“إسرائيل”.. من وعد بلفور الى قانون الدولة القومية!/ الحلقة الثانية (2)..

خاص “المدارنت”..
ينشر موقع “المدارنت”، اليوم، الجزء الثاني من دراسة الباحث في التاريخ الأستاذ الجامعي المحاضر في “الجامعة اللبنانية/ كلية الآداب والعلوم الإنسانية”.. د. حسام مُحيي الدين، تحت عنوان:
“إسرائيل” العنصرية على أرض فلسطين.. من وعد بلفور الى قانون الدولة القومية..
وفي الجزء الثالث يشير الكاتب الى كيفية مصادرة أملاك الفلسطينيين.. وعمليات الإغتيال التي طالت قادة فلسطينيين.. وغيرها.. وذلك يوم السبت المقبل.
4-1- الاعتقال الإداري التعسفي والإقامة الجبرية
يشمل مفهوم التعسف اشتراطين معاً هما: أن يكون اللجوء إلى شكل من أشكال الحرمان من الحرية وفقاً للقوانين والإجراءات المعمول بها وأن يكون ذلك متناسباً مع الغاية المتوخاة ومعقولاً وضرورياً. وصفة (التعسّف) لا ينبغي أن تعني (المخالفة للقانون)، بل ينبغي أن تفسر تفسيراً أعمّ لتشمل عوامل مثل عدم اللياقة، والحيف، والفجائية وعدم مراعاة الأصول القانونية.
ومن جهة ثانية، يُطلق الاعتقال الإداري على قيام سلطة ما باعتقال شخص ما دون توجيه تهمة معينة أو لائحة اتهام بحقه الشخص المعتقل، ويبرر هذا الفعل بأنه جاء بناءً على ملفات سرية استخبارية، أو بسبب عدم وجود أو نقص الأدلة ضد الشخص المعتقل، ويمارس الاحتلال “الإسرائيلي” (الإرهابي الصهيوني) هذا النوع من الاعتقال ضد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، تتراوح مدة الاعتقال الإداري من شهر إلى ستة أشهر قابلة للتجديد دون تحديد عدد مرات التجديد .
وتمارس السلطة “الإسرائيلية” (الإرهابية الصهيونية) الاعتقال الإداري التعسفي كسياسة ممنهجة، حيث يتم تحت غطاء كبير من السرية بحيث لا يتيح للمعتقلين أن يرتبوا لأنفسهم دفاعًا لائقًا. وقد احتفظت “إسرائيل” (كيان الإرهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة) خلال السنوات بآلاف الفلسطينيين المعتقلين إداريًا بصورة مستمرة دون تقديمهم للمحاكمة، وبدون الإفصاح لهم عن التهم الموجهة لهم، ودون السماح لهم أو لمحاميهم من معاينة المواد الخاصة بالأدلة. والمفارقة، ان القوانين العسكرية “الإسرائيلية” المتعلقة بالاعتقال الإداري تعود إلى قانون الطوارئ الانتدابي لعام 1945! وتبرر إسرائيل ممارساتها العنصرية بحق العرب، بنص المادة 78 من اتفاقية جنيف الرابعة، وتنص على أنه “إذا رأت دولة الاحتلال لأسباب أمنية قهرية أن تتخذ تدابير أمنية إزاء أشخاص محميين، فلها على الأكثر أن تفرض عليهم إقامة جبرية أو تعتقلهم” .
حتى عام 2020، كان عدد المعتقلين الإداريين يبلغ قرابة 500 معتقلًا؛ كما صدر 8,700 أمر اعتقال إداري “إسرائيلي” بحق فلسطينيين منذ 2015 . غير أن هذه الاعداد تضخمت حتى عام 2023، وفق الرسم البياني الآتي:
ومع مجموع المعتقلين الإداريين، وتشير الإحصائيات الفلسطينية إلى أن “إسرائيل” تعتقل في سجونها 4760 فلسطينيا، بينهم 160 طفلا و33 أسيرة . وفقًا لمعطيات مصلحة السجون، تحتجز “إسرائيل”، حتّى آذار 2023، 1,017 شخصاً رهن الاعتقال الإداريّ، بينهم 10 قاصرين أبناء 16-18 عامًا. 1,002 من هؤلاء المعتقلين هم فلسطينيون. هذا هو عدد المعتقلين الإداريين الأعلى منذ نيسان 2003، إذ بلغ عددهم حينذاك 1,140. من بين المعتقلين الإداريّين الـ 1,017 حتى آذار 2023، كان 366 مسجونين منذ أقلّ من ثلاثة أشهر، 550 مسجونين منذ ما بين ثلاثة أشهر وسنة، و98 معتقلًا إضافيًّا مسجونين منذ ما بين سنة وسنتين، وكان ثلاثة آخرون مسجونين منذ أكثر من سنتين.
وتتراوح مدة الاعتقال الإداري بتبريرات مختلفة بين شهرين الى عدة سنوات، وقد تتجاوز حدود القانون والمنطقة، وقواعد احترام حقوق الانسان. وحسب مركز المعلومات “الاسرائيلي”، وهناك 23 أسيرا من الأسرى القدامى المعتقلون قبل توقيع اتفاقية [أوسلو] داخل سجون الاحتلال، بالإضافة إلى ذلك فإنّ هناك 11 أسيرًا من المحررين، الذين اعتقلوا منذ ما قبل أوسلو، وحرروا عام 2011، وأعيد اعتقالهم عام 2014 .
وتتقاطع هذه الاحصائيات مع ما أوردته وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية، فحتى حزيران 2023، بلغ عدد الأسرى والمعتقلين بالمجمل في سجون الاحتلال “الإسرائيلي” نحو (5,000) أسيراً، يقبعون في (23) سجن ومركز توقيف وتحقيق، حتّى 12 حزيران 2023، من بينهم (31) أسيرة، ونحو (160) قاصرًا موزعين على سجون (عوفر، ومجدو، والدامون)، و(1,083) معتقلًا إداريًّا، من بينهم ثلاث أسيرات و19 طفلًا. وبلغ عدد الأسرى القدامى المعتقلون قبل توقيع اتفاقية أوسلو (23) أسيراً، أقدمهم الأسير محمد الطوس المعتقل منذ 1985، بالإضافة إلى ذلك فإنّ هناك (11) أسيرًا من المحررين وهم من قدامى الأسرى الذين اعتقلوا منذ ما قبل (أوسلو) وحرروا عام 2011 وأعيد اعتقالهم عام 2014، أبرزهم الأسير نائل البرغوثي الذي يقضي أطول فترة اعتقال في تاريخ الحركة الأسيرة، والذي دخل عامه (43) في سجون الاحتلال، قضى منها (34) عاماً بشكل متواصل، وهناك (17) أسيراً صحافيًا.
ويعتبر المعتقل نائل البرغوثي، أقدم معتقل إداري لدى السلطة “الإسرائيلية”. فقد دخل في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عامه الأربع والأربعين في سجون الاحتلال، ليكون أقدم معتقل فلسطيني، وعميد الأسرى بالغًا من العمر 65 عامًا . أفرج عن البرغوثي عام 2011 في صفقة تبادل بين “حركة حماس” و”إسرائيل” بعد أن أمضى 34 عاما متواصلة بالسجن ليعاد اعتقاله عام 2014. حينها صدر حكم بحقه لمدة 30 شهرًا، وبعد انتهائها أعيد له حكم الاعتقال السابق وهو مؤبد و18 عامًا.
ولا تعتبر ظروف وشروط حياة المعتقلين الإداريين في معسكرات الاحتجاز العسكرية أو في كل من سجون النقب، عوفر ومجدو، مرضية، وتحت سقف حقوق الانسان. إذ يعتبر الاعتقال الإداري بالصورة التي تمارسها سلطات الاحتلال ضرباً من ضروب التعذيب النفسي، ويرقى لاعتباره جريمة ضد الإنسانية، وجريمة حرب بموجب ميثاق روما، الذي يجرّم حرمان أيّ أسير حرب، أو أي شخص مشمول بالحماية من حقه في أن يحاكم محاكمة عادلة ونظامية، كما أن جلسات المحاكمة في الاعتقال الإداري تجرى بشكل غير علني، وبالتالي يحرم المعتقل من حقه في الحصول على محاكمة علنية، الأمر الذي يخالف ما نصّ عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي كفل حق المعتقل في المحاكمة العلنية. لذلك يمكن فهم الأسباب التي دفعت الأسرى الإداريين منذ أواخر 2011 وحتى نهاية 2021، الى تنفيذ أكثر من 400 إضراب فردي عن الطعام، إضافة إلى آخر جماعي خاضه المعتقلون عام 2014، واستمر 62 يومًا .
ليس هذا فحسب، بل أشار تقرير منظمة العفو الدولية، للعام 2022-2023، الى التعذيب في السجون. إذ استمرت القوات “الإسرائيلية” في إخضاع المحتجزين الفلسطينيين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. وكما كان الحال في السنوات السابقة، لم تجر وحدة التحقيق الداخلي في الشرطة “الإسرائيلية” (محاش) تحقيقـًا وافيـًا بشأن شكاوى التعذيب. ووفق التقرير، على سبيل المثال لا الحصر، في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني، مددت المحكمة المركزية في بئر السبع، لأربعة أشهر، الحبس الانفرادي لأحمد مناصرة الذي سـُجن في 2015 عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، ويـُحتجز في الحبس الانفرادي منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وهو فعل يرقى إلى مستوى التعذيب. وكانت المحكمة نفسها قد رفضت في أيلول/ سبتمبر الطعن الذي قدمه للإفراج المبكر عنه لأسباب طبية، رغم خطورة حالته الصحية الذهنية النفسية .
وحسب بيان لهيئة شؤون الأسرى والمحررين بتاريخ 13 سبتمبر/ أيلول 1993 تمّ رصد أكثر من 135 ألف حالة اعتقال منذ توقيع اتفاقية “أوسلو”، من بينها قرابة 20 ألف طفل، و2500 سيدة وفتاة، بالإضافة الى اعتقال نصف أعضاء المجلس التشريعي (البرلمان الفلسطيني) في دورته الأخيرة، وعدد من الوزراء ومئات الأكاديميين والصحافيين والعاملين في منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية .
فسلطات الاحتلال لم تلتزم بما ورد في الاتفاقيات السياسية، فيما يخصّ قضية الأسرى والمعتقلين، وتنصلت مرارا وفي مناسبات كثيرة من الإفراج عنهم، وآخرها التهرب من الإفراج عن المعتقلين منذ ما قبل اتفاقية “أوسلو”، وما يعرفون بـ”الدفعة الرابعة”، وما تزال تحتجزهم في سجونها وعددهم 25 أسيرًا فلسطينيا، بينهم 8 أسرى مضى على اعتقالهم ما يزيد عن 35 عاما، وأقدمهم الأسيران كريم وماهر يونس المعتقلان منذ كانون الثاني عام 1983 .
كما سٌجل استشهاد 117 فلسطينيا بعد اعتقالهم، جراء التعذيب والإهمال الطبي والقتل العمد، منذ توقيع اتفاق “أوسلو”، الأمر الذي أدى الى ارتفاع قائمة شهداء الحركة الأسيرة الى (231) شهيدا، وما تزال سلطات الاحتلال تحتجز جثامين 9 شهداء منهم، وهم: أنيس دولة، المحتجز جثمانه منذ العام 1980، وفارس بارود، وعزيز عويسات، ونصار طقاطقة، وبسام السايح، وسعدي الغرابلي، وكمال أبو وعر، وسامي العمور، وآخرهم الشهيد الأسير داوود الزبيدي الذي استشهد بتاريخ 15 مايو/أيار من العام 2022. وهؤلاء هم ضمن قائمة طويلة تزيد من 350 جثمان لشهداء فلسطينيين وعرب، محتجزين لدى سلطات الاحتلال، فيما يعرف بمقابر الأرقام أو ثلاجات الموتى .
4-2- الهجمات والاغتيالات داخل فلسطين
منذ اتفاق أوسلو لم تسلم المناطق الفلسطينية من الغارات والاعتداءات “الإسرائيلية”. وفي الواقع تم تقسيم الضفة الى ثلاثة أقسام إدارية مستقلة مؤقتة، وهي المناطق (أ وب وج)، حتى يتم وضع اتفاق نهائي لهذه الحالة. وهذه المناطق غير متجاورة، ولكنها مجزأة حسب المناطق السكنية المختلفة فضلاً عن المتطلبات العسكرية “الإسرائيلية”. في المنطقة (أ) سيطرة مدنية وأمنية كاملة من قبل السلطة الفلسطينية): حوالي 3% من الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية). في المنطقة ب هناك السيطرة المدنية الفلسطينية والسيطرة الأمنية الإسرائيلية الفلسطينية المشتركة: (حوالي 25%). وفي المنطقة ج سيطرة مدنية وأمنية إسرائيلية كاملة، ما عدا على المدنيين الفلسطينين: (حوالي 72%). ولم تسلم الضفة الغربية، من الهجمات الإسرائيلية التي طالت النشطاء، بل وعمدت “إسرائيل” الى اتباع سياسة الاغتيال على كافة أراضي فلسطين، وفي كثير من الأحيان خارجها. ولم يسلم قطاع غزة من التنكيل العسكري وألأمني، بل طاله الفصل العنصري، كما تعرض للتضييق العسكري والحيوي على المستويات كافة.
4-2-1- الهجمات على المناطق الفلسطينية
لعل أبرز الهجمات، والتي لها بصمة واضحة في القضية الفلسطينية، هي مسألة اعتداء المستوطنين على المسجد الأقصى. إذ أعلنت وزارة الأوقاف الشئون الدينية الفلسطينية، أن انتهاكات “إسرائيل” في عام 2022 ضد المقدسات الدينية في الضفة الغربية المحتلة بلغت 262 اقتحاما للمسجد الأقصى، مشيرة إلى أن عدد مقتحمي الأقصى وصل إلى أكثر من 49 ألفا من المستوطنين “الإسرائيليين” (الإرهابيّين الصهاينة). ويبدو أن اعتداءات المستوطنين والقوات الإسرائيلية على الأماكن الدينية، بدءًا من المسجد الأقصى، ممنهجة، وتصب جميعها في إطار التضييق على الفلسطينيين، ومحاولة تهجيرهم بشتى الوسائل. كما قالت الأوقاف الفلسطينية، أن سلطات الاحتلال منعت رفع الآذان بالمسجد الإبراهيمى 613 مرة لافتة إلى أنه تم الاعتداء على 24 مسجدًا في الضفة الغربية المحتلة كاقتحامها أو إيقاف العمل بها وصولا إلى حرقها وهدمها، ومضيفة أنه تم الاعتداء على 12 مقبرة، وأداء صلوات تلمودية فى فى 20 مقاما إسلاميا من قبل المستوطنين “الإسرائيليين”.
وثقت الإحصاءات وفي عام 2022 وحده، تنفيذ هجمات عدة على المناطق العربية. ونفذ المستوطنون 1.187 اعتداء، تراوحت بين مشاركة الجيش “الإسرائيلي” في اقتحامات للمدن والتجمعات الفلسطينية والاعتداء المباشر على المواطنين وممتلكاتهم. وكان لمحافظة نابلس (شمال) الحصة الأكبر من تلك الاعتداءات بواقع 417 اعتداء، تلتها محافظة رام الله والبيرة بـ203 اعتداءات، ثم محافظة الخليل بـ172 اعتداء. وشن المستوطنون 354 عملية اعتداء على أشجار الزيتون، تسببت باقتلاع وتضرر وتخريب وتسميم ما مجموعه 10,291 شجرة. في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، قتلت القوات “الإسرائيلية” 151 فلسطينيـًا وأصابت9,875 بجروح، حسبما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية/ الأرض الفلسطينية المحتلة، وسط تصاعد التوغلات العسكرية التي شملت استخدام القوة المفرطة بما في ذلك أعمال القتل غير المشروع، والإعدامات خارج نطاق القضاء حسبما يبدو. وأفادت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال/ فلسطين أن القوات “الإسرائيلية” أو المستوطنين الإسرائيليين قتلوا 36 ًطفلا في مختلف أنحاء الضفة الغربية والقدس الشرقية.
ولم تستهدف القوات “الإسرائيلية” أمن المناطق الفلسطينية من خلال التخريب والاعتداء والاعتقالات العشوائية فحسب، ولكنها أيضًا، وللتغطية على ممارساتها القمعية والعنصرية، طالت اغتيالاتها العاملين في الصحافة والاعلام، لاسيما خلال العمليات العسكرية والهجمات التي كانت تقوم بها من دون رادع على مرأى من العالم. ففي 11 أيار 2022، شيرين أبو عاقلة وهي صحافيّة فلسطينيّة، كانت تعملُ لدى “قناة الجزيرة” (القطرية)، وقد اغتالها جيشُ الاحتلال “الإسرائيلي” حينما كانت تُغطّي اقتحامًا لمدينة جنين.
4-2-2-الاغتيالات
لم تكن هذه الهجمات الأولى ولا الأخيرة، كما لم تكن الاغتيالات حديثة العهد في الآداء العنصري الإسرائيلي على أرض فلسطين. إذ منذ أوائل السبعينات نفذت “إسرائيل” مجموعة من عمليات الاغتيال لقيادات بارزة في منظمة التحرير الفلسطينية وممثليها في أوروبا، وطالت الاغتيالات غيرها من الفصائل خارج أرض فلسطين منذ اندلاع المقاومة عبر لبنان وحتى أواخر الثمانينات.
ثم انتقل بنك أهداف “إسرائيل” الى داخل فلسطين، بعد نمو حركة “المقاومة الإسلامية/ حماس”، التي وزعت الحركة بيانها التأسيسي في 15 ديسمبر/ كانون الأول 1987 م، إبان الانتفاضة الأولى التي اندلعت في الفترة من 1987 وحتى 1994، قبل أن يصدر ميثاق الحركة 18 أغسطس/ آب 1988. وعدا عن ملاحقة بعض عناصر الحركة خارج فلسطين، اغتيل عدد كبير من قادة حركة حماس وفتح والفصائل الأخرى .
ولم توفر القوات “الإسرائيلية” استعمال سلاح الجو في عمليات الاغتيال، فاغتالت صلاح شحادة زعيم كتائب القسام (غزة 2002) بمتفجرات بوزن 2,205 باوند، والتي تم إسقاطها من “طائرة إف 16″، وقتلت زوجته وأولاده التسعة في نفس الهجوم. واغتيل عام 2003 إبراهيم المقادمة وثلاث من مساعديه، من خلال صواريخ أطلقت من طائرة مروحية فوق مدينة غزة. ولم يسلم الشيخ المقعد أحمد ياسين مؤسّس وزعيم “حماس”، اغتيل عام 2004 مع حراسه الشخصيّين في قطاع غزة من خلال طائرة أباتشي مقاتلة. كما استهدف بصواريخ أطلقت من طائرة مروحية عبد العزيز الرنتيسي مؤسس وزعيم “حماس” وخليفة أحمد ياسين الزعيم السابق لـ”حماس”.
كما استعملت “إسرائيل” القصف الجوي لأماكن سكن، وتواجد قادة وشخصيات فلسطينية بارزة دون الأخذ بعين الاعتبار وجود عائلاتهم أو مدنيين قد يطالهم القصف ايضًا. وكان من بين هذه العمليات في يناير/كانون الثاني 2009، اغتيال عبد القادر محمد ريان العسقلاني ويُعرف باسمِ نزار ريان داعية إسلامي وسياسي وأستاذ جامعي، عدا عن كونهِ قائد سياسي وعسكري في “حركة حماس”، في قصفٍ جوي “إسرائيلي” طالَ منزله في مخيّم جباليا. وفي الشهر نفسه، اغتيل بالقصف في غزة، أبو زكريا الجمال، القائد العسكري البارز في القسام، وبعده سعيد محمد شعبان صيام وزير الداخلية في أول حكومة لـ”حركة حماس”، كما كانَ نائبًا في المجلس التشريعي الفلسطيني. وآخر هذه العمليات كانت في مايو/أيار 2023، حين اغتيل علي غالي، وهو عضو في المجلس العسكري لـ”حركة سرايا القدس” ومسؤولُ الوحدة الصاروخية للحركة، في غارة جوية إسرائيلية”، استهدفت موقعه في مدينة خان يونس ضمنَ عملية السهم الواقي، بعد أن كانت تل أبيب قد اتهمَت غالي بالمشاركة في توجيه وتنفيذ عمليات إطلاق الصواريخ نحو “إسرائيل”.
4-3-الهندسة الديموغرافية العنصرية.. نفي وتهجير وإبعاد….
حسب تقرير الاسكوا الصادر عام 2017، والذي أثار زوبعة من الاعتراضات، “تعـد الهندسـة الديموغرافيـة السياسيـة العامـة الأولى التـي تتخذهـا “إسـرائيل” مـن أجـل تحقيـق أغلبيـة يهوديـة سـاحقة فـي “إسـرائيل” والحفـاظ عليهـا” .
وإضافة الى الإجراءات العنصرية والتعسفية التي ما فتئت تقوم بها “إسرائيل” على أرض فلسطين منذ عام 1948، جاء القانــون الدولة القومية (2018)، لترســيخ الهيمنــة اليهوديــة العنصريــة كمبــدأ أساســي فــي الحفــاظ علــى الأغلبية اليهوديــة. ولعبــت هــذه الممارســات مجتمعــة دورًا فاعلاً في جعل اليهود الأكثرية الساحقة في فلسطين، حيـث كانـت نسـبة الفلسـطينيين إلـى اليهـود عـام 1948، حوالـي 1:2 (أي حوالـي 1.3 مليـون عربـي مقابـل 630,000 يهـودي). أمــا اليــوم شــكل المواطنــون الفلســطينيون حوالــي 20 بالمائــة مــن السـكان فقـط، ممـا يجعـل الفلسـطينيين أقليـة دائمـة .
وطُبقت السلطة “الإسرائيلية” العنصرية “سياسة الإبعاد والتهجير والترحيل الجماعي والفردي سياسة خطيرة مارستها العصابات الصهيونية بحق المواطنين الفلسطينيين، لا سيما بعد هزيمة الجيوش العربية عام 1948″. أما السند القانوني الهزيل الذي اعتمدت عليه “إسرائيل” في هذه السياسة، فهو نصّ المادة (112) من قانون الطوارئ لسنة 1945 م. فسواء كان المبعد الفلسطيني خارج البلاد، تأمر سلطات الاحتلال “الإسرائيلي” ببقائه خارج وطنه فلسطين؛ أو كان داخل البلاد فتأمر سلطات الاحتلال “الإسرائيلي” بإبعاده بعد توقيفه ثم نقله بالقوة إلى خارج فلسطين، ويمكن أن يكون الأمر ضد شخص واحد أو شخصين أو أكثر” .
بعد موجة 1948، في عام 1967 أعادت سلطات الاحتلال السناريو بتشريد الفلسطينيين عن أرضهم إلى مخيمات اللجوء في الدول المجاورة، حيث بلغ عدد النازحين الفلسطينيين منذ بداية حرب عام 1967 وحتى نهاية عام 1968 حسب المصادر الفلسطينية، 408 آلاف: منهم 361 ألفًا من الضفة، و47 ألفًا من قطاع غزة. وفي الأعوام بين 1967 و1987، رحلت بهذه الطريقة عن قطاع غزة وحده أكثر من 8,000 مواطن في عملية واحدة. وطالت هذه السياسة بشكل منهجي الكوادر والناشطين، فأبعدت الكتاب، والصحافيين، والنقابيين، ورؤساء الجامعات والبلديات، وأعضاء الغرف التجارية، ورؤساء الجمعيات والأطباء والمحامين، والمدرسين وعلماء الدين، والطلبة، والناشطات في الحركة النسائية. ومن أبرز موجات الإبعاد خلال هذه الفترة: مبعدي مرج الزهور . إذ أبعدت “إسرائيل” الى مرج الزهور في حاصبيا (مناطق لبنانية) في 17 ديسمبر/ كانون الأول 1992، 415 ناشطاً إسلامياً فلسطينياً من الضفة الغربية وقطاع غزة .
كما كانت سياسة الترحيل تستهدف تفريغ المناطق من السكان أو من الكوادر، فمع انطلاقة انتفاضة الأقصى عام 2000، أبعدت عام 2002 تسعة وثلاثين مواطنًا فلسطينيا احتموا داخل كنيسة المهد في بيت لحم، 13 إلى خارج فلسطين، وتم نقلهم إلى قبرص، ومن ثم وزعوا على عدة دول أوروبية؛ و26 فلسطينيًا تم إبعادهم إلى قطاع غزة؛ وأبعدت عددًا من الأسرى الإداريين إلى قطاع غزة؛ ففي 14 أكتوبر/ تشرين أول 2003، أبعدت 18 معتقلاً إداريًا فلسطينيًا من أبناء المحافظات الشمالية إلى قطاع غزة؛ وأبعدت عددًا من الأسرى المضربين عن الطعام كشرط لإطلاق سراحهم مثل: هناء الشلبي. وجاءت موجة الإبعاد الكبرى إلى خارج فلسطين وإلى قطاع غزة في إطار صفقة التبادل بين “حركة حماس” و”إسرائيل” بالجندي الأسير (الإرهابي الصهيوني) “جلعاد شاليط” حيث أبعدت سلطات الاحتلال 43 أسيرًا إلى خارج فلسطين؛ و163 إلى قطاع غزة.
4-4-الفصل العنصري أو “الأبارتايد”
من ضمن سياسات التمييز العنصري في الأراضي الفلسطينية، لجأت السلطة “الإسرائيلية” الى إنشاء أكبر معتقل على الاطلاق في العالم، عبر تشييد جدار أمني يعزل الضفة الغربية عن الأراضي “الإسرائيلية”، ويمنع حرية التنقل بين الضفة وباقي مناطق فلسطين، وعملت على جدار آخر أحاط بغزة. إن السّمة المميّزة لأـ”أبارتايد/ الإسرائيلي” أو الفصل العنصري، هي استدامة الهيمنة على الفلسطينيين بغرض تعزيز دولة يهودية من خلال تجزئة الشعب الفلسطيني إلى أربعة فضاءات منفصلة خاضعة للسيطرة التمييزية والإخضاع.
بعد استمرار الهجمات الفلسطينية على “إسرائيل”، ارتأت حكومة رئيس الوزراء “الإسرائيلي” الأسبق (الإرهابي الصهيوني) أرييل شارون بناء جدار عازل في الضفة الغربية قرب الخط الأخضر. بدأ بناء الجدار في 2002 في ظل انتفاضة الأقصى، واستمر على الرغم من عدم قانونيته نسبةً الى محكمة العدل الدولية في لاهاي في 9 يوليو/ تموز 2004،ومطالبة “إسرائيل” بوقف البناء فيه .
وفي نهاية عام 2006 بلغ طوله 402 كم، ويمر بمسار متعرج حيث يحيط معظم أراضي الضفة الغربية. وأنجز منه 539 كيلومترا حتى عام 2014، أي نحو 70%، وهناك نحو 62 كيلومترا قيد الإنجاز تشكل 8% منه، ليبقى ضمن المخطط نحو 170 كيلومترا، أي نحو 22%. ولم تذكر الوزارة “الإسرائيلية” نسبة اكتمال شبكة الجدران الإسمنتية والسياجات والخنادق والطرق العسكرية المغلقة، والبالغ طولها 712 كيلومترا. وبناء على الأرقام التي نشرتها الأمم المتحدة، لا يزال 214 كيلومترا من هذه الشبكة غير مكتمل .
يـرى تقريـر الاسكوا لعام 2017 أن “إسـرائيل” تعمـل علـى اسـتدامة نظـام “الابارتايد” مـن خلال تقسـيم الفلسـطينيين إلـى مناطـق جغرافيـة مختلفـة تـدار مـن خلال مجموعـات مختلفـة مـن القوانيـن .
حسب موقع (هيومن رايتس وواتش)، وفي تقريرها السنوي لعام 2005، واصلت السلطات الإسرائيلية انتهاج سياسة الإغلاق، حيث فرضت قيوداً مشددة، وتعسفية في كثير من الأحيان، على حرية الانتقال في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. وأدت هذه الإجراءات إلى تفاقم الأزمة الإنسانية الخطيرة التي تتسم بتفشي الفقر المدقع والبطالة وفقدان الأمن الغذائي؛ كما كانت هذه الإجراءات عائقاً شديداً يحول بين السكان الفلسطينيين وبين الحصول على الرعاية الصحية والتعليم وغيرهما من الخدمات. وعلى مدى العامين الأخيرين صارت هذه القيود أكثر حدة، كما باتت في كثير من الأماكن أكثر دواماً مع بناء “حاجز الفصل” داخل الضفة الغربية؛ والمبرر الأمني “الإسرائيلي” المعلن لبناء هذا الحاجز هو منع الجماعات الفلسطينية المسلحة من تنفيذ هجمات داخل “إسرائيل”، غير أن 85 في المائة من مساره يمتد داخل الضفة الغربية ويضم إلى “إسرائيل” فعلياً معظم المستوطنات اليهودية غير المشروعة الكبيرة التي أُقيمت على مدى العقود الأخيرة، فضلاً عن مصادرته بعضاً من أكثر الأراضي الزراعية الفلسطينية خصوبة وموارد المياه الأساسية .
وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2004 أقر الكنيست خطة رئيس الوزراء أرييل شارون الخاصة “بفك الارتباط” مع قطاع غزة في عام 2005 من خلال سحب القوات العسكرية والمستوطنات اليهودية، غير أن الخطة تبقي لـ”إسرائيل” سيطرتها على حدود غزة وسواحلها ومجالها الجوي. وهذه الخطوة ليس من شأنها وضع نهاية لاحتلال “إسرائيل” لقطاع غزة أو مسؤوليتها عن رفاهية سكانها.
في فبراير/شباط 2023، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرا مؤلـّفـًا من 280 صفحة يبيـّن كيف تفرض “إسرائيل” نظامـًا مؤسسيـًا من القمع والهيمنة على الشعب الفلسطيني حيثما تمارس السيطرة على حقوقهم، فتشرذم وتعزل وتفرق الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية، والمقيمين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، واللاجئين الفلسطينيين المحرومين من الحق في العودة. ومن خلال عمليات الاستيلاء على الأراضي والممتلكات على نطاق واسع، وأعمال القتل غير المشروع، وتكبيد الفلسطينيين إصابات بالغة، وعمليات النقل القسري، وفرض قيود تعسفية على حريتهم أخرى في التنقل، وحرمانهم من الجنسية، فضلا عن أفعال أخرى لاإنسانية، يتحمـّل المسؤولون “الإسرائيليون” مسؤولية الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة بالفصل العنصري الواقعة ضمن ولاية المحكمة الجنائية الدولية.
وحسب تقرير مركز المعلومات “الإسرائيلي” لحقوق الانسان، والصادر عام 2017، “ما فعلته إسرائيل بواسطة الجدار أنّها فصلت السكّان عن أراضيهم في نحو 150 تجمّعًا سكّانيًّا فلسطينيًّا في الضفة الغربية وبضمنها أراضٍ زراعيّة وأراضٍ للرعي إذ حبست هذه الأراضي بين الجدار وبين الخطّ الأخضر. هكذا أغلقت “إسرائيل” في وجه آلاف الفلسطينيين إمكانية الوصول بحرّية إلى أراضيهم وحرمتهم من استخدامها. صحيح أنّ “إسرائيل” جعلت على امتداد الجدار التي أُنجز بناؤه 84 بوّابة يمكن للفلسطينيين عبورها – نظريًّا؛ لكنّ هذه البوّابات لا تتيح فعليًّا الوصول بحرّية إلى الأراضي الواقعة خلف الجدار بل كانت الغاية منها خلق صورة زائفة تُوهم بأنّ الحياة تستمرّ عاديّة. ينكشف هذا الوهم في لمعطيات (OCHA) التي تفيد بأنّه طيلة العام 2016 لم تُفتح بشكل يوميّ سوى تسع بوّابات؛ وهناك عشر بوّابات فُتحت فقط في بعض أيّام الأسبوع وفي موسم قطاف الزيتون؛ و65 بوّابة فُتحت فقط في موسم قطاف الزيتون”.
(يُتبع)…



