الغزو الروسي لسوريا.. عوامل دينية وتاريخية للغزو.. الجزء (1)

“المدارنت”..
استراتيجية بوتين.. مقاتلة الاسلام
السني في أرضه دفاعا عن القوقاز
تورط روسيا العدواني في سورية لم يبدأ بانتشارها العسكري المباشر أخيرا, فقبل هذا التطور برز تسليح موسكو المكثف لنظام الاسد بكل أسلحة الحرب وأسباب القوة الاقتصادية, وبرز سلاح الفيتو الصارم الذي يشهره تشريكونين المندوب الروسي في مجلس الأمن لإفشال أي مشروع قرار لا يناسب الأسد .
لقد بدت موسكو منذ بداية الثورة على نظام الأسد وحتى اليوم كما لو أنها تخلت عن مشاغلها في العالم و”تفرغت” للمسألة السورية دفاعا عن نظام منبوذ في العالم , لا ينافسها في اهتمامامات الكرملين سوى (الأزمة الأوكرانية) التي ظهرت في عام 2013 وصارت في نفس المرتبة .
هذا التورط السياسي والدبلوماسي والعسكري الروسي في سورية دفع المحللين للتباري في البحث عن عوامله وأسباب الانحياز المبالغ فيه للنظام ومعاداة الشعب السوري .
هناك من عزاه لطموحات الرئيس بوتين لاعادة تأهيل بلاده الى مركز القطب الدولي المنافس للولايات المتحدة , ورأى في ضعف ادارة الرئيس أوباما في السياسة الخارجية عامل إغراء شجعه على التوسع في الشرق الاوسط أولا ثم في أوكرايينا .
وهناك من رأى السبب في تمسك العسكريين الروس بموطىء قدمهم الأخير في المياه الدافئة للمتوسط بواسطة القاعدة العسكرية على الساحل السوري. وهناك من أشار للعلاقات الاستراتيجية الخاصة التي تربط الدولتين منذ ستين سنة ومصالح الروس في الشرق الأوسط من ايران الى سورية , ورغبة الكرملين بتعويض خسائرهم في ليبيا والعراق, والسعي لاستعادة مصر , والتوسع في الخليج.
هذه الاسباب صحيحة بالاجمال ,ولكنها تتجاهل أحد أهم العوامل المؤثرة في السياسة الروسية تجاه العالم الاسلامي, وهو البعد الديني – التاريخي, خاصة وأن روسيا تتسم بازدواجية الجغرافيا والهوية . فهي ليست دولة أوروبية بقدر ما هي آسيوية , ولا هي دولة مسيحية بقدر ما هي مسيحية – اسلامية بدليل عضويتها كمراقب في منظمة التعاون الاسلامي ووجود 20% من سكانها مسلمين , وتحاذي دولا اسلامية على امتداد حدودها الجنوبية والشرقية, كتركيا وايران وكزاخستان وأذربيجان وتركمانستان وقرغيزستان .. إلخ.
ومن الناحية التاريخية لعب الاسلام دورا بارزا في نشوء الدولة الروسية وتطورها منذ الغزو المغولي لها في القرن 13 وحتى اليوم , وهو دور يغلب عليه طابع ( التناقض والصراع ) أكثر من ( التعايش والانسجام ) كمسار ثابت لحقبة زادت على اربعة قرون . ولا يقتصرهذا الصراع مع دول المحيط , ولكنه يمتد الى الداخل أيضا , بما في ذلك العقود الأخيرة, وأبرز محطاته وعناوينه القريبة الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979 الذي انتهى بهزيمة مدمرة للاتحاد السوفياتي عام 1990 , ولم يكد ينتهي حتى انتقلت شراراته الى الداخل ففجرت ثورات الشعوب الابروقوقازية المسلمة والتي تطورت الى مواجهات عنيفة امتدت من عام 1991 حتى 2000 , وتزامنت ايضا مع تورط روسي مواز في حروب البلقان بين الصرب والبلغار والمكدونيين الأرثوذوكس من ناحية , والمسلمين الالبان والبوشناق من ناحية مقابلة. ولذلك لا بد من البحث عن البعد أو الجذر الديني في السياسة الروسية الحالية تجاه سورية.
هل يلعب العامل الديني هنا دورا مهما في حسابات القيادة الروسية وهي ترسم سياستها السورية ..؟
وما هي هذه الحسابات ..؟
وهل لروسيا استراتيجية معادية للإسلام ..؟
نظرة تاريخية
من المفيد القاء الضوء على الخلفيات التاريخية لهذا الجانب من الصراع تمهيدا لقراءة الأحداث الراهنة في سورية والمنطقة , والتوصل لإجابات موضوعية على الأسئلة السابقة.
التاريخ الروسي منذ القرن الثالث عشر يتمحور حول الصراع مع شعوب مسلمة بلا توقف, وخاصة شعوب القوقاز التي سكنت المنطقة وأقامت سبع دول فيها قبل أن يصلها الروس السلافيون قادمين من البلقان ويقيموا دولة عاصمتها (كييف) دفعت الجزية لدولة التتار في شبه جزيرة القرم . ثم تعرضت لغزو المغول فتحطمت , ثم عادت للنهوض على يد (ايفان الرهيب) اعتبارا من عام 1230 على حساب التتار والقوقازيين .
وفي عام 1552 تمكن الروس من التوسع والقضاء على التتار والمغول وبدأوا يتوجهون نحو شمال القوقاز حيث كانت دول اسلامية متحضرة مثل كازاحستان وأذربيجان واوزبكستان مرتبطة بالأمبراطورية العثمانية التي كانت في ذروة قوتها , فبدأت بالتوسع في المنطقة وضمت امارات اسلامية أو منحتها الحماية فنشبت حروب بينها وبين الروس استمرت مائتي عام في القرنين 18 – 19 زاد من حدتها فتح العثمانيين للعاصمة الارثوذوكسية الأولى , أي القسطنطينية التي اصبحت استانبول الأمر الذي جعل الروس ينقلون مركز القيادة الروحية للأرثوذوكس الى بلادهم , فاكتسبت حروبهم طابعا دينيا أكثر من ذي قبل.
أما بالنسبة لامارات القوقاز التي رزحت تحت الاحتلال الروسي فشهدت ثورات متلاحقة طلبا للاستقلال , تميزت كافة بأنها (اسلامية) تتم تحت عنوان (الجهاد المقدس) قادها أئمة الحركات الصوفية وخاصة النقشبندية أو المريدية , كالإمام منصور والامام شامل , والامام غازي .
ومع تعاظم قوة الروس وتراجع قوة العثمانيين في القرن التاسع عشر ضعفت مقاومة مسلمي القوقاز وتوسعت حدود روسيا جنوبا وشرقا حتى بلغت أوجها في نهاية القرن . واتسمت سياسات الامبراطورية الروسية تجاه هذه الشعوب بسمات محددة اصبحت لدى المؤرخين طابعا روسيا مميزا,أهمها: أولا – الافراط في القتل بلا تمييز بين المقاتلين والمدنيين واعتماد مبدأ (الابادة الجماعية) أو ( الأرض المحروقة) .
ثانيا – تهجير السكان المسلمين جماعيا وتفريغ مدنهم منهم ونقلهم الى الجبال أو مناطق نائية أوتوزيعهم على مدن روسية كثيفة , كموسكو وبطرسبرج, واحلال شعوب روسية – ارثوذوكسية بدلا منهم بهدف احلال واقع ديمغرافي جديد .
ثالثا – تقسيم بلدان القوقاز لاضعاف عناصر اللحمة العرقية والثقافية بين شعوبها .
مؤرخ روسي وصف جرائم قومه في كتاب يدعى ( قتلة الأمم) اسهب في الحديث عن سياسة ( الارض المحروقة ) كنهج ثابت ضد المسلمين . والجدير بالملاحظة أن الثورة البلشفية الشيوعية لم تغير أساليب التعامل القيصرية مع الشعوب المسلمة بل طورتها فمارست التطهير الديني بعد التطهير العرقي بحجة نشر الثقافة العلمية – التقدمية , ودمرت المساجد والمقابر والمدارس والآثار الاسلامية بحجة القضاء على الرجعية . ويوضح أنه في الفترة بين 1847 و1850 تناقص عدد الشيشان الى النصف . وحتى عام 1860 الى الربع .
روسيا في حالة حرب مع الاسلام منذ قرون!
وفي الحربين العالميتين الاولى والثانية استعمل الروس التتار والقوقاز كدروع بشرية وكانوا ينشرونهم في الصفوف الاولى لجيوشهم لاقتحام خطوط الاعداء , وأبادوا مئات الالوف منهم بتهمة الخيانة والتواطؤ مع الالمان , وأمر جوزيف ستالين بنقل مئات الالوف منهم الى جبال نائية . ولم تتوقف هذه السياسة ولم يسمح للتتار والقوقازيين بالعودة الى موطنهم الاصلي إلا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي . ويقول بدر الدين بينو مستشار الرئيس الشيشاني مسخادوف (اثناء حكمه في تسعينيات القرن الماضي) إن ستالين قتل منهم في الفترة بين 1930 – 1940 عشرة اضعاف ما قتل القياصرة في الفترة بين 1847 – 1860 . وفي يوم واحد أعدم ستالين 14 الف شيشاني .
تراجعت في ستينات القرن الماضي حدة المواجهة بين الروس والاسلام وظهرت سياسة موسكو الخارجية كحليفة للدول العربية والاسلامية. بيد أن هذه الهدنة لم تعمر , إذ سرعان ما انطوت بغزو أفغانستان , وظهر ان الغزو جزء من استراتيجية تتوخى التوسع جنوبا في اتجاه منابع النفط ( قوس الأزمة السوفياتي) ترجمتها سياسة هجومية بدأت في افغانستان وامتدت الى اليمن الجنوبي واثيوبيا والقرن الافريقي .
في هذه الحقبة تلاشت صورة الاتحاد السوفياتي كدولة تقدمية تدعم تحرر الشعوب , وحلت محلها صورة الأمبراطورية الاستعمارية المعادية للاسلام وذات الأطماع , وقد أخذ الصراع في افغانستان طابع الحرب بين الاسلام والروس , وانخرط فيه عشرات الوف المتطوعين من كل البلدان العربية والاسلامية من المغرب الى باكستان , مما كان له أثر عميق في الحاق الهزيمة بالجيش السوفياتي وانهيار الاتحاد السوفياتي , وهي تجربة ستترك آثارا عميقة في وعي الروس , ما زالت حية حتى اللحظة .
استراتيجية بوتين لتحطيم الثورات :
بينما كانت المواجهة في افغانستان في الثمانينات على أشدها بدأت يقظة الوعي الاسلامي بين الشعوب الاسلامية داخل الستار الحديدي الأمر الذي اثارانتباه الباحثة الفرنسية هيلين كارير دانكوس التي تنبأت بقرب انفجار الامبراطورية السوفياتية من داخلها وذلك في كتابها الشهير( الانفجار الكبير) الصادر عام 1986 .
وقبل أن يعلن رسميا عن تفكيك الاتحاد السوفياتي 1991 وسقوط الشيوعية كانت جمهوريات القوقاز الاسلامية تعلن الاستقلال قبل الجمهوريات المجاورة , وهو أمر ذو دلالة مهمة , ثم أخذت تترجم انفصالها عن روسيا بسياسة جريئة اتسمت بطابعين وطني – اسلامي . إلا أن موسكو التي أذعنت لانفصال الجمهوريات لم تكن مستعدة لمنح نفس الحق لجمهوريات القوقاز رغم قبول الرئيس يلتسن التكتيكي به , بحجة انه يهدد بقاء روسيا كدولة عظمى , إذ أن 70 % من ثرواتها النفطية الهائلة موجودة في القوقاز , فضلا عن أن انفصالها يهدد بقاء (الاتحاد الروسي) وينذر بتكرار نهاية ( الاتحاد السوفياتي) فردت روسيا بحرب شاملة استمرت عشر سنوات كررت خلالها تاريخها الدموي مع الشعوب المسلمة الخاضعة لاحتلالها منذ ثلاثة قرون .
وبلغت هذه السياسة أوجها في عهد الرئيس الحالي بوتين اعتبارا من عام 1999 الذي طبق أكثر أساليب القمع الدموي في العصرين الامبراطوري والبلشفي وحشية , بما فيها :
1 – تدمير المدن تدميرا كاملا للقضاء على حواضن الثوار والمقاومة , وقد ظهرت نتائجه جلية في خمس مدن أهمها العاصمة غروزني .
2 – تهجير السكان جماعيا ونقلهم الى مدن بعيدة كما لو انهم مستأجرون يخلون مساكنهم !
هذه السياسة التي قادها بوتين للقضاء على المقاومة الاسلامية نتج عنها ما يجعلها تجربة مريرة غير قابلة للنسيان : تدمير خمس مدن , ومقتل 18632 شيشانيا وجرح 48721 آخرين. ومن الروس قتل 9841 جندي واصابة 18820 , وأسر 2620 . فضلا عن خسارة الروس لمئات الدبابات والناقلات وعشرات الطائرات .
هذه الحصيلة تجعل الروس مقتنعين بأن جولة من القتال المستمر انتهت وأن جولات جديدة ستندلع في المستقبل , وعليهم الاستعداد لها على كل الصعد الامنية والسياسية . ولذلك انتهجوا سياسة كونية عنوانها الحرب على (الاسلام السياسي) في كل مكان من العالم , وترسيخها في مختلف علاقات روسيا الخارجية وفي تحركاتها . تتضمن العناوين البارزة التالية :
1 – تجريم كافة منظمات الاسلام السياسي في العالم ووصمها بالتطرف والارهاب .
2 – تخصيص منظمات الاسلام السني بدرجة اعلى من العداء بسبب حروبها مع شعوب مسلمة وحركات سلفية ( سنية )
3 – المبادرة بسياسة هجومية استباقية واستصالية مع الاسلام السياسي – السني ومنظماته في العالم .
4 – تقسيم العالم الى دوائر تبدأ بدول الجوار التي تسميها دول (الفضاء الروسي) كازاخستان وقرغيزيا واذربيجان..إلخ . وفي هذه الدائرة ما زالت روسيا تتدخل بشك مباشر لمواجهة صعود تيارات وحركات اصولية وفرض حكومات موالية تتبنى اديولوجيات معادية للاسلام بكل صوره , بما فيها جمعيات الاحياء الديني الصوفية .
5 – اعتبار الشرق الاوسط وخاصة الدول العربية كافة دائرة ثانية تأتي بالدرجة التالية من حيث الاهمية . وتطبيق المفاهيم السابقة فيها , أي تجريم المنظمات الاسلامية ومواجهتها بواسطة الأنظمة المحلية .
6 – البحث عن حلفاء لهذه السياسة من النظم الحاكمة , السوري والمصري والجزائري والليبي , ويأتي نظام الاسد في مقدمتها وهو الذي فاق الجميع في محاربته للتيارات الاسلامية السنية في سوريا ولبنان .
7 – اقامة تحالف وطيد مع ايران على قاعدة العداء المشترك للاسلام الاصولي السني , ومحاولة توظيف قوة ودور ايران الشيعية لمواجهة الاسلام السني في داخلها وخارجها . وتجدر الاشارة هنا ونحن في حضرة التاريخ إلى أن الروس سبق أن تحالفوا مع ايران الصفوية في القرنين 18 و19 وتبادل الطرفان دعم بعضهما في حروبهما ضد السلطنة العثمانية .
التورط الروسي.. تطور طبيعي !
في ضوء تاريخ حافل بجولات صراع مستمر بين روسيا والاسلام طوال اربعة قرون , يمكن قراءة السياسة الروسية في الشرق الاوسط حاليا بعامة, وفي سورية بخاصة .
الروس يترجمون عداءهم ل( الاسلام السياسي) في العالم الى سياسات مبدئية , لأنهم ينظرون اليها كخطر دائم على الأمن القومي الروسي , ويعتبرون بلادهم في حالة حرب معه ولا يمكنهم التساهل مع أي صورة من صورها , ويرفضون التمييز بين حركات معتدلة ومتطرفة فكلها في نظرهم ارهابية . ولذلك يوظفون قواهم كدولة عظمى لمساندة كل دولة أو نظام يجاريهم في عدائها , من ناحية , ويوطدون تحالفهم مع الاسلام الشيعي – الايراني على قاعدة (العدو المشترك) من ناحية ثانية .
بالامكان ملاحظة أن تحالفات روسيا البوتينية في الشرق الاوسط قائمة على هذا المبدأ الراسخ , من دمشق الى القاهرة فالجزائر . ومن طهران الى امتداداتها في بغداد وبيروت. كما لا بد من ملاحظة أن هذه التحالفات ليست سياسية فقط , بل إنها ذات جانب عسكري يترجمه الدور الروسي في تسليح النظام السوري وتقويته , والدور المشابه لبناء القوة الايرانية خلال الربع قرن الأخير , فهذه الترجمة العسكرية تدل على دعم روسيا للحرب على جماعات الاسلام الأصولي بلا استثناء الى حد يجعل روسيا شريكا في كل حرب من حروب المنطقة حاليا .
وما التدخل العسكري في سوريا إلا مؤشر على تصعيد في سياق تاريخي واديولوجي وسياسي قابل لهذا التطور , بحكم الظروف الاقليمية التي افرزها ( الربيع العربي ) .
وعلينا أن نلاحظ تطورا موازيا على صعيد الخطاب الذي تستعمله الديبلوماسية الروسية حاليا يوازي التصعيدين السابقين , فمصطلح (الارهاب) الآن يشمل حركات مثل الاخوان المسلمين أو أي حركة مقاومة في سوريا تحمل اسماء اسلامية الى حد تختفي معه الفوارق بين داعش وحركة الاحرار , أو بين الاخوان المسلمين وحركة النصرة , والواقع أن التصعيد الاديولوجي هو الاساس في العناصر الثلاثة لأنه البوصلة والمفهوم النظري المرشد للسياسة والسلاح معا .
لقد صاغت موسكو رؤيتها للثورة السورية منذ البداية بناء على مفاهيم اديولوجية تتقدم على حساب المصالح المادية ولذلك فوجىء كثير من السوريين والمراقبين بمواقف موسكو المتشددة في دفاعها عن نظام آيل للسقوط , مما دفعهم للرهان على تحول لا بد أن يتحقق في نظرهم بناء على الاعتقاد أن روسيا لا بد أن تغلب مصالحها المادية مع الشعب السوري , ولكن هذه التوقعات خابت لأن الروس صاغوا موقفهم بناء على منطلقات اديولوجية – دينية اولا .
لقد حددت موسكو مواقفها حيال الثورة السورية بلغة اديولوجية عدائية سافرة , وبعبارات فجة تفتقر للدبلوماسية والكياسة , إذ اطلق وزير الخارجية لافروف في مطلع العام 2012 تصريحا صدم الرأي العام , فقال : إن بلاده لا تقبل قيام نظام يسيطر عليه ( الاسلام السني) إذا سقط نظام الأسد . استفز التصريح المسلمين والعرب واستفز أيضا قوى مسيحية في لبنان لأنه يعيد المنطقة الى عهود غابرة تجاوزها العالم , ولكن الروس واصلوا التمسك به عنوانا لسياستهم في سوريا حتى اليوم ! وظلت ترجمته تتقدم على كل الاصعدة , قبل أن يصل مرحلة التورط الكامل الذي يعني خوض الروس حربهم مباشرة على القوى الاسلامية المناهضة لحليفهم الاسد , ولا تجدي كثيرا محاولتهم اخفاء هذه النية السافرة بادعاء انهم يريدون قتال داعش فقط مثلهم مثل قوى التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن . داعش قناع يخفي حقيقة الحرب الروسية على المعارضة السورية لأنها ذات طابع اسلامي – وطني , مثلها مثل الحركات الاسلامية التي تهدد روسيا في القوقاز والقرم .
ويمكننا ملاحظة بصمات وآثار خطى الروس في حرب الاسد وحلفائه الايرانيين ضد الشعب السوري في مجالات كثيرة. فهو منذ تبنى الخيار الامني في مواجهة شعبه أرسل الروس خبراء أمنيين تتفاوت تقديرات عددهم بين عدة مئات وعدة آلاف لتوجيه قوات النظام ورسم خططهها للتصدي الدموي للمحتجين وأخيرا الثوار :
تدمير المدن السورية جرى تطبيقا لنظرية (خيار غروزني) أي تدمير المدينة بكاملها للقضاء على الثوار وتدمير حاضنتهم الاجتماعية فيها .
لا فرق يذكر بين تدمير غروزني ومثيله في حلب وحمص , تدمير منهجي , والبصمة واحدة .
وتهجير السوريين بالملايين هو احتذاء آخر بتجربة الروس في حروبها على مواطنيها المسلمين طبقوها مرات كثيرة حتى صارت وصفة روسية دائمة , وهي غريبة عن تاريخ سوريا والمنطقة .
وكذلك حروب التجويع والحصار والابادة بدون اعتبار للمعايير الانسانية أو لمفاهيم المواطنة وحقوق الانسان , هي أجزاء من تراث الروس في قمع شعوبهم المسلمة , ويبدو أن الخبراء الروس هم المرشدون الذين وجهوا القوات السورية لها , وساندهم الخبراء الايرانيون أيضا .
في ضوء هذه الحقائق يمكننا تفسير ردود الافعال الروسية التي لم تتأثر بمعدلات القتل والاجرام التي اقترفها الاسد ونظامه , الى حد أنها أدهشت السوريين والرأي العام العالمي بتجاهلها للمعايير الانسانية دفاعا عن حليفهم , فهذا الموقف دليل إضافي على أنهم شركاء في جرائم الأسد .!



