“إسرائيل”.. من وعد بلفور الى قانون الدولة القومية!/ الحلقة الأولى (1)..

“المدارنت”..
مقدمة: قضية قرن من الزمن
“إسرائيل” (كيان الإرهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة)، ليست دولة لكل مواطنيها؛ بل الدولة القومية للشعب اليهودي وله وحده”. بهذه اللهجة العنصرية، صرّح (رئيس حكومة كيان الإرهاب الصهيوني) بنيامين نتنياهو، عام 2019، في سياق رده على فنانة ومقدمة برامج “إسرائيلية”. وأوضح أنه لا توجد مشكلة مع المواطنين العرب في “إسرائيل”. وقال عن حزبه اليميني: “إنهم – أي العرب – يتمتعون بحقوق متساوية مثلنا جميعًا، وقد استثمرت حكومة “الليكود” في القطاع العربي أكثر من أي حكومة أخرى” .
هذا التصريح الملتبس بحدّ ذاته هو ترجمة للذهنية الصهيونية التي ما تزال تنمو وتتوالد في كل استحقاق، منذ “مؤتمر هرتزل” في مدينة بازل السويسرية عام 1897. هذه الذهنية التي تحولت يومها الى خطة استراتيجية بعيدة المدى، على يد ما يقارب 200 شخصية يهودية، انتخبت فلسطين من قائمة أهدافها، ووضعت الخطوات لإقامة وطن قومي لليهود فيها، يضمنه القانون العام .
ولعل أبرز الوثائق التاريخية التي تعكس كالمرآة ما عملت عليه هذه الذهنية، بعد عشرين سنة، هي وثيقة وعد بلفور عام 1917؛ أتى الوعد الملتبس على هيئة رسالة من مكتب وزارة الخارجية للمملكة البريطانية الى رئيس الجالية اليهودية في اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، ورد فيها من دون الخوض في السياق التاريخي والتأويل: “إنّ حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين…”.
ومن حماسة هرتزل وأمثاله، ينبثق هذا الخطاب وينطلق كمشروع متعاطف معه دوليًا، ليتماسك مع قانون الدولة القومية لليهود في “إسرائيل” بعد قرن من الزمن. إنه القانون الأساس من سلسلة قوانين تعويضية عن دستور مفقود، أتى بعد مخاض بين اليمين واليسار، وبين الوسطية والتطرف ليُعرِّف “إسرائيل” على أنها بالقانون العام دولة قومية للشعب اليهودي. أقر الكنيست “الإسرائيلي” (الإرهابي الصهيوني) هذا القانون الحاسم للجدل “الإسرائيلي” الداخلي، في 19 يوليو/ تموز 2018، بأغلبية 62، ومعارضة 55، وبامتناع نائبين عن التصويت.
وفي المسار التاريخي؛ يقع قانون القومية، وهو القانون الأساسي الرابع عشر، في سلسلة القوانين المتتالية التي بدأ بسنّها الكنيست منذ إنشائه يونيو /حزيران 1950. هذه القوانين، كانت التعويض القانوني، بعد أن عجز المجتمع “الإسرائيلي” والسلطات السياسية والتشريعية المنبثقة عنه، عن صوغ توافقي لدستور متكامل للدولة الجديدة. وأهم سمات قانون القومية؛ إعلانه أن حق تقرير المصير في دولة “إسرائيل”، يقتصر على الشعب اليهودي، ويتجاهل حقوق الفلسطينيّين في الدولة، وهو يتميّز عما سبقه من وثائق جوهرية بإغفاله مبادئ جامعة مثل الديموقراطية والمساواة.
هل يعتبر هذا القانون بمثابة صدمة لمتابعي نشأة “إسرائيل”؛ ككيان، يسعى إلى أن يصبح الدولة الوحيدة على الأرض الفلسطينية، ضاربًا بعرض حائط المبكى، حضور الشعب الفلسطيني التاريخي، على هذه الأرض، بل وكلّ حقوقه؟ ربما لا، لو عدنا الى ذلك الحضور الفلسطيني الشرعي، الذي تآكله الانتداب البريطاني، في فترة ما بين الحربين الأولى والثانية، ليجهز على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، لدى قدومه فلسطين منتدبًا، ثم مغادرته لها كالحمل الوديع!
في الواقع، في القرارات الدولية، تنطلق قضية فلسطين مع القرار 181، حين أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني 1947، قرارًا يقضي بتقسيم فلسطين إلى “دولتين”، عربية ويهودية، وذلك بموافقة 23 دولة ورفض 13، وامتناع عشر دول عن التصويت. وقضى بإنهاء الانتداب على فلسطين في أقرب وقت ممكن، على ألّا يتأخر في أيّ حال عن 1 أغسطس/ آب 1948، وتجلو القوات المسلحة التابعة للسلطة المنتدبة عن فلسطين بالتدريج، ويتم الانسحاب قبل التاريخ المحدد. تنشأ في فلسطين، الدولتان المستقلتان العربية واليهودية، والحكم الدولي الخاص بمدينة القدس.
كما نصّ القرار على أن تكفل الدولة – أيّ كلتا الدولتين العربية واليهودية – لكل شخص وبغير تمييز حقوقا متساوية في الشؤون الدينية والمدنية والاقتصادية، والتمتع بحقوق الإنسان وبالحريات الأساسية، بما في ذلك حرية العبادة، وحرية استعمال اللغة التي يريدها، وحرية الخطابة والنشر والتعليم؛ وعقد الاجتماعات وإنشاء الجمعيات كذلك، لا يجوز التمييز بين السكان بأي شكل من الأشكال بسبب الأصل أو الدين أو اللغة أو الجنس.
ولكن الواقع الفعلي، نسف مشروع الدولتين قبل تطبيقه. إذ استمرت شرارة الحرب الأهلية بين العصابات الصهيونية، والقوات العربية، حتى غادر البريطانيون فلسطين كليًّا أواخر تشرين الأول/ نوفمبر 1947، تاركين فلسطين، نهبًا للمشروع الصهيوني الذي تنامي في ظل الانتداب على حساب الدولة الفلسطينية، التي كان من واجب البريطانيين تأمين مؤسسات لها، ودستور، وقوة عسكرية تحفظ أمنها، وبنية اقتصادية، وتنظيم إداري يرتقي بها الى مرتبة الدولة الحديثة.
على عكس الفرنسيين في بلاد الشام، تسلل البريطانيون من فلسطين، من دون أن يتركوا أثرًا لدولة تمثّل أصحاب الأرض، مخالفين المواثيق والعهود الدولية التي صدرت عن عصبة الأمم، بعد الحرب الأولى، طاعنين في ندوب المجتمع والسلطة المتهالكة أسافين العرقلة أمام صياغة هوية الدولة وسيادتها؛ بل تركوها نهبًا للآداء الصهيوني، السياسي والعسكري، ليرتع في جهاتها الأربع، معلنًا قيام دولة عام 1948؛ إعلان احتفالي لدولة بلا دستور، وقّعته شخصيات صهيونية يترأسها بن غوريون مدير الوكالة اليهودية، والرئيس التنفيذ للمنظمة الصهيونية العالمية، بعد أن سرقت من شعب كامل، خريطة وجوده وهويته، وأسماء مدنه وبلداته وقراه. ليس هذا فحسب، بل سمحت بطريقة أو بأخرى، بتشويه بنية فلسطين عبر العبث بالديموغرافية التاريخية، من خلال التخويف والاغتيال واغتصاب الحقوق والتهجير.
لقد كان ميسرًا فعلاً لـ”الوكالة اليهودية” العتيقة بمشروعها تحقيق مبتغاها بخطاها الوئيدة، بفعل سياسة الكيل بمكيالين، والتي دهست بها بريطانيا، ومن ثم هذه الدولة الساقطة تاريخ شعب، وكل المعايير الأخلاقية والإنسانية من خلال ممارساتها العنصرية بحق أصحاب الأرض. فهل اكتملت لهذه الدولة الهجينة مقومات وجودها؟ وكيف تترجمت ملامح هويتها الهجينة القومية القهرية والدينية المتعصبة؟ بدءًا من إعلان دولة على أنقاض قرى مهجرة، وأراضٍ مصادرة، وشعب مشتت بفعل المجازر والتخويف والطرد والابعاد؟ وهل أخذ هذا الكيان بعين الاعتبار المواثيق الدولية في احترام حقوق الانسان؟ أم مارس قوة القهر المبنية على الدين والتاريخ، واستبد بأهل الأرض، بغية تحقيق مشروعه ببناء الوطن القومي لليهود؟!
مكافحة العنصرية واحترام حقوق الانسان في المواثيق الدولية
تقودنا العودة العميقة في التاريخ بحثًا عن وقائع التمييز العنصرية، وعدم قبول الآخر؛ بل واستعباده واضطهاد انسانيته بأبشع المظاهر، الى طفرات التحضر بعيدًا عن الحياة المتوحشة الأولى. هذه الطفرة من التمييز والاستغلال والاستعباد تقودنا بدايةً الى قارات العالم القديم، حيث تلازمت مع موجات الحروب والغزو. وفيما انتشرت ظاهرة التمييز العنصري في زمن الامبراطوريات القديمة الكبرى من خلال تقسيم طبقات المجتمع؛ مثل اليونان على قاعدة يوناني عاقل وبربري متوحش، ومن خلال جلب الرقيق من الأصقاع البعيدة، كان من الملفت أنها استمرت بقوة في زمن الامبراطوريات في العصور الوسيطة، مترافقة مع الازدهار والعمران البشري، وما يسمى باستقرار الانسان “المتحضر” .
وعلى الرغم من حثّ بعض الأديان السماوية والفلسفات الأخلاقية في شتى زوايا المعمورة، الانسان على عدم استغلال أخيه الانسان، وتشجيعه على نبذ التمييز العنصري على أسس عصبية أو دينية أو اجتماعية، إلا أن هذه النزعة البشرية استمرت قائمة الى العصور الحديثة. من الملفت أنه من بين الديانات السماوية، كانت الديانة اليهودية تلتقي مع المذهب الأفلاطوني حول تفوق اليونان، في التمييز بين اليهودي والغريب؛ ففي العهد القديم، جاء في سفر التثنية: “لأنك شعب مقدس للربّ إلهك، وقد اختارك الربّ لكي تكون شعبًا خاصًا فوق جميع الشعوب على وجه الأرض. بهذه القراءة، يعتبر اليهودي نفسه فوق باقي البشر، وتعتبر الأغيار، مسخرين لخدمته.
وإذا كان الرقّ؛ اضمحل مع الثورات وحركات التنوير، إلا أن العنصرية، بقيت ظلاً له على الرغم من نشوء الدولة الحديثة، ومفاهيم الديموقراطية وحقوق الانسان. وبعد مرور العالم الحديث بحربين عالميّتين، الأولى والثانية، وتوافق قادته على ضبط النزاعات بين الدول، وعلى إحلال السلام من خلال منظمة الأمم المتحدة، تتالت القرارات الدولة الراعية لكرامة الانسان. ومن بين هذه القرارات، جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR)، كوثيقة بارزة في تاريخ حقوق الإنسان، اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس، في 10 ديسمبر/ كانون الأول من عام 1948، بموجب قرار الجمعية العامة كمعيار مشترك للإنجازات لكافة الشعوب والأمم. ويحدد، لأول مرة، حقوق الإنسان الأساسية التي يتعين حمايتها عالميًا، ليكون الملهم لدساتير العديد من الدول المستقلة حديثًا؛ والعديد من الديموقراطيات الجديدة.
كما تم توسيع هيكل القانون الدولي لحقوق الإنسان من خلال سلسلة من المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان؛ وغيرها من الصكوك المعتمدة منذ عام 1945. ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهي معاهدة متعَدّدة الأطراف اعتمدتها الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة بتاريخِ 16 ديسمبر/كانون الثاني 1966، الذي دخَل حيّزَ النّفاذِ في 23 مارس/آذار 1976.
ومن أهم ما ورد في هذا السياق؛ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2106 (د-20)؛ المؤرخ في 21 ديسمبر/ كانون الأول 1965، وكان تاريخ النفاذ المقرر في 4 يناير/ كانون الثاني 1969: “… وإذ تري أن الأمم المتحدة قد شجبت الاستعمار وجميع ممارسات العزل والتمييز المقترنة به، بكافة أشكالها وحيثما وجدت، وأن إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة الصادر في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1960 (قرار الجمعية العامة 1514 (د-15)؛ قد أكد وأعلن رسميا ضرورة وضع حد لها بسرعة، من دون قيد أو شرط، وإذ تري أن إعلان الأمم المتحدة للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري الصادر في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1963 (قرار الجمعية العامة 1904 (د-18)، يؤكد رسميا ضرورة القضاء السريع علي التمييز العنصري في جميع أنحاء العالم، بكافة أشكاله ومظاهره، وضرورة تأمين فهم كرامة الشخص الإنساني واحترامها” .
ليس هذا فحسب، بل أنشأت الأمم المتحدة تحت هيكليتها، مجلس حقوق الانسان في الأمم المتحدة. وتراعي الجمعية العامة إسهام الدول المرشحة في تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، وكذلك تعهداتها والتزاماتها الطوعية في هذا الصدد . حتى تاريخ 31 يناير/ كانون الثاني 2022، خدمت 123 دول أعضاء في الأمم المتحدة كأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، والملفت أن “إسرائيل” لم تكن من بينها.
في عام 1997، قررت الجمعية العامة عقد المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب. وعُقد المؤتمر بعد أربع سنوات في المدة من 31 أغسطس/ آب إلى 7 سبتمبر/ أيلول 2001 في ديربان بجنوب أفريقيا. وشملت الوثيقة الصادرة عنه تدابير بعيدة المدى لمكافحة العنصرية بجميع مظاهرها، وأعرب المشاركون في المؤتمر في المقدمة، عن القلق إزاء المحنة التي يمر بها الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الأجنبي، واعترف بحق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في تقرير مصيره، وحقه في إقامة دولة مستقلة. كما سلّموا بأن الفصل العنصري والإبادة الجماعية يشكلان جريمة ضد الإنسانية في نظر القانون الدولي.
جدلية حقوق الانسان والتمييز العنصري في قوانين “إسرائيل”
لم يكن عام 1991، عامًا عاديًا بالنسبة لسلطة “الاحتلال الإسرائيلية” (الإرهابية الصهيونية). إذ كان أمامها استحقاق “مؤتمر السلام” في مدريد، برعاية كل من أميركا والاتحاد السوفياتي. ومن الشروط التي كانت موضوعة لإتمام مشاركتها، التوقيع على بعض المواثيق الدولية التي كانت قد تغاضت عنها لعقود. فوقعت “إسرائيل” على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في 19 ديسمبر/كانون الأول 1966، وصدقت عليه محليًا في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 1991، بالتوازي مع مؤتمر مدريد، أي بعد مرور ما يقارب 25 سنة على الميثاق الدولي.
عملت “إسرائيل” مدعومة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على تحسين صورتها أمام النظام الدولي الجديد. فسعت جاهدة داخل أروقة النظام الدولي، الى إلغاء قرارات الشرعية الدولية السابقة حول فلسطين أو إضعاف قيمتها القانونية. وبالفعل، فقد تمكنت بدعم من أميركا عام 1991، وبتواطؤ أطراف أخرى من إسقاط قرار مساواة الصهيونية بالتمييز العنصري. وكان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3379، قد حدّد: “أن الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري”. وطالب جميع دول العالم بمقاومة “الأيديولوجية” الصهيونية التي تشكل خطرًا على الأمن والسلم العالميين.
هذه المصادقة على المواثيق الدولية العتيقة بالنسبة للمبادرة الصهيونية المستجدة، تدفع الى السؤال: حول كيفية الالتزام بهذه المواثيق لا سيما احترام حقوق الانسان في القوانين “الإسرائيلية”، أو بالأحرى في الدستور؟! فهل كان لـ”إسرائيل” دستور ترتكز عليه، وتجري فيه التعديلات القانونية اللازمة؛ كي تتوافق مع هذه المصادقة أمام المجتمع الدولي؟
في الواقع، “إسرائيل”؛ هي مشروع دولة ينتظر تبلور الدستور. إذ أثارت صياغة الدستور للدولة؛ الجدل بين التيارات الدينية والعلمانية، وبخاصة؛ بشأن اعتماد التوراة للتشريع في الدولة، أو الاكتفاء بالكنيست كمصدر للتشريعات. واشتد الخلاف أيضًا؛ المتقاطع مع التوجهات المختلفة حول ماهية هذه الدولة، ديموقراطية أم دينية، والتي ارتجل القادة الصهاينة إعلانها أمام القانون العام عام 1948!
وأمام هذه العقبة، بشأن صياغة الدستور، تبلورت فكرة قوانين الأساس، حيث شرّع الكنيست 14 قانونًا أساسيًا بدلاً من الدستور الرسمي. ولكل قانون أساس صيغ في فترة زمنية ما، موضوع معيّن يتعامل مع الترتيبات الحكومية، وغيرها، ومع بعض القضايا ومن ضمنها حقوق الإنسان. وأتت فكرة قوانين الأساس؛ وفقا لقرار لجنة برلمانية صادر في 13 يونيو/ حزيران يونيو 1950، وتبنته الجمعية التأسيسية “الإسرائيلية” للدستور، بحسب توجيهات رئيس الوزراء في حينه دافيد بن غوريون. لكن الترتيبات الحكومية لتنظيم العلاقات بين الدولة والمواطن؛ والبدء بتشريع قوانين الأساس، أبقت على السجال بشأن يهودية الدولة وحقوق الأقليات، في حين عمّقت قوانين الأساس الخلافات بشأن مساحة “الوطن القومي للشعب اليهودي”، وحدود “إسرائيل”؛ بعد احتلال الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة والجولان السوري في حرب 1967 .
من هنا، تُثار قضية كيفية احترام هذا الكيان لحقوق الانسان، في ظل انعدام وجود دستور موحد متفق عليه. وتفتح هذه القضية الباب على مصراعيه في فهم هذه الجدلية بين حقوق الانسان؛ وكيفية احترامها محليًا من خلال القانون، والتمييز العنصري الممارس على الأرض، والمنبثق من ثقافة دينية قديمة منذ الأسر البابلي، وشوفينية مرتكزة على تفسيرات خاصة للتوراة والتلمود، لا ترى في الآخر ندَّا أو حتى شريكًا.
ينظم القانون “الإسرائيلي”، حقوق الإنسان بناء على قانونين أساسيّين، القانون الأساس العاشر: الكرامة الإنسانية والحرية وقانون أساس: حرية المهنة، وقوانين أخرى. تشمل مواضيع حقوق الإنسان في “إسرائيل” وضع حقوق الإنسان للفلسطينيين وسياسات “إسرائيل”؛ وممارساتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحقوق المجموعات السكانية المختلفة، وحقوق العمال الأجانب وغيرها.
صدر هذا القانون في الأيام الأخيرة للكنيست الثاني عشر في 17 مارس/ آذار عام 1992. انتشر هذا القانون في خطاب حقوق الإنسان؛ وفي قضايا حرية التعبير بعد وقت قصير من تقديمه في الوثائق الدستورية “الإسرائيلية”.
ورد في القانون الأساس، وعلى الرغم من أنه يعترف بقيمة الانسان وقدسية حياته في المادة الأولى، أن غايته إرساء قيم دولة “اسرائيل” بقانون أساسي “باعتبارها” دولة يهودية وديموقراطية. وفي المقابل؛ ورد وفق المادة 9، أنه لا تقيّد الحقوق الواردة في هذا القانون الأساسي لمن يخدمون في جيش الدفاع “الإسرائيلي” (الإرهابي الصهيوني)، وفي شرطة “اسرائيل” وفي مصلحة السجون؛ وفي المنظمات الأمنية الاخرى التابعة للدولة؛ ولا يجوز الاشتراط على تلك الحقوق؛ إلا بموجب قانون؛ وبما لا يتجاوز ما تتطلبه ماهية الخدمة وطبيعتها. ويترتب على كل سلطة من سلطات الحكم؛ احترام الحقوق الواردة في هذا القانون الأساس.
هذا القانون؛ لا يمتلك القوة القانونية بوجود ممارسات وقوانين أخرى تتعارض معه؛ وإذا ما قورن بالانتهاكات الصهيونية للشعب الفلسطيني على أرض الدولة المزعومة. فالكيان الصهيوني يرتكب بشكل مستمر جرائم التطهير العرقي، مهددًا باستمرار كل مقومات الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس المحتلة وغزّة، وفي كل الأراضي الفلسطينية. فالمشروع الصهيوني؛ مبني بعنصرية مفرطة على قاعدة نمو الحضور اليهودي، على حساب أصحاب الأرض، ولذلك، تسعى السلطة “الإسرائيلية” الى التضييق على الحضور التاريخي الفلسطيني، من خلال اجتثاث أصحاب الأرض، بتبريرات مختلفة، والعمل على محو أيّ شكل من أشكال الوجود الفلسطيني ومعالمه التاريخية والحضارية؛ بل إن عمليات الاستيلاء على الأراضي وهدم المنازل الممنهجة على رؤوس أصحابها، وتدمير المنشآت الاقتصادية والزراعية، وسلسلة الاعتداءات المتواصلة على المؤسسات التعليمية، وعمليات التنكيل والقمع تدخل جميعها في إطار جريمة الإبادة الجماعية المتواصلة.
ويتأثر هذا القانون سلبًا وبقوة بالقانون الرابع عشر، أي “إعلان إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي” فقط! حيث ورد في المبادئ الأساسية: “إن أرض إسرائيل؛ هي الوطن التاريخي للأمة اليهودية! وأن لليهود فقط في إسرائيل الحق في تقرير المصير!”، من هنا، تطرح جملة من الإشكاليات حول مفهوم ديموقراطية “إسرائيل”، ومدى احترامها لحقوق الشعوب الأخرى في تقرير مصيرها؟ وهل تعتبر الأغيار شريك في الدولة، أم رعايا فقط، من دون حق المشاركة السياسية؟! وأكّد هذا القانون بمواده الإحدى عشرة، على تهميش اللغة العربية، على اعتبار أنها لغة لها مكانة خاصة، ولكن ليست رسمية، ولا يصبح استعمالها في الدوائر إلا بموجب قوانين أخرى. كما فتح مجال القبول لكافة القادمين اليهود من أرض الشتات. لقد ضرب هذا القانون إسفين التمييز العنصري عميقًا في بنية التجمعات البشرية التي تتوطن أرض فلسطين، ولا سيما بين العرب، مسلمين وغير مسلمين، وهم سكان الأرض، وبين الوافدين “الإسرائيليين” بالعقلية الصهيونية، وبذهنية الإلغاء والتهميش.
ففي 25 مايو/ أيار 2003، رداً على “خارطة الطريق إلى حلّ الدولتين” التي عرضتها الولايات المتحدة على الجانبين “الإسرائيلي” والفلسطيني، طالبت الحكومة “الإسرائيلية” بزعامة أريئيل شارون، بأن تشير خارطة الطريق بصراحة إلى “حق إسرائيل بالوجود كدولة يهودية”.
وفي رسالة من أريئيل شارون إلى جورج بوش في 14 أبريل/ نيسان 2004، بشأن نيّة “إسرائيل” فك الارتباط مع قطاع غزّة، أعلن وجوب أن يستند السلام المرجو إلى مبدأ “دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي، ودولة فلسطينية للشعب الفلسطيني”. ومنذ ذلك الحين، أصبح الاعتراف الفلسطيني بـ”إسرائيل” دولة يهودية؛ شرطاً مسبقاً للاستمرار في التفاوض. ففي الاجتماعات التحضيرية لقمة أنابوليس (نوفمبر/تشرين الثاني 2007)، والمحادثات التي تبعتها، عبّرت وزيرة الخارجية “الإسرائيلية” تسيبي ليفني، في حكومة إيهود أولمرت؛ عن هذا الموقف بكل قوة .
بعد نحو أربعة أشهر، في 3 أغسطس/ آب 2011، أودع آفي ديختر، عضو كنيست من “حزب كاديما” المعارض، مقترح قانون أساسي “إسرائيل- الدولة القومية للشعب اليهودي” في مكتب الكنيست، بدعم من عدد لا بأس به من الأعضاء/ 39 نائباً/. غير أن ديختر؛ سحب في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011؛ مقترح القانون من جدول أعمال الكنيست في ولايته الثامنة عشرة، بطلب من تسيبي ليفني، رئيسة “كاديما”، التي رأت أن النصّ قد يقلب التوازن الدقيق؛ بين ما اعتبرته القيم التأسيسية للدولة: هويتها اليهودية والديموقراطية.
خلال الولاية البرلمانية التالية الـ19 (فبراير/ شباط 2013 – مارس/ آذار 2015)، أثار مقترح قدمه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، لإحياء مسودة القانون معارضة “حزب تنوعاه” بزعامة ليفني؛ وحزب “يش عتيد” بزعامة يائير لبيد، وكانا عضوين في الائتلاف الحكومي. تسبب الخلاف في حلّ الكنيست في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، والدعوة إلى انتخابات مبكرة في مارس/ آذار 2015، لولاية الكنيست العشرين. غير أن الانتخابات أدّت إلى زيادة ملموسة في عدد مقاعد “حزب الليكود”، وتشكيل حكومة أكثر يمينية برئاسة نتنياهو مرة أُخرى. ثم أعطى تولّي “دونالد ترامب” رئاسة الولايات المتحدة في بداية سنة 2017، دفعاً جديداً في هذا الاتجاه، فاستؤنف العمل على مشروع القانون في مايو/ أيار من السنة نفسها، إلى أن حظي بالقراءات المطلوبة في الكنيست، وسُنّ في 19 يوليو/ تموز 2018.
وعلى الرغم من الجدلية التي أثارها هذا القانون لدى المجتمع العربي، وفي أوساط الكنيست والطبقة السياسية، كان هذا القانون بقوته المرتكزة على المبادئ الصهيونية أكثر ثباتًا وحسمًا للجدال في الوسط اليهودي. وتلقت المحكمة العليا “الإسرائيلية” 15 التماساً تطالب بإبطاله، وكانت هذه المرة الأولى في تاريخ الدولة التي يطلب فيها من المحكمة العليا الحكم في قانونية قانون أساسي. وفي 8 يوليو/ تموز 2021، أصدرت المحكمة قرارها الذي أكدت فيه على دستورية القانون، وبذلك تجنبت التطرق إلى مسألة تملكها صلاحية النظر في قانونية القوانين الأساسية بصورة عامة.
وكان محتمًا أن تشمل التشريعات كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مسعى لإحداث تغيير ديموغرافي عميق؛ عبر طرد أصحاب الأرض؛ وتهجيرهم قسرًا؛ وحصرهم في أماكن ضيقة، بغية تقليص مشروع الدولتين، والوصول تدريجيًا الى دولة أمر واقع، تسيطر على الضفة الغربية وقطاع غزّة، من دون الأخذ بعين الاعتبار التاريخ، أو السياسة الدولية واتفاق غزة/ أريحا؛ بل ولجأت الى العبث بالديموغرافيا التاريخية لفلسطين، من دون رادع أخلاقي، وعملت على تغليب الانتشار اليهودي؛ عبر المستوطنات مقابل الهدم والتهجير، للتغلب على أي حضور فلسطيني عمراني.
في الخلاصة، يبدو أن المواثيق الدولية ظلت غائبة عن الممارسة الصهيونية، فيما سيطرت ذهنية التمييز لصالح اليهود. فذهنية التوراة والتلمود، في اعتبار اليهود شعب الله المختار، ولهم من دون الأغيار كل الصلاحيات على الأرض التي اختاروها سكنًا لهم، من دون باقي البشر؛ وذلك على اعتبار أن هؤلاء من الأغيار، ولا يتمتعون بذات المواصفات التي تسمح لهم أن يكونوا مواطنين على أرض كانت بالأساس ملكهم. والمفارقة الغريبة، والتي يمارسها اليهود بحماية القانون، هي الاستيلاء على أراضي الفلسطينيّين من دون خوف، ووفق مبدأ القوة والقهر، تحت بند تشريعي، يعتبر هذا الاستيلاء بحسن نية، ناتج عن عدم معرفتهم أن هذه الأرض خاصة، أيّ يملكها أحد ما! وكيف يعرف المستوطن أنها ملك خاص؛ وهو الآتي بذهنية الاستيلاء والطرد والاقصاء، على اعتبار أنه أحق بهذه الأرض، بغض النظر عمن عليها!
الممارسات “الإسرائيلية” تجاه الشعب الفلسطيني
دوليًا؛ ساعد إلغاء القرار 3379 منذ 1991، ثم الإصدار المحلي لقانون الدولة القومية عام 2018، على استمرار الطبيعة العنصرية للكيان الصهيوني، وتمادي التعاطي بذهنية الاستعلاء والاستيلاء على الأرض الفلسطينية من دون سكانها، مما دفع السلطة “الإسرائيلية” الى ابتكار أساليب وممارسات عنصرية، تجاوزت ما حصل في جنوب افريقيا في العصر الحديث. وعلى أساس هذه الذهنية، تجرأ الكنيست “الإسرائيلي”، بعد 100 عام على وعد بلفور، على إعادة صياغة الوعد بوطن قومي لليهودي في فلسطين، على هيئة قانون أساس في دولة اعترف بها المجتمع الدولي منذ عام 1948. وكان هذا التشريع يترافق مع أساليب جديدة مغرقة في العنصرية، تستهدف التطهير العرقي للشعب الفلسطيني. ولعل “إسرائيل” هي الدولة الوحيدة في العالم الحديث، التي تتحدّى كل المواثيق الدولية الداعية لحماية حقوق الانسان، وتؤكد حضورها كدولة قومية عنصرية من خلال قوانينها.
ويبدو أن رواسب الأنظمة العنصرية لم تنتهِ مع انهيار نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، إذ انتقل وبصورة أبشع الى بؤرة أخرى، على أرض فلسطين. يقول البروفيسور جون دوجارد، منذ عام 2005، حين قرر عقد مقارنة علنية بين نظام جنوب افريقيا سابقاً، و”إسرائيل” حالياً، حول ممارسة التمييز العنصري فيهما، أكّد أن النظامين يتشابهان في ممارسة التمييز العنصري، والقمع/ الاضطهاد، والتشظية الإقليمية المناطقية، أما الفارق الرئيس؛ فيكمن في أن نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا؛ كان أكثر صراحة ووضوحًا، حيث تمّ تشريعه من قبل البرلمان. أما القوانين التي تحكم الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة؛ فإنها تستند بشكل كبير على قرارات عسكرية غامضة؛ وقوانين طوارىء متوارثة لم تعد صالحة للتطبيق منذ عقود.
ومن التقارير الحديثة لمناهضة هذه الممارسات، تقرير أعدته منظمات دولية حول جرائم التمييز العنصري في الكيان الصهيوني الغاصب، والذي أصدرته منظمة “الإسكوا” المنبثقة عن هيئة الأمم المتحدة، في 15 آذار/ مارس 2017؛ والملفت أن الرئيسة التنفيذية لتلك المنظمة د. ريما خلف، اضطرت الى تقديم استقالتها؛ بعد أن رفضت الانصياع لطلب الأمين العام للأمم المتحدة بعدم نشر التقرير. وكان هذا التقرير الذي أعده الباحثان ريتشارد فولك وفرجينيا تلي، قد أثار عاصفة من الانتقادات “الإسرائيلية” والأميركية، بحيث تعرض الأمين العام للأمم المتحدة لضغوط هائلة من أجل سحبه.
يخلص هذا التقرير إلى أن “إسرائيل”، أسست نظام “أبارتايد” يهيمن على الشعب الفلسطيني بأجمع. ومن الأدلة التي أوردها التقرير، الهندسة الديموغرافية التي تمثل مجالاً حيث تخدم السياسات غرض الحفاظ على “إسرائيل” دولة يهودية. وأشهر قانون في هذا الصدد هو قانون العودة الذي يمنح اليهود، أياً يكن بلدهم الأصلي في جميع أنحاء العالم، حق دخول “إسرائيل” والحصول على الجنسية “الإسرائيلية”؛ بصرف النظر عمّا إذا كان بوسعهم تبيان صلاتهم بالأرض، في حين يُحجب عن الفلسطينيين؛ أيّ حق مماثل، بما في ذلك من في حوزتهم وثائق؛ تثبت وجود منازل عائلاتهم التي تعود لأجيال في البلاد. وعلى نطاق أوسع، تعتمد “إسرائيل”؛ سياسة رفض عودة أي فلسطيني من اللاجئين والمنفيين قسراً، ومجموعهم حوالي ستة ملايين إلى أراضٍ تقع تحت السيطرة “الإسرائيلية”.
ويشير التقرير أيضًا الى عجز الفلسطينيين؛ عن التمتع بمواطنة ضمن هذه الدولة العنصرية. فمنذ عام 1967، يتوزّع الشعب الفلسطيني، على أربعة فضاءات قانونية، يُعامل فيها السكان الفلسطينيون؛ معاملة مختلفة في الظاهر، لكنهم يتشاركون في الواقع اضطهاداً عنصرياً في ظل نظام “الأبارتايد”.
وأحدث التقارير التي أشارت الى الممارسات العنصرية الصهيونية في فلسطين؛ ودوّنتها، هو تقرير “منظمة العفو الدولية” الصادر للعام 2022/ 2023، حول وضع حقوق الانسان في العالم. يبدأ تقرير “منظمة العفو الدولية” لعام 2023 ديباجته كالآتي:
“شكّل نظام الحكم القمعي والتمييزي المجحف، الذي تنتهجه إسرائيل ضد الفلسطينيين في إسرائيل؛ والأراضي الفلسطينية المحتلة على نحو مستمر، نظام فصل عنصري “أبارتايد”؛ وارتكب المسؤولون الإسرائيليون جريمة الفصل العنصري بموجب القانون الدولي… وصعّدت إسرائيل قمعها حرية الفلسطينيين في تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها. كما فرضت إجراءات الإغلاق والقيود التعسفية على حرية التنقل التي بلغت حد العقاب الجماعي، وبخاصة في شمالي الضفة الغربية… وبلغ عدد حالات احتجاز الفلسطينيين رهن الاعتقال الإداري مستوى لم يُشهد له مثيل منذ 14 عامًا، واستمر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة… وتقاعست السلطات عن معالجة طلبات اللجوء المقدمة من الآلاف من طالبي اللجوء، وفرضت قيودًا على حقهم في العمل”.
ولعل هذه المقدمة من منظمة عالمية؛ تشير الى الوضع المأساوي الذي يعاني منه الفلسطينيون في ظل هذا النظام القمعي. ويوثق هذا التقرير الصادر حديثًا، آخر من اقترفته تلك الذهنية العنصرية، على أرض فلسطين بحق الشعب الفلسطيني. ويمكن من خلال هذا التوثيق، وغيره من الأدلة الدامغة دون التباس، تفصيل بعض الممارسات العنصرية الصهيونية، على سبيل المثال لا الحصر، والتي تستمر الدولة المزعومة على القيام بها، من دون رادع، وبحجج مختلفة، على أرض احتلتها بطريقة ممنهجة منذ بداية القرن العشرين…
* باحث في التاريخ وأستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية.
(يُتبع)



