الحرية والمشيئة الإلهية..

خاص “المدارنت”..
(قراءة في الوجهة الإسلامية لمفهوم الحرّيّة)
الإنسان في الإسلام كائن حرّ. لكنّ حرّيّته تقف عند حدود أفعاله، أمّا ما هو خارج هذا النطاق من موجودات الكون والطبيعة والحوادث الموضوعية التي تخرج عن إرادته وقدرته، فلا حرّيّة فيها ولا خيار.
وهذه الأفعال التي نملك فيها خيارنا الحرّ هي الأفعال التي تدخل في نطاق التكليف الإلهيّ. لقد كلّف الله الإنسان باتّباع طريق الخير بالنيّات والأفعال، وترك له حرّية اتّباع أوامره ونواهيه، أو عصيانها، ومكّنه من تحقيق ما يريد؛ فله أن يفعل من الأفعال ما يتوافق مع رضى الله، وله أن يعصيه ويخالف رضاه (… فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ…)، والله هو الذي يمكّنه من فعل ما شاءت له حرّيّته.
هكذا هي مشيئة الله أن نكون أحرارًا في اتّباع أحد طريقيّ الخير أو الشرّ، وأن يحصد كلّ منا نتيجة نيّته وعمله بمنتهى العدالة (من يعمل مثقال ذرّة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره).
إذًا، مشيئة الله هي عين حرّيتنا، ومشيئتنا هي هي عين مشيئة الله (… وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ..”.
وبيان ذلك أنّ الله في العقيدة الإسلامية شاء أن يكون لنا مشيئتنا وخيارنا الحرّ، على أن نتحمّل نتيجة أفعالنا؛ فإذا اخترنا مثلًا أن نحسن الى فقير ما، خلق لنا القدرة على ذلك، ومكّننا من هذا الفعل، وإذا سئنا أن نأتي المنكر، وأن نسعى إلى أذيّة الآخرين، أو أن نطلق لساننا في الشتيمة وتناول كرامات الناس، مكّننا من ذلك أيضًا، وإن كان عملنا مخالفاً لرضاه. حتّى في العقيدة، فقد ترك لنا الحرّية في أن نختار ما نشاء من الدين، فلم يكرهنا على ذلك البتّة. (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ).
وقد يظنّ بعضهم أنّ القضاء والقدر يتضمّن معنى إكراه الناس على ما يخالف ميولهم ورغباتهم وما لهم من نوايا وإرادات، وهو ظنّ خاطئ؛ فالله يقضي لكلّ امرئ من نوع نيّته وإرادته؛ فقضاء الله ومشيئته هما باتجاه نيّة الإنسان ورغبته ومشيئته ، فلا تناقض على الإطلاق بين التسيير الإلهيّ والتخيير البشريّ. (…فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى”..).. (… وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ..”.
لكنّ هذه الحرّية التي شاءها لنا الله، هي ليست حرّية ثابتة، بل هي في حركة مستمرّة ، يتزايد مقدارها مع التطوّر العلميّ والتكنولوجيّ؛ فمع اختراع الآلات وتطوّر الإتصالات والمواصلات، وزيادة معارف الإنسان في مجالات الطبيعة والمجتمع، مع كلّ ذلك تتزايد هذه الحرّية بشكل مضّطرد.
ومن المعروف أنّ الإسلام دعا إلى إعمال العقل وتشجيع العلم، ممّا كان له أثره في بناء نهضة حضاريّة كبيرة.
حصاد القول أنّ الحرّية في الإسلام هي حرّية نسبيّة تفهم في ضوء التكليف الإلهيّ؛ فالإنسان حرّ في أعماله سواء اتّجه بها نحو الخير أو الشرّ.
هذه هي مشيئة الله التي أرادت له أن يكون حرّا، ومسؤولا حيال أعماله.
لا شكّ في أنّ هذا المفهوم الإسلاميّ للحرّيّة لا يتوافق ووجهات فكريّة أخرى وخاصة من ذوات الاتّجاه العلمانيّ؛ لكنّنا عندما نقرأ تلك الوجهة الاسلاميّة في إطارها العقائديّ الدينيّ، فمن المنطقيّ أن نسجّل أنّها تمثّل موقفًا مهمّا عندما تتخطّى الإكراه نحو فكرة الحريّة معتبرة أنّ المشيئة الإلهيّة مصدر أساسيّ لها.



