مقالات

“الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي” في سوريا ودوره في الثورة ونضاله من أجل الحرية!

عمر بكر الحسيني/ سوريا

خاص “المدارنت”
لم تبدأ حكاية حزب “الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي” في سوريا، مع احتجاجات آذار 2011. كان وراءه، يوم خرج السوريون يطالبون بحريتهم، تاريخ طويل من العمل السياسي والمعارضة، تاريخٌ شهد نشأة الحزب في زمن المد القومي العربي، ثم خلافه مع السلطة، وانسحابه من الجبهة الوطنية التقدمية، وسنواتٍ ثقيلة عمل فيها السوريون تحت وطأة الاعتقال والملاحقة والخوف.

منذ تأسيسه عام 1964، حمل الحزب أفكار التيار القومي العربي، ودافع عن العدالة الاجتماعية والحريات العامة وحق الناس في المشاركة في حكم بلادهم. وتبدلت ظروف سورية كثيراً منذ ذلك الحين، لكن السؤال الذي واجه الحزب بقي حاضراً: كيف يشارك السوريون جميعاً في بناء دولتهم، وكيف تُصان كرامتهم وحقوقهم؟

من الجبهة إلى صفوف المعارضة
شارك الحزب في الجبهة الوطنية التقدمية مطلع السبعينيات، ثم اصطدم بالاتجاه الذي كانت تسير فيه البلاد. وجاءت المادة الثامنة من دستور عام 1973، التي جعلت حزب البعث قائداً للدولة والمجتمع، لتضع الخلاف في صلب مسألة الحكم ومستقبل الحياة السياسية. انسحب الحزب من الجبهة، ومضى في طريق المعارضة، مدركاً ما يعنيه ذلك في سورية تلك السنوات.

وفي عام 1979، شارك في تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي. وجد السوريون في هذا التجمع إطاراً يجمع قوى مختلفة حول مطلب التغيير الديمقراطي والعمل السياسي السلمي. وكانت المحافظة على هذا الصوت، وسط التضييق الأمني الطويل، عملاً شاقاً بحد ذاته.

مع بداية الألفية الجديدة، أضاف الحزب كلمة «الديمقراطي» إلى اسمه، واتسعت مشاركته في العمل العلني والمنتديات السياسية والثقافية. حضر أعضاؤه في النقاشات التي شهدتها البلاد، وفي أنشطة حقوق الإنسان والتضامن مع القضايا العربية، ومنها ما ارتبط بمنتدى جمال الأتاسي ومنتدى الكواكبي. كانت تلك اللقاءات متنفساً لسوريين يريدون الكلام في شؤون وطنهم بعد أعوام فُرض فيها الصمت على المجال العام.

حين خرج السوريون إلى الشوارع
في آذار 2011، انفجرت مطالب راكمتها سنوات الاستبداد. خرج الناس يطلبون الحرية والكرامة، ويحتجون على القمع والفساد وغياب العدالة. انحاز الحزب إلى هذه المطالب، وشارك أعضاؤه في الحراك الشعبي والنشاط السياسي المعارض في عدد من المناطق السورية.

ومع تصاعد القمع واتساع رقعة الحرب، انخرط عدد من قادة الحزب وكوادره في العمل المسلح دفاعاً عن أرضهم وأهلهم وأعراضهم. واستشهد منهم من حمل السلاح بعدما وجد قريته وبيته في مواجهة الموت، فصار اسمه جزءاً من سجل تضحيات الثورة السورية.

دعا الحزب إلى الحفاظ على سلمية الاحتجاجات، وحذّر من العنف والطائفية والتدخل الخارجي. وكانت هذه المواقف جزءاً من رؤيته لمستقبل البلاد: سورية تتسع لأهلها جميعاً، مهما اختلفت آراؤهم وانتماءاتهم.

دفع بعض كوادر الحزب ثمن نشاطهم اعتقالاً وملاحقة، وكان اعتقال رجاء الناصر في دمشق عام 2013 من أبرز الوقائع التي طالت قياداته. وعرفت سنوات الثورة أيضاً اغتيال شخصيات من صفوف المعارضة. خلف كل اسم من تلك الأسماء أهلٌ ورفاق، وأيامٌ طويلة عاشوها بين الخوف والانتظار والإصرار على مواصلة العمل.

هيئة التنسيق ومحاولة جمع القوى
شارك الحزب في تأسيس هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي في حزيران 2011. وكان أمينه العام آنذاك، حسن عبد العظيم، من أبرز مؤسسيها، وتولى مهمة منسقها العام منذ قيامها.

جمعت الهيئة أحزاباً وشخصيات معارضة، وطرحت في بداياتها مبادئ تؤكد سلمية الحراك، وترفض العنف والطائفية والاستبداد والتدخل الخارجي، وتطالب بانتقال سياسي ديمقراطي. وفي تلك المرحلة، كانت أصوات السوريين المعارضة تتعدد، كما كانت الخلافات بينهم تتسع مع تصاعد القمع وتحوّل مسار الأحداث. حاول الحزب، من موقعه في الهيئة، أن يحافظ على صلة المطالب التي خرجت بها الثورة بمشروع سياسي يحمي وحدة البلاد ويؤسس للمواطنة والتعددية.

امتد هذا العمل إلى لقاءات ومؤتمرات داخل سورية وخارجها، من المؤتمر الوطني لإنقاذ سورية في دمشق إلى لقاءات القاهرة وباريس وبروكسل. وكانت محاولة الوصول إلى موقف مشترك بين قوى المعارضة حاضرة في كثير من تلك الاجتماعات. وفي عام 2015، ناقش المكتب السياسي للحزب نتائج لقاء باريس بين ممثلي هيئة التنسيق والائتلاف الوطني، ورأى في وثيقة المبادئ الأساسية حول التسوية السياسية خطوة نحو تقارب المواقف.

التفاوض وأسئلة المرحلة الانتقالية
مع امتداد الحرب وتفاقم المأساة السورية، تمسك الحزب بمسار الحل السياسي، واستند في مواقفه إلى بيان جنيف وقرارات الأمم المتحدة، ومنها القرار 2254. وشارك ممثلوه في مؤسسات المعارضة ومسارات التفاوض التي نشأت خلال تلك السنوات.

كان حسن عبد العظيم عضواً في هيئة التفاوض السورية المنبثقة عن مؤتمر الرياض الثاني عام 2017، وشارك أحمد العسراوي في أعمال اللجنة الدستورية السورية. وقد شدد الحزب في مواقفه على أن كتابة دستور جديد ترتبط بمسار أوسع يتناول الحكم والانتخابات ومؤسسات الدولة والأمن. فالنصوص الدستورية تحتاج إلى حياة سياسية تتيح للسوريين ممارستها وحمايتها.

إلى جانب المؤتمرات والتفاوض، واصل الحزب الدفاع عن حقوق المعتقلين والحريات العامة، وعن وحدة المجتمع السوري في وجه التحريض الطائفي. وكان للعمل الثقافي والشبابي مكان في تاريخه، من المنتديات التي سبقت الثورة إلى أنشطة مثل مخيم جمال الأتاسي للشباب. حمل هذا النشاط إيماناً بأن السياسة تبدأ أيضاً من قدرة الناس على الاجتماع والحوار والاختلاف من دون خوف.

خلافات داخل الحزب والمعارضة
اشتدت الخلافات داخل المعارضة السورية كلما تعقدت الثورة وتعددت القوى المتدخلة فيها. واختلفت المواقف من التسليح، والتدخل الخارجي، والتفاوض، والعلاقة بين القوى السياسية والتشكيلات العسكرية. وظهرت هذه الخلافات داخل حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي نفسه؛ ففي عام 2012، انشقت مجموعة من قياداته وشكّلت ما عُرف باللجنة التنفيذية، واتجهت إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.

ترك الانقسام أثره في الحزب، كما تركت انقسامات أخرى أثرها في مجمل المعارضة. وكانت تلك السنوات امتحاناً قاسياً للأحزاب والشخصيات السياسية، وسط حرب أخذت من السوريين أكثر مما تحتمله بلاد.

ومع ذلك، استمر حضور الحزب في مؤسسات المعارضة ومساراتها السياسية. وبقيت دعوته إلى إنهاء الاستبداد وبناء دولة ديمقراطية جزءاً من مواقفه المعلنة طوال سنوات الثورة.

بعد سقوط النظام
بسقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، دخلت سورية مرحلة انتظرها السوريون طويلاً، وهم يحملون خسارات ثقيلة وأسئلة أكبر عن الغد. وصف الحزب ما جرى بتحرير سورية والخلاص من الحكم الأسدي، وبدأت أمامه، كما أمام سائر القوى السياسية، مسؤولية جديدة: المساهمة في بناء حياة عامة يستطيع السوريون المشاركة فيها بحرية.

تحتاج البلاد اليوم إلى مؤسسات تحمي الحقوق، وقانون يسري على الجميع، وحياة سياسية تقبل التعدد والاختلاف. وتحتاج، قبل ذلك كله، إلى الإصغاء لمن عاشوا الاعتقال والنزوح والفقد، وإلى معالجة آثار الحرب من دون أن يُقصى جزء من السوريين عن مستقبل وطنهم.

يمتد تاريخ حزب “الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي” عبر مراحل متباعدة من تاريخ سورية الحديث: من تأسيسه في ستينيات القرن الماضي، إلى انسحابه من الجبهة الوطنية التقدمية، ثم عمله في صفوف المعارضة، ومشاركته في الثورة وأطرها السياسية. وفي هذا التاريخ مواقف تستحق التوثيق، وتجارب تستحق النقد والمراجعة أيضاً.

أما ما يستطيع الحزب تقديمه لسورية الجديدة، فستحدده قدرته على العمل بين الناس، وتجديد أدواته، وفتح المجال أمام الأجيال الشابة، والدفاع عن المبادئ التي ناضل من أجلها طوال عقود. فالحرية التي خرج السوريون يطلبونها تحتاج اليوم إلى من يحرسها في القانون والمؤسسات، وفي تفاصيل حياتهم اليومية.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى