العقم الإنساني التحرري العربي وسيكولوجية عبوديتنا.. هل من خلاص؟!

خاص “المدارنت”..
بادئ ذي بدء، ولما نحن فيه وعليه كأمة في هذه الأيام، ولما صرنا إليه من مهانة وذل..
أقول: إن الأمة التي لا تنجب محرّريها، وتستمر في الإنجاب، وبشكل مستمر وبكميات غفيرة، في كل وقت وحين، وبخاصة عندما تعيش فترة الانسدادات على كافة الأصعدة والمستويات، وتعيش، وعيًا ووجدانا، في إنتظار المنقذ والمخلص.. هي أمة عقيمة…!
حيث إن احتجاجات وتظاهرات وتمرّد العبيد وحتى ثوراتهم ضد أسيادهم، لا يمكن لها إلا أن تستبدل أولئك الأسياد بأسياد جدد، أو تؤدي إلى تحسين شروط عبوديتهم ولو بالقدر اليسير والضئيل، وقد تؤدي إلى تكريس العبودية أكثر من سابقاتها..
وهذا، للأسف الشديد، ما انتجته كل ثوراتنا واحتجاجاتنا وتظاهراتنا وانتفاضاتنا العربية عبر عقود وقرون مضت، فإن كنا قد تحررنا كأرض من تلك القوى الاستعمارية الأوروبية أو كأنظمة من تلك القوى المستبعدة الداخلية.. فإننا لم نتحرر كأناس منها، وإلا لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه كأمة..(طبعا هنا لا أنكر تلك المحاولات الجادة التي جرت هنا وهناك خلال العقود والقرون القريبة الماضية).
حيث أنه، كنتيجة طبيعية وحتمية وانعكاسا طبيعيا وحتميا، لتجذر وتجذير العبودية فينا، عبر قرون من الاستعباد والقهر والهدر والاذلال والتنكيل، وعيا قبل سلوكا وتصرفا وممارسة حياتية يومية، قبولا ورضا طوعيا واختياريا (عبودية طوعية مختارة).. فإننا دوما وصفة وطبعا وماهية لا نحلم بالحرية، ولا نفكر فيها وبها، ولا نطالب بها, بل أننا لا نتخيل أنفسنا أحرارا بالمفهوم الصح والصحيح ل”الحرية”، حقوقا إنسانية مقدسة، حيث أن الحرية بالنسبة لنا كمفهوم ووعي وثقافة وعقلية وفكر.. ما تزال مرتبطة إرتباطا وثيقا بذلك الصك المادي، بين البائع والمشتري، (النخاس والسيد) في سوق النخاسة، ولم يتغير منذ قرون عديدة مضت..
فنحن نجد ذواتنا وذاتيتنا وأنفسنا في تلك العبودية.. ولا نتخيل أنفسنا بعيد عنها، بل لا نستطيع العيش من دونها..
لذلك فإننا نشعر بالضياع وفقدان أنفسنا، ذوات وذاتية حقيقية كما نتخيّل وخُيّل لنا، إذا ما قام المُستعبِد لنا بمعاملتنا بإحدى طريقتين:
أما بتجاهلنا وعدم الطلب منا خدمته.. الأولى.. أو بإعطائنا الحرية الكاملة.. الثانية.
إن اقصى ما يمكن أن نطالب به، هو تحسين شروط عبوديتنا, سواء من مُستعبِدينا القداماء (قوى استعمارية وقوى داخلية)، أو من مُستعبدينا الجدد (قوى داخلية), فنحن ننتقل من مُستِعد إلى آخر (ومن مستعمر غاز إلى مستعمر وطني)، كما قال شاعرنا المرحوم عبد الله البردّوني, ومن وضعية عبودية إلى أخرى..
إن مُستعبِدينا، هم حياتنا وسعادتنا وأفراحنا وأهلنا وأوطاننا! نتماهى بهم ونتقمصهم تماهيًا وتناغما واندماجا وتقمصا كليا، فنحن لا نملك ولا نمتلك أي شيء، إلا ما يجودون هم به علينا، هبة وأعطية وتفضلا وتكرّما وإحسانا، نشكرهم عليه ونثني عليهم، ونقول فيهم “ما لم يقله مالك في الخمر”. وإذا حرمونا ومنعونا، نقبل بذلك عن رضى وطوعية، بل إننا نحمدهم -قبل خالقنا – بالإبقاء علينا أحياء، مهما كانت تلك الحياة من البؤس والفاقة والحرمان.. إلخ.
إذ أن هناك فرقا كبيرا.. وكبيرا بين المطالبة بالحرية من العبودية والتحرر والتخلص والخلاص منها كظاهرة مادية ومعنويه، وكظاهرة وعيية بصورها الفكرية والعقلية والثقافية، ومن ثم سلوكية وممارساتية..
وبين المطالبة بالحريه من العبوديه.. كظاهرة ظرفية آنية بغرض تحسين شروط تلك العبودية، والبحث عن وضعية عبودية أفضل من سابقتها..
حيث أن “البعض عندما صرخ “حرية”.. لم يقصد التحرر من “قطيع الخراف”.. بل لأنه لم يحب هذا “الراعي” تحديدا.. لقد ثار على “الراعي”.. وليس على فكرة القطيع. وهكذا، سرعان ما صرخ “ماااع” في ظرف آخر، كما قال الكاتب وطبيب الأسنان أحمد خيري العمري، وحال البعض: “لو أن السماء أمطرت حرية، لرأيت بعض العبيد يحملون المظلات”، كما قال أفلاطون.
أما إذا وجد من بيننا، وكنتيجة لما نحن فيه وعليه من العبودية، من يحاول القيام بأي عمل في سبيل تخليصنا من عبوديتنا، فإنه يلاقي الكثير، والكثير الكثير من الصعوبات والعوائق الجمّة التي تعترض طريقه، مصدرها ومنبعها ليس مُستعبِدينا، بل نحن بالدرجة الأولى، حيث أننا نقف له بالمرصاد ونقضي عليه حتى قبل أن يصل أمره إلى مُستعبدينا، وإذا وصل أمره إليهم، فإنه يوكل مهمة القضاء عليه لنا مباشرة أو نعاونه في ذلك، وذلك لكي لا يقلق سكينتنا العبودية، وهنا لا يجد نفسه إلا كما قال جمال الدين الأفغاني:
“إذا سَلِمْتَ في كتابة خاطراتك من خطر الطاغية وطواغيته، فستصادف من أهل الجمود عنتا وتخرصًا وقلبا للحقائق فلا تبال بهم، فما خلا الكون منهم يوما ليخلو زمنك! ولا نجا منهم مخلص لتنجو أنت!”.
وهنا لا أجد من ختام، إلا ما قاله عبد الرحمن الكواكبي في كتابه القيّم: “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، وهو يشكو بمرارة مما يعيشه ويراه من خنوع وعبودية متجذرة:
“العوام هم قوات المستبد وقوته، بهم عليهم يصول، وبهم على غيرهم يطول، يأسرهم، فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم، فيحمدونه على إبقاء الحياة، ويهينهم فيثنون عليه رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف بأموالهم ، يقولون عنه إنه كريم، إذا قتل ولم يمثِّل يعتبرونه رحيماً، ويسوقهم إلى خطر الموت فيطيعونه حذر التأديب، وإن نقم عليه بعض الأباة، قاتلوهم كأنهم بغاة”.
الخلاصة
يقول الفيلسوف الألماني، يورغن هابرماس: “إن كل أمة من الأمم تعاني من فترة لأخرى من حالة الانسدادات على كافة الأصعدة والمستويات, وعندئذ تعمى الناس, ولا يعود أحد يعرف أين المخرج ولا كيف؟! في تلك اللحظات الحرجة بالذات, يظهر المثقفون الكبار لفكّ حالة الانسداد هذه واكتشاف مواطن الخلل, وإعطاء دفعة جديدة للأمة كي تثق بنفسها وتنطلق من جديد”.
وعليه، وبناء على ذلك: فإن الأسئلة التي تطرح نفسها هنا هي: من هو المثقف الإنساني الكبير؟ وما هي سماته وخصائصه؟ وما هي المهام والأدوار المنوطة به والتي عليه القيام بها؟
بمعنى آخر أعم وأشمل ومختصر: متى يكون المثقف “مثقفًا إنسانيا كبيرًا”؟!
وهل كل ما تعانيه أمتنا، وبما هي فيه؛ وعليه، يجعلها قادرة على خلق وإيجاد وإظهار أولئك ,”المثقفين الكبار”، لفكّ حاله الانسداد هذه واكتشاف مواطن الخلل, وإعطاء دفعة جديدة لها كي تثق بنفسها وتنطلق من جديد, كما يقول ذلك الفيلسوف الألماني؟
أم أن ما تعانيه سوف يخلق مزيدا من “الدجالين والمشعوذين”, كما يقول بذلك إبن خلدون، وليس إلى مثقفين كبار؟!
أم أنها لم تصل بعد إلى مرحله من الانسدادات الكامله.. ومن ثم إلى تلك اللحظات الحرجه..؟
ومن ثم فهي ما تزال بحاجة إلى المزيد. والمزيد من تلك الانسدادات؟
وهل هنالك انسدادات أشد مما نحن فيه وعليه كأمة؟!
أم أنها قد أصبحت عجوزًا ليس لها القدر والمقدره على فعل ذلك؟!
وغيرها، وغيرها من تلك الأسئلة والتساؤلات التي تطرح نفسها هنا…
هذا باختصار شديد وموجز وكرؤوس أقلام وعناوين، ومن وجهة نظري ونظرتي الشخصية المتواضعة، كواقع عملي تعيشه أمتنا العربية، ولا أجد نفسي هنا مجحفًا في كل هذا، ومن له رأي آخر فليتفضّل به هنا.



