الأنظمة الاستبدادية.. والمال العام!

“المدارنت”..
من دون الدخول في جدلية التعاريف القانونية والأخلاقية والدينية للمال العام، وكيفية الحصول عليه والحفاظ عليه وأوجه صرفه والضوابط القانونية المحددة لذلك، ومن هو المسؤول الأول عنه, وهل الحفاظ عليه مسؤولية فردية أم سلطوية أم مجتمعية، أم كل ذلك؟!
إن التعريف الموجز للمال العام، هو: كل تلك الثروات الطبيعية الباطنة في جوف الأرض والظاهرة على سطحها في أي بلد من البلدان، برية كانت أم بحرية, ويعتبر ملكا لكل ساكني ذلك البلد جميعا، من دون استثناء أو تمييز، وهو بمثابة الأشياء المقدسة التي لا يجوز لأي فرد أو جماعة أو سلطة أو طائفة أو فئة أو حزب، المساس به والاعتداء عليه والسيطرة عليه، وتسخيره لحساب مصالحها الضيقة، وذلك على حساب الغالبية العظمى من أبناء البلد، مهما كانت سلطته أو موقعه في البلد, وكل من يقوم بذلك يتعرّض للعقوبة المنصوص عليها وفقا للقوانين السارية في البلد..
إن أول ما تقوم به الأنظمة الاستبدادية الاستعبادية التسلّطية الطغيانية والقمعية، ممثلة برموزها في بداية تسلطها، هو الإستحواذ على المال العام للبلد، والقيام بإهداره، وذلك عبر مظاهر عديدة ومتنوعة، وذلك بغرض شراء الولاءات, فردية كانت أم جماعية أم كليهما معا, والاغداق عليهم من المال العام للبلد، بغرض كسب ودّهم والحفاظ على بقائها واستمراريتها لأطول فترة طويلة ممكنة, مستغلة في سبيل ذلك الثقافة الاجتماعية المتجذرة في الوعي الجمعي الاجتماعي، وحتى بعضًا من النخبوي فيه حول النظرة السلبية إلى المال العام, باعتباره ملكا لتلك الأنظمة، ممثلة برموزها، تفعل فيه ما تشاء وكيفما تشاء، وكأنه لا يحق محاسبتها على ذلك من قبل أيّ فرد كان.
ولعل من أخطر مظاهر إهدار المال العام من قبل تلك الأنظمة، إن لم يكن أخطرها, هو الإنفاق من قبل تلك الأنظمة، بعشرات المليارات أو بمئات المليارات من العملة الصعبة في سبيل إنشاء جهاز عسكري أمني، مهمته الأساسية قمع الأفراد أو الجماعات أو… في البلد التي تقف أمام تلك الأنظمة، وليس الدفاع عن البلد وحمايته من أي تهديد خارجي أو داخلي يهدد تربته وإنسانه, وذلك عبر شراء الأسلحة والعتاد العسكري والأمني، بما يرافق ذلك من فساد بين تجار السلاح ومشتريه، وبما ينتج عنه من إهدار للمال العام للبلد، في الوقت الذي يعيش فيه ذلك البلد أزمة اقتصادية خانقة, وتكون الكارثة الحقيقية هي أنه عندما تنهار تلك الأنظمة، بفعل عوامل خارجية أو داخلية أو كليهما معا, ينهار معها ذلك الجهاز العسكري والأمني بموارده البشرية والمادية, كل طرف يأخذ حصته منه.
وفجأة، تتبخر كل تلك القوة العسكرية والأمنية بمكوناتها البشرية والمادية، وتتبخر معها كل تلك المليارات التي صرفت عليها من عرق أفراد البلد على حساب عيشهم ومعيشتهم, وعندئذ تصبح البلد مكشوفة ولقمة سائغة لأيّ أطماع خارجية، ويكون من السهولة وقتئذ في مكان ما، على تلك القوى النيل من تراب البلد ومن إنسانه, حيث أنه لا يوجد مؤسسة عسكرية وأمنية ساعتئذ لحمايته, بأرضه وإنسانه, وهذا هو أخطر الأشياء على البلد الذي تخلفه تلك الأنظمة، وما مصير تلك الأنظمة، ببعيد وخير شاهد على ذلك…
إن الأنظمة الاستبدادية الاستعبادية التسلطية الطغيانية والقمعية, ممثلة برموزها, وبما تمثلة من خطر جسيم وحقيقي على حاضر البلد ومستقبلها بأرضها وبإنسانها، وذلك عبر الإهدار المنظم للمال العام للبلد، ومسخ هويته وطمسها وإهدار لإنسانه وقمعه واذلاله واحتقاره، وسلبه إنسانيته وآدميته وكينونيته وذاتيته، وانتزاع هويته الوطنية, التي بواسطتها يستطيع بأن يدافع عن بلده..
إن تلك الأنظمة، ما كان لها بأن توجد وتستمر لأطول فترة زمنية ممكنة وتفعل فعلتها وافاعيلها تلك، لولا وجود ذلك الوعي الجمعي الاجتماعي “وعي التخلف” القابل بها والغير مدرك لحقيقتها وخطرها، وما كان يتسنى لها إهدار ذلك المال العام، لولا أن الوعي الجمعي الإجتماعي عموما، قابل بذلك باعتباره مالا خاصا بها، تفعل به ما تريد وليس له أيّ حق فيه, ولولا غياب الوعي النخبوي، خصوصا بمدى خطورتها وآثارها المدمرة على حاضر ومستقبل البلد بأرضها وبإنسانها, بل الأخطر من ذلك كله، هو وجود فقهائها ومثقفيها الذين يشرعنون لها عملها, دينيا وغير دينيا, ويزنون لها أعمالها وتصرفاتها, حتى إذا ما بدأت بالانهيار، يتخلّون عنها، ويتبرأون منها، وكأن لسان حالهم يقول كما قال إبليس لتابعيه ولأنصاره…؟ وبحثوا لهم حينئذ عن جديد..
فإذا كان مفهومنا وفهمنا له ووعينا تجاهه، وقد يصل إلى المفهوم المطلق والوعي المقدس، وفي غالبتنا، عامة وخاصة، بأنه ملكا خاصا لمن يحكم البلد ويتحكم بها، إنسانا وأرضا، شخصا كان أم جماعة أم فئة أم أسرة أم سلالة أم حزبا.. ولكل زبانيته، يتصرف به كيفما يشاء وبالطريقة التي يراها هو، يعطيه من يشاء، ويحرمه ويمنعه عمن يشاء، ومتى ما أراد.. فإذا أعطى ومنح.. وجب حمده عليه وشكره، وإذا حرم ومنع.. كان ذلك من حقه ولا لوم عليه..
في هذه الحالة، ذلك يعني ان العلاقة بين الحاكمين والمحكومين هي علاقة “السادة-العبيد”، قبولا طوعيا غير جبريا وقناعة ذاتية لدى المحكومين (العبيد)،..
إن قدسية وحرمة المال العام في أي بلد, آتية ومستمدة من حيث كونه ملك لكل أفراد المجتمع, مسخر لصالحهم ومصلحتهم.
وعليه، فإنه لا يجوز لأيّ فرد أو جماعة أو فئة أو طائفة أو حزب. أو حتى سلطة ذلك البلد مهما كانت – لأن من ضمن مهامها الحفاظ على المال العام-.
لا يجوز لكل أولئك انتهاك والمساس بتلك القدسية، وتلك الحرمة، خارج إطار القوانين والتشريعات المنظمة والمحددة لكيفية التصرف بالمال العام, مهما كانت الأسباب والمسببات لذلك.
إذ أن هناك فرقا كبيرا وكبيرا جدًا، بين أن تكون الوظيفة العامة والحق في المال العام، والمشاركة الفعلية في الحياة السياسية، والرعاية الصحية والإجتماعية والتأمين الغذائي والنفسي والجسدي, وغيرها وغيرها, في أي مجتمع من المجتمعات حقوقا مقدسة، وذلك في الوعي الفردي والجمعي الإجتماعي له, عامة ونخبا..
وبين أن يكون وتكون كل ذلك.. وتلك.. أحلاما وأمنيات، يحلمون بها ويتمنون الحصول عليها…
يقول عبد الرحمن الكواكبي في “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”:
“الاستبداد لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشرُّ، وأبي الظلم، وأمّي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسْكَنة، وعمي الضُّرّ، وخالي الذُّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي فالمال المال المال”.
وبأن “العوام (نحن)، هم قوة المستبد وقوته, بهم عليهم يصول ويطول, يأسرهم فيتهللون لشوكته, ويغصب أموالهم فيحمدونه على ابقائه على حياتهم, ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون لسياسته, وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريما, وإذا قتل منهم ولم يمثل يعتبرونه رحيما”.
أمّا جبران خليل جبران، فيقول:
“.. وإن كان طاغية تودون خلعه عن عرشه، فانظروا أولاً إن كان عرشه القائم في أعماقكم قد تهدم؛ لأنه كيف يستطيع طاغية أن يحكم الأحرار الفخورين، ما لم يكن الطغيان أساسا لحريتهم والعار قاعدة لفخرهم؟! وإن كان هماً ترغبون في التخلص منه، فإن ذلك الهم إنما أنتم اخترتموه لأنفسكم، ولم يفرضه أحد عليكم، وإن كان خوفا تريدون طرده عنكم، فإن جرثومة هذا الخوف مغروسة في صميم قلوبكم، وليست في يدي من أو ما تخافون”.
لذلك، فإنه، وما لم، تؤسس وتنشأ الدولة وفقا لقاعدة العقد الاجتماعي, والمواطنة الحقة المتساوية, والديموقراطية بشقيها السياسي والاجتماعي, وفصل السلطات, وتحييد المؤسّستين الأمنية والعسكرية عن الشأن السياسي, واعتبار المال العام ملكا لكل الناس وو… إلخ.
بمعنى, كدولة مدنية حديثة بركائزها الأساسية، فإن أيّ شكل من أشكال الدولة غير ذلك، حتما سوف تنهار عاجلا أم آجلا، مخلفة دمارًا هائلًا يصيب البلد بإنسانه وأرضه, ويصبح فريسة سهلة وميسرة لغزاة الخارج..



