مقالات

“الإيكونوميست”: بشار الأسد في مواجهة خطر يهدد حياته!

“المدارنت”..
ليس الثوار وحدهم من يعتقدون بأن بوسعهم تحقيق نجاح باهر، إذ عندما شرعوا بهجومهم المباغت على الشمال السوري في السابع والعشرين من تشرين الثاني، تبين لهم بأن نظام بشار الأسد يعيش حالة فوضى، إذ فر جنوده على جناح السرعة، وفي غضون أيام سيطر الثوار على حلب، ثاني أكبر مدينة سورية، لكن التقدم توقف على أبواب مدينة حماة التي تبعد مسافة 120 كيلومتراً جنوباً، لكنه لم يتوقف بشكل نهائي بعد، إذ لأول مرة منذ عقد كامل، أضحى حكم الأسد في أضعف حالاته.
يقود الهجوم جماعتان للثوار، أولهما هيئة تحرير الشام التي تعتبر الفرع السوري لتنظيم القاعدة لكنها فكت ارتباطها بذلك التنظيم في عام 2017 وأسست منذ ذلك الحين حكومة مؤقتة في محافظة إدلب التي يسيطر عليها الثوار في شمال غربي سوريا. أما الفصيل الآخر فهو الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا.
في أثناء كتابة هذه السطور وترجمتها، يبدو بأن الثوار قد حاصروا مدينة حماة من كل الجهات، وأخذوا يقاتلون للسيطرة على القرى الموجودة في ريفها الغربي والشمالي. بيد أن تدريبهم بدا أفضل بكثير من تدريب الثوار الذين رأيناهم قبل عقد من الزمان، كما استفادوا من المسيرات بشكل كبير لأغراض المراقبة والتجسس والقتال، ونشروا قطعات القوات الخاصة قبل أن يشنوا هجومهم الكبير. ولقد ترك من هربوا من جنود النظام خلفهم دباباتهم ومعداتهم المدفعية وغير ذلك من العتاد، لذا، لاشك أن يستعين الثوار بكل ذلك.
في حال سيطرت هيئة تحرير الشام على حماة فستكون وجهتها المقبلة حمص، التي تبعد عنها مسافة 50 كيلومتراً نحو الجنوب، ولابد لهذا النصر أن يقطع الطريق الرئيسي الذي يربط دمشق بالساحل، مما قد يصعب وإلى أبعد الحدود على النظام أمر الدفاع عن العاصمة كما سيعطل قدرته على إمدادها من جديد.
وفي الوقت عينه، عزز الثوار سيطرتهم على حلب وما حولها، ما أدى إلى ظهور حالة توتر مع قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركياً والتي تسيطر على معظم أجزاء شمال شرقي سوريا. فلقد أعلنت هيئة تحرير الشام لقيادات قسد بأنها لن تدخل في حرب معهم، بل سيقتصر الأمر على محاربة نظام الأسد، وعرضت عليهم العبور بسلام، لكن الجيش الوطني السوري لم يبد من الخير والإحسان ما أبدته الهيئة، بما أن داعمته تركيا تعتبر قسد تنظيماً إرهابياً نظراً لوجود صلات تربطه بالانفصاليين الكرد في تركيا، وثمة تقارير وأخبار رشحت حول وقوع اشتباكات بين الجيش الوطني السوري وقسد.

حلب أمام احتمالين.. أحلاهما مرّ
يعاني أهالي حلب من توتر شديد مرده إلى احتمالين أولهما احتمال خوض النظام لحرب من أجل استعادة المدينة، وثانيهما يتعلق باحتمال حكم الهيئة لهذه المدينة، مما دفع أبا محمد الجولاني قائد هذه الجماعة إلى محاولة طمأنة المسيحيين وغيرهم من الأقليات وإخبارهم بأنه لا وجود لشيء يمكن أن يثير الخوف داخلهم، فقد أخذ مقاتلوه يوزعون الحلويات أمام أبواب الكنائس كما رفعوا علم الثورة السورية على قلعة حلب التاريخية ولم يرفعوا أي راية إسلامية. وفي الأول من كانون الأول، أقامت الكنيسة الأرثوذوكسية بحلب قداساً كالعادة، بيد أن الجميع لم يقتنعوا بكل ذلك، لأنه في حال صدق الجولاني فيما يتصل بأمر انشقاقه عن الحركة الجهادية، فإن الأمر ذاته لا ينطبق على بعض من الجهات المتحالف معها.
ثمة أمر آخر يثير الخوف والقلق حيال الهيئة التي قد يتبين بأنها ليست أفضل من الأسد إلا بنسبة ضئيلة، وذلك لأن هذه الجماعة أصبحت مستبدة خلال السنوات الماضية، كونها اعتقلت المئات ممن انتقدوها وعذبتهم، كما تحول الفساد إلى مشكلة أخرى، ولذلك خرجت مظاهرات في إدلب بسبب البطالة وارتفاع الضرائب، غير أن الجيش الوطني السوري أسوأ من الهيئة بكثير، ولهذا أصبح معظم السوريين يعتبرونه بمنزلة مجموعة من البلطجية والمجرمين.
كل ذلك يذكرنا بمدى تعقيد النزاع السوري الذي يصل المرء عندما يفكر بأمره إلى حافة الجنون، وذلك قبل أن يتطرق للقوى الأجنبية التي تدخلت فيه، إذ يُعتقد بأن الأسد كان في زيارة لموسكو عندما بدأ الثوار هجومهم، لكنه عاد إلى دمشق في الثلاثين من تشرين الثاني، وفي اليوم التالي وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في زيارة إلى دمشق، فأخذ حاكم سوريا بالتضرع لحليفتيه المقربتين روسيا وإيران من أجل مساعدته على صد هجوم الثوار.

لا رغبة روسية بالقتال في سوريا
في بحر الأسبوع الماضي، قصفت طائرات روسية إدلب وحلب، بيد أن قدرة روسيا على مد يد العون أضحت محدودة، كما يذكر أنها اكترت قاعدة بحرية في مدينة طرطوس الساحلية وأبقت مفرزة من الطائرات الحربية في قاعدة حميميم الجوية القريبة. هذا ولقد حاولت قطعات صغيرة من الجيش الروسي الموجود في مختلف أنحاء سوريا أن تدرب الجيش السوري ليتحول إلى جيش أشد احترافية (غير أن الهزيمة التي مني بها في حلب تظهر بأن تلك الجهود ذهبت سدى).
تراجع الوجود الروسي في سوريا منذ غزو أوكرانيا عام 2022، وحتى عندما بلغ أوجه، اقتصر دوره رفد القوات العسكرية، إذ كان يساعد النظام على وضع خطط للعمليات العسكرية، إلى جانب تقديم الدعم الجوي والمراقبة والأمور اللوجستية والمعلومات الاستخباراتية، أي أنه فضل أن يترك للآخرين مهمة القتال على الأرض.

إيران في وضع لا تحسد عليه
كانت إيران تمد النظام بمعظم الذخيرة اللازمة للمدفعية، لكن كل هذا الدعم تراجع، بعد أن أصيب حزب الله المدعوم إيرانياً في مقتل بعد عام من الحرب مع إسرائيل، ولم يعد بمقدوره نشر الآلاف من مقاتليه لمساعدة الأسد كما حدث قبل عقد من الزمان، كما تعرضت إيران نفسها لغارات إسرائيلية طالت بنيتها العسكرية في سوريا طوال عام كامل، وأصبحت اليوم تحت وطأة ضغط كبير أيضاً لتخرج من شرقي سوريا حيث تحارب قسد المدعومة أميركياً ميليشيات مدعومة إيرانياً وذلك لتسيطر على قرى قريبة من محافظة دير الزور.

ثقة زائفة وبلد في طريقه نحو الانهيار
لعل الأسد كان يحس بثقة كبيرة قبل أسابيع فقط، وذلك لأن معظم الدول العربية أعادت علاقاتها الدبلوماسية معه، بل إن بعض تلك الدول صار يضغط أيضاً على أميركا حتى ترفع عقوباتها عن النظام، كما ظنت روسيا بأنها بوسعها إقناع دونالد ترمب على سحب الجنود الأميركيين من شرقي سوريا.
غير أن انقلاب الأمور بشكل سريع كان أمراً متوقعاً بالنسبة للأسد، وذلك لأن نظامه أصبح فارغاً من أي محتوى بعد سنوات من الحرب والفساد، كما انهار الاقتصاد السوري، وارتفعت نسبة البطالة وفاقتها نسبة التضخم، وأصبح قوام الجيش السوري مؤلف من شبان أجبروا على الخدمة لسنوات طويلة بأجور زهيدة، ولهذا قد يكتشف الأسد بأن مؤيديه على استعداد للدفاع عن قراهم فحسب، بما أن الروح المعنوية لجيشه قد ضعفت كثيراً لدرجة بات من المستحيل لعساكر هذا الجيش أن يحاربوا في مناطق أخرى غير مناطقهم.

هل سيتنازل الأسد لأردوغان اليوم؟
لعل الأسد يتمنى أن يعقد صفقة لينقذ بها نفسه، فلقد جمدت خطوط الجبهات في سوريا بشكل كبير منذ عام 2020 بفضل اتفاقية أبرمت بين روسيا وتركيا، وعلى الرغم من أن الأخيرة دعمت هيئة تحرير الشام والجيش الوطني السوري، فإن زحف الثوار نحو دمشق قد يقلقها، كما أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سعى إلى عقد اتفاق مع ديكتاتور سوريا وذلك ليعيد ملايين اللاجئين السوريين إلى بلدهم وليؤسس منطقة عازلة من شأنها إبعاد قسد عن الحدود.
حاول أردوغان طوال شهور أن يتفاوض على عقد اتفاق مع الأسد، غير أن الأخير قابله بالصد على الدوام، إذ ليس من عادته تقديم أي تنازل للآخرين (وعناده أثار حفيظة فلاديمير بوتين بكل تأكيد)، والآن، أصبح موقفه أضعف بكثير، بما أن السيطرة على حلب وفرت لتركيا منطقة عازلة أكبر من تلك التي تمنتها، ولعل ذلك قد يدفع أردوغان لأن يتمنى أن يصل إلى ذلك الوضع الذي يسمح له بفرض شروطه، إذ بما أن الأسد يسعى جاهداً اليوم إلى إنقاذ ما تبقى من دولته المتهالكة، فهذا يعني أنه لم يعد أمامه أي خيار سوى أن يقبل بشروط أردوغان.

المصدر: “The Economist”/ ترجمة: ربى خدام الجامع
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى