مقالات

السودان.. القاتل منظور والمتهم مجهول..!

د. علي ابراهيم/ السودان

خاص “المدارنت”..

فى يوم الثالث من يونيو/ حزيران، تمرّ الذكرى الثانية، لجريمة فضّ إعتصام الثوار السودانيين، أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، حيث كانوا فى حماية تلك القوات، ظنًا منهم بأنهم في مأمن من الغدر والخيانة!

 فى صبيحة ذاك اليوم، إقتحمت قوات عسكرية مدججة بالأسلحة النارية، والعصي، مقر الإعتصام، فقتلت وجرحت المئات، وألقت ببعض جثثهم في نهر النيل، وأخذت البعض الآخر إلى مقابر جماعية، و لا يزال الكثيرون منهم في عداد المفقودين.
جريمة يندى لها الجبين، هى الأبشع والأكثر دموية وإيلاما فى تاريخ السودان المعاصر، كانت موثقة بالصورة والصوت، وتفاصيل وقائعها منقولة عبر الوسائط الإعلامية المتعددة، وثابتة يقينا بأعين الشهود والمراقبين.
المجرم، إعترف بها على لسان الناطق الرسمي للمجلس العسكري الإنتقالي، فى مؤتمر صحافي مشهود، وأعلن (بأن فى الليلة السابقة لفضّ الإعتصام عقد المجلس العسكري بكامل أعضائه إجتماعا موسعا، بالإضافة إلى قادة القوات المسلحة، ورئيس هيئة الأركان ورئيس المخابرات العسكرية والأمنية والشرطية، في حضور رئيس القضاء، والنائب العام، لأخذ المشورة القانونية في كيفية التعامل مع مثل هذه الحالات، بعد ذلك خطط المجلس، وقرّر ونفذ فضّ الإعتصام).
الإعتراف سيد الأدلة
عند محادثات ترتيبات الفترة الإنتقالية، أصر المجلس العسكري الإنتقالي على أمرين، من الأهمية بمكان ولهما ما بعدهما – لشئ في نفس يعقوب – الأول، رفضه وبصورة قاطعة أن يتم تقصي الحقائق في مجزرة فضّ الإعتصام بلجنة دولية.
والثاني، أن تكون وزارتيّ الدفاع والداخلية، من نصيب المكوّن العسكري، وتحت ولايته. وخضع الطرف المفاوض لهذا الطلب الغريب، لضعفه، وتكالبه على محاصصة وضيعة ومخزية. وعلى أثر  ذلك، كونت لجنة محلية، تمّ إختيارها بعناية فائقة، لكي تضيع الحقيقة وتخفى آثار الجريمة، ويفلت المجرم الحقيقي من الحساب والعقاب.
وكان من المفترض أن تنهي مهمتها، وتقدم تقريرها خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة شهور، ولكنها ظلت تتلكأ وتماطل، وتطالب بمزيد من الوقت حتى قاربت المدة العامين!
ومن الفينة والأخرى، يصرح رئيسها، بأن هناك أسباب لوجستية تعطل عملها، أو أنه يحتاج إلى المزيد من الشهود، بعد إستجواب أكثر من 3500 شاهدًا!
هل يعقل ان تكون هنالك أسباب لوجستية، بعد إستجواب هذا العدد الهائل؟ وكم يود سيادته من الشهود ليكمل تقريره؟ فى جريمة واضحة وضوح الشمس فى رابعة النهار.
وبمناسبة هذه الذكرى الحزينة – والتى تصادف أيضا  التاسع و العشرين من رمضان – دعت اسر شهداء المجزرة إلى إفطار سلمي فى رمضان،  في  نفس  الساحة، وبإعلان مسبق وفقا لما تسمح به الوثيقة الدستورية فى التجمع والتظاهر السلمي.
وفى اليوم السابق للإفطار، قامت القوات المسلحة، بإقفال الطرق المؤدية الى ساحة الإفطار، فى خرق واضح للوثيقة، ولا يُخف على أي متابع للمشهد، إرهاصات شر مستطير، يُدبر ويُعد من ذات القوى الشريرة، قد يعيد نفس المسلك الإرهابي الدموي.
وقد حدث ما كان فى الحسبان، فقد أطلقت القوات المسلحة الرصاص الحيّ على الشباب، وهم يغادرون ساحة الإفطار، وأردت منهم شهيدين، وجرحت آخرين. وبعد هذه الجريمة المركبة!
خرج رئيس الوزراء، ببيان باهت، لا يسمن ولا يغنى من جوع، ولا يشفي غليلا، وكأنه محلل سياسي قادم من كوكب آخر، وليس بصفته المسؤول الأول عن حماية هؤلاء الأبرياء العزل المسالمين.
هل كلف نفسه مساءلة وزير الداخلية، عن التدابير التى أتخذت لمواجهة الإحتمالات والسيناريوهات المتوقعة؟ وهل سأل وزير الدفاع عن مغزى وهدف قرار قفل الطرق؟ والذي هو مخالفة صريحة للدستور، وهل طلب من جهاز الأمن العام إحاطته بالمعلومات المتوفرة لديه؟ ومن المسؤول عن  الإعتداء على اسر الشهداء؟ وهل توفير الحماية المدنية والشعبية هي مسؤولية القوات المسلحة؟ أم هي حصرآ  مسؤولية الشرطة؟
إذا توفر قليل قدر من المسؤولية المهنية، أو من الشعور المعنوي، كان من المفترض أن يقدم وزيرا الدفاع والداخلية إستقالتيهما، وإلا كان على رئيس الوزراء أن يقوم بإعفائهما من منصبيهما!
 بعد هذا التطور التراجيدي، أصبح السكوت على  الجريمة، بمثابة مشاركة فى مأساة وطن، يترنح في طريق بلا هدى أو رشد.
وبدأ الحديث بصوت مسموع فى الشارع، وفى أروقة ومنتديات العمل السياسي الرسمي، مما دفع إحدى أعضاء مجلس السيادة، بتقديم إستقالتها، متهمة قوى خفية – لم تسمها –  بإدارة شؤون البلاد، ثم تبعتها إستقالات أخرى، مما يعرف باسم مجلس شركاء الفترة الإنتقالية، الذى هو فى الأصل كيان غير دستوري.
ولم تتوقف تلك القوي الشريرة، عن ممارسة دورها الإرهابي، فى خطف الثوار من لجان المقاومة الشعبية، وتعذيبهم، وقتلهم، ثم القذف بهم الى ذويهم، جثثًا هامدة.
وبعد ذلك، القيام بتحرير شهادات وفاة مزورة وكاذبة، وتشريح غير صادق لجثامينهم الطاهرة.
المكوّن العسكري أجهض الثورة السودانية
إن سلوك ونهج المكون العسكري ليس غريبا، فهو مخطط لأهدافه ومراميه بدقة، بعيدا عن نهج الثورة و أهدافها المعلنة – وإن أدعى إنتمائه إليها – فهو كاذب.
المكون العسكري، إنقلب على الثورة، وأجهضها فى مهدها فى السادس من أبريل عام 2019، ويمثل النسخة الثالثة للإنقاذ، وهو الذى يشكل الحماية والرعاية لعناصر النظام السابق على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري والإعلامي، وهذا يفسر لنا أسباب ترك تلك العناصر حرة طليقة، على الرغم من الموبقات والجرائم التى أرتكبت طوال ثلاثين عاما عجافا.
ويفسر لنا أيضا إصرارهم على التمسك بوزارتيّ الدفاع والداخلية، ورفضهم هيكلة القوات المسلحة والقوات الأمنية والقوات الشرطية إلى  الآن.
قد يكون الأمر المحير حقا فى المشهد السياسي السوداني، هو الدور السلبي لرئيس الوزراء السيد عبد الله حمدوك، فى القيام بدوره المنوط به كما حددته الوثيقة الدستورية، التى جعلت من السودان جمهورية برلمانية، وأعطت السلطات التنفيذية لمجلس الوزراء.
إنه ترك طواعية كل الملفات المهمة والحساسة، كملف السياسة الخارجية، وملف  السلام، وملف  الصحة، وملف  الحكم المحلي  للمكون العسكري، وقبل أن يكون رئيسا مناوبا للجنة الإقتصادية، خلف رجل معلوماته متواضعة في علم الإقتصاد.
 وترك الحبل على الغارب، فاتحا الباب على مصراعيه للمكون العسكري، ليتغوّل على السلطات التنفيذية، فأربك حركة الثورة، وخدر المشاعر والإحساس الإيجابيين في التغيير.
حمدوك  الوحيد في العالم
لم يقدم بيانًا لوزارته
وسيشهد التاريخ، بأن السيد حمدوك، هو رئيس الوزراء الوحيد في العالم، الذى لم يقدم بيانآ  لوزارته منذ أن تقلد المنصب، ولا تعرف له أي سياسة محددة  فى أى مرفق، كل ما يعرف عنه تصريحات مقتضبة، عامة ومبهمة، لا تقدم رؤيا ولا تعالج إشكالا.
لا يختلف اثنان، فى إنه وجد أرضا محروقة من النظام البائد، ولكنه لم يقم بأى فعل أساسي لإصلاح الحال خلال فترة حكمة الوجيزة، فقد الجنية السوداني أكثر من 75 % من قيمته، ووصلت نسبة التضخم والبطالة والفقر إلى مستويات متدنية غير مسبوقة.
 إنفرط عقد الأمن والأمان وإشتدت وتيرة الحروب الأهلية والنزاعات القبلية والجهوية، بخاصة بعد التوقيع على ما يسمى بإتفاق جوبا للسلام.
الظهور المفاجئ للسيد حمدوك، بعد ترشيحه لمنصب وزير المالية في آخر حكومة للمخلوع البشير، وقبوله المنصب، ثم رفضه ذلك بعد حين.
ثم ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء، إبان فترة الحراك الشعبي الثورى، من قبل بعض عناصر ما سمي –  بالهبوط الناعم –  والتي كانت تفاوض قبل الثورة، من أجل الوصول إلى إتفاق يحفظ مصالحها فى ظل نظام هجين مع النظام السابق.
إن  السيد حمدوك، لم يعرف له أى دور سياسي، أو أي نشاط معارض لسلطة البشير البائدة.
هذا الظهور المفاجئ،  وبهذه الطريقة أعاد إلى الأذهان تجارب مشابهة في دول أخرى، مثل تانسو تشيلر فى تركيا، وحامد كرزاي في أفغانستان، وأحمد جلبي فى العراق، وبنازير بوتو فى باكستان. إنهم بعد أن يؤدوا المهمة الموكلة إليهم، سرعان ما يختفي نجمهم، ولا تكاد تسمع لهم ذكرى.
الوضع فى السودان، وصل إلى مرحلة معقدة، وغاية فى الخطورة، وقد تجر البلاد إلى مزالق ومتاهات قد يصعب حلها  وعلاجها.
أمراء الحرب في السودان
باتوا شركاء في السلطة
إن واقعا جديدا قد ظهر على السطح، بخاصة بعد دخول أمراء الحرب كشركاء فى سلطة، وزعت  فى محاصصة بغيضة، لا يستطيع أحد أن ينكر أو يتجاهل هذا الواقع المستجد.
ويبقى مفتاح الخروج من هذا المأزق الراهن فى يد حمدوك، فى أن يتخذ القرارات الصائبة والصحيحة، وأن يقيم تجربته فى الحكم بصدق وموضوعية ومنهجية  ليصل إلى النتيجة.
الوطن، يحتاج في هذه الظروف إلى رئيس وزراء قوي، خارج من رحم الثورة، يعرف قدر التغيير ومتطلباته الآنية والمستقبلية، ويقف سدا منيعا ضد التغوّل على  السلطات التنفيذية، ويعمل من أجل إقتلاع آثار النظام السابق، وإقامة نظام ديموقراطي مدني تعددى، يكفل الحريات والحقوق فى تبادل سلمى للسلطة، ويعانق حركة الجماهير الثائرة، صاحبة المصلحة في التغيير الديموقراطي الحقيقي.
وإلى أن تقوم أسس العدالة والحكم الرشيد، يبقى لا مفر من نقل قضايا القتل والجرائم ضد الإنسانية، المرتكبة من النظام الحالي والسابق إلى المحاكم الدولية، ورصدها وتوثيقها عند المنظمة الدولية لحقوق الإنسان. وهذه الجرائم لا تسقط بالتقادم.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى