العراق.. ثنائية الدولة والدولة الموازية!
“المدارنت”
تحدثنا كثيرا عن المقدمات التي صنعت الدولة الموازية في العراق منذ العام 2003، وقلنا إن نواتها الأولى هي القوات العسكرية والأمنية التي كانت مزدوجة الولاء التي شكلها، عمليا، الأمريكيون عبر الأمر رقم 9 الصادر عن سلطة الاحتلال/ سلطة الإئتلاف، عام 2004 بعنوان «تنظيم القوات المسلحة والميليشيات في العراق»، وهو الأمر الذي سمح بدمج الميليشيات ذات الطبيعة العقائدية، في الجيش والأمن (وتحديدا ميليشيا بدر التي تشكلت في إيران بأمر من الخميني نفسه، وفي سياق رؤيته للهوية الشيعية العابرة للحدود التي وضع لتسويقها مصطلح «تصدير الثورة»)!
وقد أدى هذا القرار إلى فشل مبكر في إنشاء قوات عسكرية وأمنية مهنية، ولاؤها للدولة فقط، لذلك رأينا كيف أن هذه القوات تتصرف بوصفها ميليشيات ترتبط عقائديا وإيديولوجيا بالمرجعيات التي كانوا يتبعونها، ودائما كنت أشير إلى أن الشرطة الاتحادية لم تكن، على سبيل المثال لا الحصر، سوى غطاء لميليشيا بدر، التي كانت الذراع العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق! وبالفعل تحولت تلك القوات إلى أداة سياسية/ طائفية لفرض هوية أحادية على الدولة نفسها، وكانت تجربة «الحرس الوطني» هي النموذج الأول والأسوأ في هذا السياق، خاصة من خلال دورها في عمليات القتل على الهوية في سياق الحرب الأهلية ذات الطبيعة الطائفية التي أعقبت تفجير مرقدي الأمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء في شباط 2006.
وقد كشفت المواجهات التي حدثت في أعقاب العملية العسكرية التي قام بها رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي عام 2008 ضد الصدريين، والتي أطلق عليها صولة الفرسان، عن طبيعة القوات العسكرية والأمنية مزدوجة الولاء، عندما عمد المالكي إلى فصل عشرات الآلاف من المنتسبين في القوات العسكرية والأمنية بسبب انحيازهم إلى الصدريين/ جيش المهدي في تلك المواجهة.
عام 2012، وبعد مشاركة مقتدى الصدر في التحالف الذي طالب بسحب الثقة عن المالكي، إلى جانب أياد علاوي زعيم القائمة العراقية، ومسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، عمد المالكي، وتحسبا لأية مواجهة عسكرية محتملة مع الصدريين، إلى دعم «منشقين» عن جيش المهدي لإنتاج ميليشياتهم الخاصة، وإعادة «إحياء» ميليشيات أخرى، وبالفعل استخدمت هذه الميليشيات في سياق دعم نظام بشار الأسد، ثم لاحقا للقيام بعمليات عسكرية في محيط بغداد دون إطار قانوني!
وبعد سيطرة تنظيم داعش على الموصل في 9 حزيران 2014، توفرت الفرصة التاريخية لفرض هذه الميليشيات كأمر واقع، مع الاعتراف الرسمي بمرجعياتهم العقائدية! ومراجعة الوثائق الرسمية تثبت أن المالكي أصدر قرارا بالرقم 301 بتاريخ 11 حزيران 2014 تحدث فيه عن ما سماه «تنظيم صفوف المتطوعين وصرف رواتبهم وتجهيزاتهم»، والمقصود هنا شرعنة تلك الميليشيات بشكل رسمي، قبل أن يصدر المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني فتواه عن «الجهاد الكفائي» يوم 13 حزيران، وهي فتوة دعت إلى «التطوع للانخراط في القوات الأمنية»!
وفي محاولة أخيرة من الأمريكيين لوقف مأسسة هذه الميليشيات، طرحت فكرة تشكيل «حرس وطني» على غرار نموذج الحرس الوطني الأمريكي، لمعالجة أزمة الثقة بين المجتمع السني والقوات العسكرية والأمنية العراقية ذات الطبيعة الطائفية، وفي محاولة لضمان مشاركة المجتمع السني في المحافظات التي سيطر عليها داعش ضمن هذه القوة العسكرية المستحدثة، وقد جعل الأمريكيون مسألة الحرس الوطني هذه، مرتكزا أساسيا في خطتهم الاستراتيجية للتدخل العسكري التي أعلنت في التاسع من تشرين الثاني، فقد اعتمدت الخطة على دعم قوات محلية «سنية» لمواجهة تنظيم الدولة/ داعش.
وبالفعل تضمن البرنامج الحكومي لحكومة حيدر العبادي التي تشكلت في بداية أيلول 2014، فقرة أشارت إلى أن من أولويات الحكومة تشكيل منظومة الحرس الوطني من أبناء كل محافظة كقوة رديفة للشرطة والجيش، وجعلها «العمود الأساسي في إدارة الملف الأمني في المحافظات». كما حددت وثيقة الاتفاق السياسي بين الكتل السياسية لتشكيل الحكومة سقفا زمنيا لتشريع قانون تشكيل الحرس الوطني لا يتجاوز ثلاثة أشهر من لحظة حصول الحكومة على الثقة!
وبدأ في نهاية أيلول 2014 تداول مسودة أولى أعدتها الحكومة لمشروع قانون الحرس الوطني، كانت أقرب إلى التصور الأمريكي، ولكن الفاعل السياسي الشيعي لم يكن مستعدا لتشكيل هكذا قوة، وكان حريصا على الإبقاء على الميليشيات العقائدية الشيعية كقوى ذات طبيعة طائفية، فعمد إلى إفراغ فكرة الحرس الوطني من محتواها تماما، لهذا وفي نهاية شباط 2015 تم تداول مسودة ثانية لقانون الحرس الوطني تنسف تماما الفكرة الأمريكية، لتكون المسودة الجديدة مجرد تكريس لشرعنة الميليشيات العاملة تحت عنوان الحشد الشعبي، ووُئدت فكرة الحرس الوطني!
هكذا استطاع الفاعل السياسي الشيعي أن يحول هذه الميليشيات العقائدية (والتي يتبع أكثر من 90% منها، مبدأ «ولاية الفقيه»، ويرتبط بالحرس الثوري الإيراني بشكل مباشر)، إلى أمر واقع لاسيما بعد تواطؤ الأمريكيين وصمتهم. وبعد سنتين من عمل هذه الميليشيات على الأرض، صدر قانون يشرع وجودها رسميا في نهاية تشرين الثاني 2016!
مع نهاية الحرب على داعش عام 2017، وفشل القانون والأوامر الديوانية التي أصدرها رئيسا مجلس الوزراء حيدر العبادي وعادل عبد المهدي في «تقنين» أوضاع هذه الميليشيات، أو حتى فك ارتباطها بمرجعياتها الدينية والسياسية والحزبية، وبداية من عام 2020 اتضح الغرض الحقيقي من تشكيل هذه الميليشيات؛ وهو ما كنا نشير اليه دائما وهو تعمد الفاعل السياسي الشيعي إلى توسيع نفوذها وزيادة أعدادها ومواردها، لتكون الضمانة الحقيقية لاحتكاره السلطة والدولة في العراق، ومحاولة فرض هوية أحادية عليه، وأنها لم تكن مجرد تشكيل لمواجهة حالة استثنائية (داعش)، بل كان الهدف من وراء تشكيلها هو إنتاج دولة موزاية استطاعت في النهاية أن تسيطر على مجلس النواب والقرار السياسي، ولديها مواردها الاقتصادية الخاصة بها، ولا تعتمد على السلاح وحده لفرض سطوتها!
في مقال نشرناه عام 2020 بعنوان «الدولة الموازية ومسؤولية السيستاني»، قلنا إن الحل الأمثل لمواجعة هذه الدولة الموازية التي يصر الفاعل السياسي الشيعي على الإبقاء عليها، هو أن يرفع المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني نفسه الغطاء عنها، وبلغة صريحة وواضحة وغير قابلة للتحريف أو التأويل، فيحرجَ بذلك من أوجدها ومن يحميها، ويمنح الدولة/ الحكومة زخما للتعاطي معها بكل حسم. لكن من الواضح أن السيد السيستاني لم يقرر اتخاذ هذه الخطوة بعد، ربما لأنه يعرف أن 90% من هذه الميليشيات لا تقلده من الأصل، وبالتالي لن تلتزم بأي شيء يصدر عنه!
لهذا كله، تبدو المشاهد المسرحية لتسليم السلاح، والخطابات الهزلية لفك ارتباط بعض الميليشيات بمرجعياتها، أو الحديث المفرط في التفاؤل عن تاريخ 30 أيلول، بوصفه تاريخا نهائيا لحل هذه الميليشيات أو نزع سلاحها تزامنا مع الانسحاب الأمريكي، مجرد خرافات في سياق أصوات قصف الميليشيات المستمر من الأراضي العراقية، لدول الجوار العربي، ومعرفة الجميع بحقيقة أن قرار مصير هذه الميليشيات ليس قرارا عراقيا من الأصل، بل هو قرار إيراني بحت، وبالتالي مخرجات الحرب الأمريكية الإيرانية وحدها هي ما سيحدد مستقبل الدولة الموازية هذه!



