّا، حول أحقيّة قائد الجيش باستلام سدّة الحكم، بعد الفراغ الرئاسي الذي خلّفه أمين الجميّل. ولكنّ ما يهمّني “هنا، والآن”، كيف يجب أن يكون خطاب الرئيس لجمهوريّة، مرّت بأزمة اقتصادية، ثورة جياع، سيطرة عملة أجنبية على اقتصاد الوطن، تحكّم طبقة من التجّار الجشعين بالمواد الغذائية، “حَبس” رئيس حكومة مُكلّف بقنّينة الحقائب الوزارية، وانشغال الطوائف بمحاصصة، لا تعود بالنفع إلاّ لجهات خارجيّة. والقائمة تطول في تعداد مشكلات لبنان على اختلاف مصادرها.
وتحضر هنا سخرية زياد الرحباني الهادفة في الكوميديا السوداء (فيلم أميركي طويل)، فما قاله “رشيد”، يعكس فلسفة الضياع في وطننا، ليس فقط ضياع القرار، بل من يجب أن يأخذ هذا القرار ولماذا، فقبل جلسات العلاج الكهربائي، يقول رشيد: “الزعما عم يستغلّوا هالشعب والشعب معتّرين”، وبعد الجلسات الكهربائيّة، تصبح المقولة: “الشعب عم يستغلّوا هالزعما والزعما معتّرين”!!
واستغلال الشعب للزعيم، يأتي من خلال الصورة التي يكوّنها إدراك الناس المرتبط بوعيهم وإدراكهم لفكرة الزعيم. فالزعيم عادل إمام، يجسّد فكرة الزعامة الدكتاتوريّة بمسرحيّة الزعيم بصرخته: أنا الزعيم.
فقول الرئيس في خطابه: أنا الجنرال ميشال عون، ليس إلاّ تجسيدًا لدكتاتوريّة مريضة، تنمّ عن جهله بالمهمّة التي يُوكل بها، أي رئيس جمهوريّة. ولا ينقصنا إلاّ إبراز موهبة رئيسنا الشعرية، بتأليف أغنية للشعب وليس لنفسه (لا سمحَ الله):
“هشتكنا وبشتكنا يا ريّس أنت رئيس والنعمة كويّس..
ثمّ يُصدر أوامر بتلحينها وإذاعتها.
=====================



