الاسلام والديموقراطية.. رؤية في ضوء (الربيع العربي)*.. الجزء الثاني..

خاص “المدارنت”..
قابلية التفاعل المتبادلة فكرا وحضارة
… الآن وبعد تحديد مفهوميّ الاسلام والديموقراطية, كلًا على حدة, نتقدم خطوة أخرى على طريق استجلاء طبيعة ومساحة العلاقة المشتركة الممكنة بينهما, ومدى قابلية كل منهما للتفاعل مع الآخر، وهل يتناقضان ويتنافيان أم يتلاقيان ويتماثلان..؟ وإلى أي مدى؟ وكيف؟ وفي ظل اي شروط؟
أولا _ بالنسبة للاسلام: يؤمن المسلمون بأن دينهم هو خاتم الرسالات السماوية وينبني على ذلك أنه يختزل الديانات والرسالات السابقة عليه , ويحتوي على ما يجعله صالحًا في الحاضر والمستقبل, ومؤهلا ليتكيف مع جميع البيئات والثقافات والامم , وهذا هو الواقع. فالاسلام كدين منتشر وبقوة في جميع القارات من الصين والهند إلى أوروبا والأمريكتين, مرورا بأفريقيا, وهو الدين الذي يمتلك ميكانيزم انتشار خاص به متحرر من قوة المسلمين وظروفهم, وهو الأسرع انتشارا في العالم حتى الان, وبخاصة في أوروبا, ويبلغ مجموع المؤمنين به نحو مليار وربع مليار . وهو دين العقل والعلم والحضارة مثلما إنه دين الفطرة, وهو الدين الذي لا يفرق بين البشر لا بسبب اللون والعرق , ولا بسبب الدين, ولا بسبب المكانة الاجتماعية . وهذه الخاصيات الفريدة تجعل الاسلام ذا قابلية كبيرة لاستيعاب معطيات التطور وثمرات التقدم المادي والمعرفي البشري. وسنشير هنا إلى منظومة محددة ومحدودة تحقق هذه القابلية. مع اعترافي أنها مبتسرة وقاصرة, ويتطلب الامر مزيدا من التعمق والأناة.
1_ لم يحدد الاسلام كدين صيغة محددة للحكم في الدولة , ولا نظاما محددا , ولكنه حدد إطارا من المفاهيم والحدود الثابتة وترك للعقل البشري أن يساير التطور ويملأ الاطار بالنظم المناسبة حسب كل عصر, وحسب كل بيئة, فليس مهما ان يكون خلافة أو ملكية أو جمهورية أو غير ذلك, بل المهم أن يراعي الحدود والقواعد والمقاصد الشرعية للاسلام. ولكن منطوق الاسلام وروحيته تقتضيان أن يتبع المسلمون في كل عصر النظام الافضل السائد, ويلاحظ الشيخ العلامة عبد الله العلايلي أن القرآن يحرم النظام الملكي, ويرى ان علة التحريم ليس لأنه ملكي وحسب, ولكن لأنه مطلق السلطات والصلاحيات أي ديكتاتوري وفاسد وطغياني . ويرى مفكرون وفقهاء لا حصر لهم أن النظام الاسلامي الذي يناسب هذا العصر ويحقق مقاصده الشرعية هو النظام البرلماني, ومن هؤلاء الشيخ علي عبد الرازق في كتاب اصدره في مطلع القرن العشرين , عنوانه الاسلام واصول الحكم , ويذهب إلى مثل هذا المفكر حالد محمد خالد في عدة كتب ووصل إلى أن تعددية الاحزاب وحريات التعبير هي شرط من شروط الاسلام, وهو كان يعني أن النظام الاشتراكي الذي طبق في مصر والغى التعددية والحريات السياسية الليبرالية في الخمسينات والستينات يتعارض مع الاسلام.
2 _ لا يقر الاسلام (الدولة الدينية) إطلاقا وليس فيه اي امتيازات لطبقة رجال الدين على صعيد الحكم , والحكم فيه لعامة المسلمين حسب الكفاءة والأهلية ورضا الناس . وقد رفض الرسول الكريم (ص) أن يختار أحدا من الصحابة ليكون خليفه له فاختار المسلمون أبا بكر بعد نزاع بسيط وذان احتيارا على اساس الرضا والاختيار الحر, وهو أكد على هذا المعنى في خطبته الأولى التي تمثل برنامجه الحكومي:
(أَيُّها الناسُ فَإِني قد وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم فإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي وإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُوني. الصِدْقُ أمانةٌ والكَذِبُ خِيَانَةٌ . والضعيفُ فيكم قويٌّ عندي حتى أرجعَ إليه حقَّه إن شاء اللّه، والقويّ فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذَ الحقَّ منه إن شاء اللّه. أَطِيعُوني ما أَطَعْتُ اللَّهَ ورسولَه فإِذا عَصَيْت اللَّهَ ورسولَه فلا طاعةَ لي عليكم. – المصدر: سيرة ابن هشام وعيون الاخبار لابن قتيبة ). إذن فالحكم يكون لمن يحتاره المواطنون, ويوافقون عليه بناء على مؤهلاته وليس لأي شرط ديني . وكرر عمر بن الخطاب المعاني نفسها فقال إن أخطأت فقوموني فقام أحد الرجال وقال له لنقومنك بسيوفنا. فرد عمر: الحمد لله الذي جعل في امتي من يقومني بالسيف إن أخطأت . وعندما حدثت الفتنة الكبرى اقتتل المسلمون بسبب السلطة في عهد علي ومعاوية , ولكن أحدا منهم لم يشكك ابدا بصحة إيمان الآخر , ولم يكفر احد الآخر. ولم يقل اي منهما إن ما يطرحه الاخر حرام أو كفر . فالجانبان يقران بأن ما يطرحانه هو اجتهاد ورأي في شكل السلطة وأمورها , وهذه مما تركه الدين مفتوحا لاجتهاد البشر، ولم يحدد الوحي الالهي نموذجا معينا للحكم.
3 _ أساس الحكم في الاسلام ومعياره وغايته هو العدل بالمعنى المطلق , والقرآن الكريم يحفل بالآيات التي تتحدث عن هذا المعنى المبدئي الثابت , ومن المجمع عليه بين الفقهاء أن الدولة الكافرة إذا كانت عادلة خير من الدولة المسلمة إذا كانت ظالمة. والدول في القرآن والسنة إنما تهلك وتنهار لغياب العدل وليس لكونها كافرة, وإنها ترقى وتتطور بالعدل, ولا شك أن العدل هو محتوى الديموقراطية.
4 _ الدولة في الاسلام دولة وطنية أو مدنية تساوي بين مواطنيها بصرف النظر عن اديانهم ومذاهبهم. الدولة الاولى في الاسلام التي أسسها الرسول في المدينة بعد هجرته اليها, كانت تضم مسلمين ويهودا ومشركين ونصارى, وقد وضع الرسول مع الاطراف الاخرى (الصحيفة) لتنظيم العلاقات والحقوق والواجبات واعتبرها المشرعون في التاريخ بمثابة (دستور) للدولة, وتألف من 46 مادة, ساوت بين الجميع ووحدت بين الحقوق والواجبات. وفي عهد الخلفاء كان بيت مال المسلمين يكفل معيشة الجميع وينفق عليهم مسلمين ويهودا, وفي عهد الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز كان ترميم الكنائس في الشام من أموال الزكاة وصدقات المسلمين , ومعروف ان جمهور الفقهاء المسلمين أجازوا إعطاء الزكاة والصدقة لأهل الكتاب . وهذه الدولة لا تفرق في المناصب بين مسلم ومسيحي, وجميع الخلفاء كانوا يوظفون مواطنين غير مسلمين وخاصة السريان في بلاد الشام, كما اجاز القرآن للمسلم العمل في دولة غير مسلمة , وهذا هو أحد معانى سورة يوسف عليه السلام حين شغل منصب الوزير الاول مع ملوك مصر غير المؤمنين.
5 _ الدولة في الاسلام ونظامها ينبغي أن ينص على حرية جميع الناس في الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر واحترام عقائدهم وحفظ مؤسساتهم واموالهم, واعترف الاسلام بسماوية جميع الديانات وخاصة المسيحية واليهودية , ونهى بعض الفقهاء ذم اي دين كالبوذية, ونهى القرآن نهيا مشددا وكذلك الرسول عن الاساءة لاهل الكتاب المسيحيين واليهود وامتدح النصارى بشكل خاص واعتبرهم الاقرب والاكثر مودة للمسلمين, واجاز العمل والتعامل وتناول طعامهم, والزواج منهم , والصلاة في معابدهم, والتفاعل معهم باحترام تام , ونهى الرسول عن تكذيب روايات الاحبار ورجال الدين المسيحيين, كما نهى بإلاجماع إكراه احد على ترك دينه أو إجباره على اعتناق الاسلام.. وما إلى ذلك. والدولة التي تكفل بهذه الدقة حرية الاعتقاد الديني, لا بد انها تكفل حرية الاعتقاد السياسي, وفي الامور الاخرى كافة بطبيعة الحال.
6 _ الاسلام نفسه دين ليس فيه تنظيم هراركي كالتنظيم الكنسي , وليس فيه طبقة خاصة لرجال الدين , ولا يرتب لهم أي سلطة لا دينية ولا زمانية على المسلمين باستثناء الاحترام الطبيعي لهم كعلماء, بل يذهب علماء كثر إلى عدم جواز وجود رجال دين كفئة أو طبقة مميزة باللباس أو بالوظائف أو بالاسم. ومن هؤلاء د. محمد البهي ود . محمد أحمد خلف الله ود. سليم العوا من المعاصرين. والاسلام بحسب الغالبية الساحقة من الفقهاء والمذاهب هو علاقة اتصال مباشر ودائم بين المسلم وخالقه مما يجعله حرا في الاعتقاد ولا رقابة مطلقا على الضمير والاعتقاد. وهذه المسألة أحد ابرز مسائل التعارض بين المسلمين السنة والشيعة حيث أقام هؤلاء مؤسسة دينية تراتبية وجعلوا للشيوخ سلطة على أتباعهم وجعلوا لهم سلطة من خلال نظرية المرجعية وولاية الفقيه التي تطبقها إيران منذ (ثورة الخميني), فالمرشد لا يحاسب ولا يسأل, وهو فوق القانون وطاعته واجبة دينا , ولا شيء من هذا في الاسلام الاصلي عند طائفة السنة التي تمثل الغالبية الساحقة.
7 _ الدولة في الاسلام ونظام حكمها لهما وظائف دينية لا يجوز التخلي عنها تجاه الدين والمجتمع. فكما أن الدولة الدينية لا وجود لها في الاسلام, فالدولة الالحادية, أو المعادية للدين لا وجود لها أيضا وحتما. ولا بد ان ترعى الدولة ونظامها عشرات الوظائف المنعلقة بالاديان كافة, كبناء وترميم وخدمة المساجد, وتلبية الحاجات الروحية للمجتمع كالتربية والتعليم, وتنظيم العلاقات بين الطوائف, وحماية الارث والاوقاف وتشريع القوانين الناظمة للاحوال الشخصية, أي الزواج والطلاق والارث والتركات… إلخ.
ثانيا _ بالنسبة للديموقراطية: من الناحية المقابلة لا بد أن نتعرض لمفهوم الديمقراطية وبعض خصائصه التي تمثل إشكالية بالنسبة للمسلمين المعاصرين. نقول إن الديمقراطية في صورتها التركيبية المعاصرة ومن الناحية الايديولوجية تنطوي على قيم ومفهومات لا تتناسب مع الاسلام تماما , ولا زالت تمثل عائقا جديا أمام انتشارها في أوساط المسلمين, وعلى سبيل الذكر لا الحصر نشير إلى ما يلي:
1 – العَلمانية: هي اللائكية بالفرنسية التي كانت أول من صاغها وطبقها المفكرون الفرنسيون أمثال مونتسكيو وروسو. وهي كمفهوم تعني فصل الدين عن الدولة وتحويله إلى حق شخصي أو أمر خاص للمواطنين. يرى معظم المفكرين المسلمين أن هذا المفهوم ناتج عن حكم الكنيسة الديني المطلق في أوروبا خاصة, وبعض دول ومناطق أخرى من العالم عامة, حيث ساد العسف والتشدد مع جميع الاطراف, إلى أن ضاقت الشعوب بهذا الحكم وثارت عليه , وكان أن صاغ الفلاسفة التنويريون مفهوم إزاحة الكنيسة عن عرش السلطة الزمانية وحصر مهمتها في الوظيفة الدينية فقط.
وهذه السيرورة لا مثيل لها في العالم الاسلامي, إذ لم يكن هناك حكم ديني لرجال الدين, ولا مظالم وفظائع كالتي عرفها المسيحيون في تاريخهم , مثل محاكم التفتيش وقتل المجدفين والهراطقة و أصحاب العقائد المخالفين والآراء المتحررة , حيث كان بعض هؤلاء يحرقون بالنار, واستمر الامر على هذا النحو إلى أجل قريب . يرى المفكرون المسلمون أن دينهم لم يشهد هذا, ولذلك لا مبرر للعَلمانية, بدليل أن غالبية المسلمين لا تطالب بإزاحة الاسلام عن السياسة والحكم بل تدعو له مشتكية من عزله, فضلا عن أن طبيعة الاسلام كدين ودولة, وعقيدة وشريعة, وعبادات ومعاملات, لا يمكن إقصاؤه بالكامل من وظائف الدولة, ولا يمكن أن تقبل شعوبنا المسلمة فكرة أو نظاما, كهذين, والحل عندي وقد نشرته منذ 1979 في مجلة المستقبل العربي الرصينة هو بالتوصل إلى عَلمانية اسلامية, أو دولة مدنية لا دينية, كمقابل للعَلمانية الغربية أو المسيحية, وهي تعني حصر وظائف الدولة الدينية في أضيق نطاق. ثم طرحت تيارات وجماعات عديدة فكرة الدولة المدنية حلا أو بديلا عن العَلمانية وتبنتها جماعة الاخوان المسلمين وتطرحها في خطابها السياسي الحالي وبرامجها للحكم في المستقبل , ولكن ما زال يعوزها التاصيل والإيضاح العلميين .
2 – حقوق الانسان. لم يكن مفهوم حقوق الانسان كما تطرح اليوم جزءا من منظومة القيم الديمقراطية الرئيسية, وإنما هو مفهوم طارىء ومستحدث يعتبر من صور التطور في الفكر الديمقراطي والانساني والسياسي, وطرح للمرة الاولى عام 1976 كعنوان لبرنامج حكم الرئيس جيمي كارتر 1977 – 1981, وكان مثار استهزاء في البداية. أما البيان العالمي لحقوق الانسان الذي ارتبط صدوره بنشوء الامم المتحدة كمؤسسة للنظام الدولي , وصار البيان بمثابة شرعة دولية , تعتبر واجبة الاحترام والالتزام.
ثم اصبح التلازم بين حقوق الانسان والديمقراطية والحداثة ونظم الحكم المقبولة ثقافة عالمية راهنة, وسلوكا دوليا تجسد في منظمات ومؤسسات دولية بعضها مستقلة وبعضها تابعة للامم المتحدة تدافع عن انتهاكات حقوق الانسان وطنيا وعالميا. وبعد تبلور المفاهيم والقيم وتطورها السريع , صارت عنصرا هاما من عناصر الديمقراطية بل العنصر الاهم . وقد ساير المسلمون هذه التطورات فكريا وتشريعيا ومنظميا , وعقدت عشرات الندوات والمؤتمرات العلمية الرائدة, اشير فقط إلى المؤتمر الرائد الذي عقد في ليماسول عام 1983 بدعوة من مركز دراسات الوحدة العربية, وعرضت فيه عشرات البحوث الرصينة, أجرت في جانب منها دمجا وتأصيلا بين الاسلام وهذه الحقوق, ثم تمخض عنه تأسيس المنظمة العربية لحقوق الانسان , كأول وأقوى منظمة عربية في هذا المضمار , واعترفت بها الامم المتحدة رغم احتجاج كثير من الدول , ثم ظهرت محاولات تأصيل اسلامي علمية لهذه المفاهيم . وأنصح المهتمين بالعودة إلى كتاب [حقوق الانسان في الاسلام ] للدكتور الشيخ راشد الغنوشي , وهو كتاب ممتاز جدا على هذا الصعيد علميا, ويتمتع بميزة استثائية لأن مؤلفه زعيم للحركة الاسلامية التونسية التي تحكم الآن . وتمثل أفكار الكتاب المذكور رؤية فكرية وسياسية وتشريعية حاليا لحركة النهضة وتيار عريض من التيارات والحركات الاسلامية.
ونضيف أيضا أن هذه الحركة جزء من حركة الاخوان, وبالتالي تؤشر الى اتساع افق هذه الحركة وتنوع اتجاهاتها بين مصر وتونس واليمن وسورية بحسب الظروف الاجتماعية المحلية لكل بلد . لكن الامر الذي لا بد أن نوضحه هنا ونتوقف عنده هو أن المسلمين لا فكريا ولا تشريعيا ولا الان ولا مستقبلا يمكن أن يقبلوا جميع مندرجات حقوق الانسان المطروحة في الغرب أو في بلدان غير اسلامية , ويمكن الاشارة بعجالة إلى أمور مستعصية , مثل تشريع الشذوذ الجنسي والقبول به كحق من حقوق الانسان , أو إطلاق حرية الزواج المدني , أو مسألة تبديل الدين , أو الاساءة للأديان في وسائل الاعلام , أو القبول بإعلان الكفر الصريح والدعوة له . ومعالجة هذه الاشكاليات تتطلب اجتهادات وإعمالًا للعقل وابتكار حلول , لكن يمكن القول على عجل إنه يمكن تبني حقوق الانسان بصفة عامة واستثناء بعض القضايا مراعاة للحساسيات الدينية, وهو أمر معمول به في دول عريقة ومهمة, كالهند والصين واليابان واليونان …و غيرها .
3 – إشكاليات العلاقة بين الطوائف والاديان : لا بد أن نعترف بأن بلادنا التي تضم منذ الأزل تعددا وتنوعا دينيا ومذهبيا فسيفسائيا في بعض الحالات يشكل واقعا لا ادعاء صورة حضارية مشرقة للتنوع والتعايش والتسامح والتفاعل الحي , وهو أمر لم تستطع مجتمعات اوروبية المحافظة عليه في تاريخها فقامت بتصفيته بالابادة الجماعية والترانسفير , وصولا للانصهار القومي .
إن المجتمعات الشرقية ذات الغالبية المسلمة مدعوة الان وهي تتهيأ للتحول إلى مرحلة جديدة من تاريخها ونهضتها وحداثتها , وخاصة المسلمين منهم لمعالجة وحسم بعض القضايا فكريا ودينيا وتشريعيا , وخاصة مسألة هوية الدولة . ودين رئيس الدولة , ومسألة حق غير المسلمين في تبوء المناصب العليا , ومسألة مرجعية الاسلام في التشريع . وما إلى ذلك, ونشير هنا إلى أن هذه المسائل أصبحت ملحة, نتيجة تلاعب النظام الطائفي الديكتاتوري بالمسألة الطائفية والتمييز بين الطوائف وخلق حساسيات واحقاد قابلة للانفجار والتوارث إن لم تعالج جديا , ولا بد من العمل للمحافظة على جميع المكونات السورية وحمايتها ونشر ثقافة التسامح الاصيلة, وتجنيب سورية المزالق التي انساقت اليها دول اخرى وخاصة لبنان والعراق.
ثالثا نظريات وتجارب الحكم الاسلامي: لا يسمح سياق البحث بالتوسع في تقييم التجارب الرئيسية للحكم عبر خمسة عشر قرنا شهدت دورات صعود وهبوط , وانتقال واسع لمراكز الحكم في الدول الاسلامية الكبرى , ولذلك سنكتفي بإشارات مقتضبة يفرضها مسار البحث . بداية نشير إلى ثراء التراث الاسلامي بكتب مهمة جدا في هذا الميدان , وخاصة كتب التاريخ لابن خلدون والمسعودي والطبري و صولا إلى ابن قتيبة والماوردي . وفي الكتابات المعاصرة لا يختلف الامر فهذا الاختصاص يحتل ركنا رئيسيا من الدراسات التاريخية والجامعات ومراكز الابحاث وهناك مئات المتخصصين أمثال د. رضوان السيد وسعيد بن سعيد وخلدون النقيب واحمد موصللي ومحمد عمارة وعبد الاله بلقزيز … إلخ يمكن العودة لمؤلفاتهم وتحقيقاتهم الغنية.
لقد اسلفنا أن دولة المدينة التي اسسها وقادها الرسول منذ اليوم الاول للهجرة كانت نموذجا رائدا شرعيا وتشريعيا للتعددية والتسامح , أما دولة الخلفاء الراشدين فتميزت بالعدالة المثالية وترسيخ دعائم الدولة اللادينية ولكن في ظل السلطة الاسلامية المستقرة , ونزوعها أيضا لتأسيس مفهوم المواطنة والولاء للدولة والدين والانتماء الفكري بدل الولاء للقبيلة والانتماء لها , وتأسيس الدولة المؤسسية نظرا الى ان مجتمع الجزيرة العربية منذ ما قبل الاسلام كان مجتمعا فريدا ومثاليا , لا دولة فيه ولا مؤسسات تسلطية بل يدير شؤونه بطريقة تلقائية ويحتكم للاعراف والقيم الاخلاقية بدل التشريعات.
وكان من إيجابيات الفتنة الكبرى انها مزقت البنى القبلية التي تمثل تحديا امام بناء الدولة والانتماء لمجتمع متعدد , والانقسام بناء على الاختيارات الفكرية والعقائدية لا على النسب والقبيلة والقربى. وكانت تجربة الخلافة نقلة عميقة جدا وتاريخية في تركيب المنطقة وطبيعة دورها العالمي, ثم كانت الدولة الأموية التي لم تعمر أكثر من قرن نقلة اخرى لتثبيت مرجعية الدولة على أساس القوة والسلطة لا على أساس الاختيار الديمقراطي, وفي حين مثلت نكسة حادة باختيار الوراثة والعصبية القبيلية والقومية معيارا للسلطة والحكم بدل الاختيار الديمقراطي , كانت نوعية بتثبيت دعائم الحكم الامبراطوري القائم على تقوية الدولة وتحديثها باستمرار من خلال استيعاب معطيات وتجارب الشعوب التي تفاعلوا معها من خلال الفتوحات والتوسع الهائل بين الهند وشبه القارة الايبيرية.
أما الدولة العباسية فتميزت بالاستقرار والرقي والازدهار العظيم على كل المستويات والمجالات, ولم يكن ذلك متأتيا بدون نظام حكم رشيد يتسم بقدر معقول من العدالة والحرية الفكرية والمساواة بين مواطنين تتعدد قومياتهم ودياناتهم ومذاهبهم وقبائلهم , وهو ما نلمح تأثيره العميق في التمزق والانقسامات المتتالية في وحدة الدولة, فظهرت دول كثيرة وإمارات متنافسة, وبدأت الصراعات على السلطة والجاه والمال تزداد وتتعاظم وتفت في عضد الدولة وتنخرها الحروب, حتى انهارت اخيرا في القرن الخامس عشر, لكن الدول الاسلامية كلها تتسم بقدر مهم من التسامح الديني , بل كان التسامح مع غير المسلمين اكثر مما هو بين الطوائف والمذاهب الاسلامية . أما الدولة الاسلامية في الاندلس فعمرت ثمانية قرون وبلغت درجات عالية جدا من الازدهار الحضاري والعلمي والادبي, ونموذجا رائدا وفذا للتسامح الديني والتعايش بين الاديان الثلاثة, بل إن اليهود يعتبرون تلك التجربة أنصع فترات تاريخهم على الاطلاق , قبل أن يحرقوا بالنار ويطردوا مع المسلمين الى شمال أفريقيا وشرق اوروبا حيث كانت الدولة العثمانية قد ظهرت للوجود ورسخت أركانها على حساب الامبرطورية البيزنطية المتداعية بين ضغط المسلمين من الشرق وضغط الدولة الرومانية الكاثوليكية من الغرب , وانهيارها الداخلي بسبب الحكم الاستبدادي الديني الكنسي المطلق الذي كان يملك الارض وما عليها , ويدفع الفلاحين للثورات المستمرة.
السلطنة العثمانية كانت في عصرها تجربة مشرقة من الحكم الاسلامي , ومن الغبن والعسف النظر إلى تلك الأمبراطورية التي امتدت على ثلاث قارات وكانت أكبر دول العالم وأقواها لثلاثة قرون على الأقل من خلال الفترة الاخيرة في تاريخها والتي اتسمت شأنها كشأن أي دولة في مراحل ذبولها وتداعيها بالاستبداد والقمع والتمييز. لقد كانت الدولة العثمانية في مراحل عنفوانها دولة مثالية في التسامح الديني واتسمت بنيتها بالانفتاح على الشعوب الكثيرة التي كانت تحت سلطانها , وحمت الكثير من الطوائف والاقليات وأقامت نظاما للملل والنحل, يشهد له بالرقي والعدالة, وأذكر أن عالما من علماء التاريخ في الولايات المتحدة اسمه مالرو يرى أنه لولا العثمانيون لما تمكن المذهب البروتستانتي من الانتشار في قلب أوروبا , ويرى أن السلطنة كانت في عصرها الذهبي أقرب ما تكون للولايات المتحدة حاليا , من حيث التسامح والمساواة والرقي , ويقول اليهود شيئا قريبا من هذا أيضا. لكن لا يمكن وفي كل الاحوال إغفال جوانب عظيمة من تجربة السلطنة العثمانية التي استمرت نحو ستة قرون , وخاصة نظام الحكم الذي كان مفتوحا لوصول أي فرد من أبناء شعوبها لتبوء أعلى المناصب بلا أي تمييز إلا في كونه مسلما.
وبجانب التجربة العثمانية عرفت الهند ووسط آسيا تجارب حكم راقية جدا في القرون ما قبل الوسطى, يتعذر الاشارة لها بالتفصيل جميعا, ولكن شواهدها لا تزال حية, وخاصة تجربة الحكم المغولي في الهند.
* ملاحظة: البحث كتب عام 2012 ولم ينشر.
يُنشر بالتعاون مع “موقع “ملتقى العروبيين”.



