مقالات
الغنوشي وسعيد.. شتان بين ناصري سابق وناصري بعد رحيل جمال..*

“المدارنت”..
كان راشد الغنوشي، في تنظيم “الاتحاد الاشتراكي العربي” في سوريا، في عهد مؤسسه الراحل جمال الاتاسي عندما كان قيس بن سعيد طالباً في الحقوق.
بعد نحو نصف قرن، اصبح الغنوشي، رئيسًا لمجلس النواب في تونس، وانتخب التونسيون قيس بن سعيد رئيسا للجمهورية فيها.
وعندما تلون الغنوشي، من ناصري الى اسلامي في صلب جماعة الاخوان المسلمين، ظهر انتماء بن سعيد، الى صلب الشعب التونسي المنتمي الى العروبة الحضارية المتصالحة مع الاسلام، رافضاً حزبيته التي ارتبطت بجماعة الاخوان المسلمين، التي أنشأها حسن البنا عام 1928 في الاسماعيلية في مصر، بدعم اساسي من الاستخبارات البريطانية، وقد قدمت لها بعد عام واحد من نشأتها 500 جنيه مصري تساوي ملايين الجنيهات الآن.
ارادت بريطانيا، من دعم الاخوان تعويض المسلمين عن سقوط الخلافة العثمانية، والإمساك بهذاالبديل وهي تعرف اهمية الخلافة في مشاعر المسلمين، فلعلها تشرعن وجودها بينهم بعدان اتهمها مثقفوهم ونخبهم بأنها جردتهم من غطائهم الديني – السياسي – العاطفي.
ربما كانت هزيمة جمال عبد الناصر العسكرية في عدوان حزيران /يونيو 1967، سبباً في تحول الغنوشي الى التمسلم، مثلما تحول كثيرون الى اليسار والماركسية، اما قيس سعيد فقد ظل رابط الجأش ملتزماً الخط الوطني التونسي والعربي، مشبعاً بروح المدنية التي هي في صلب مشروع جمال عبد الناصر العلماني، وهو يعتبر الاسلام دافعاً للتغيير الإجتماعي والاقتصادي والثقافي خارج ثوب الاخوان المسلمين…
وشتان بين كلمة رئيس الجمهورية التونسية سعيد في سجل زائري ضريح جمال عبد الناصر في القاهرة، وولاء رئيس مجلس النواب التونسي راشد الغنوشي لتركيا اردوغان، وهو يؤيد الغزو التركي لليبيا على حدود مصر.
وشتان بين مشروع الرئيس سعيد الوطني العلماني الشامل، ومشروع الغنوشي الاسلامي، الذي يحضن كل جماعات الظلام المتمسلمة، وهي تصفي وتقتل وتحرض على قتل المناضلين الوطنيين التوانسة ومن ضمنهم القوميين والناصريين..
وشتان بين مشروع الرئيس سعيد، للمصالحة الداخلية، والانفتاح العربي وبين مشروع الغنوشي، المتناغم مع الجماعات الاسلامية في المغرب العربي.
لذا حصل الصدام في لحظة كان فيها الاسلاميون، بقيادة الغنوشي، وتحت عباءة الاخوان، يتحالفون مع الولايات المتحدة، كما هي عادة الاخوان منذ 93 سنة، بعد ان احتضنتهم بريطانيا في البداية في مصر…
في لحظة يسقط فيها الاخوان في السياسة، ليعود الاعتبار للوطنية التونسية كما للوطنية المصرية، وكل الوطنيات العربية في المشرق والمغرب في تحدي للجماعات المتمسلمة، التي راهنت وتراهن عليها اميركا بعد رهان بريطانيا.
كان من المفترض ان يجد الغرب العلماني في العروبة، قواسم تجمعه في الثقافة ودعوة التقدم ومسار الديموقراطية، وتداول السلطة والسعي للعدل الاجتماعي…
لكنه نبذ كل هذا وراهن وما يزال على الديكتاتورية المتمسلمة التي انتجت داعش واخواتها .. لكن الغرب كشف ان مشروعه السياسي يتقدم على ما عداه حتى على الافكار التي ينادي بها بل وكانت هي فعلاً من اسباب كراهيته للعرب في الثقافة ومن ضمنها الاسلام المعتدل المستهدف من الجماعات المتمسلمة المدعومة من هذا الغرب.
ولقد بات واضحاً ان السياسة الغربية عموماً كانت وما زالت تعتبر ان الوطنية والعروبة هما اعداءه وان الجماعات الاسلامية اقرب اليها .. وهذا ما ظهر في احتضان الغرب واميركا خصوصاً الاخوان المسلمين في عهد حسني مبارك في مصر وحركة حماس في غزة ضد ياسر عرفات
بقيت مسألة اخيرة يجب التنبه اليها وهي ان جماعة الاخوان في مصر حاولوا اخضاع جمال عبد الناصر بعد قيادته ثورة 23 يوليو /تموز في مصر عام 1952 وارادوا الا يصدر اي قرار عن مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء الا بعد ان يوافق عليها مرشد الجماعة حسن الهضيبي فلما رفض جمال ذلك حاولوا اغتياله عام 1954 .. وهذا ما يجب التنبه له الآن حرصاً على حياة الرئيس قيس سعيد…
ومثلما ظهر التنظيم الخاص السري والمسلح الذي أنشأه وقاده القيادي الاخواني عبد الرحمان السندي بعد محاولة اغتيال جمال يجب الحذر من التنظيم السري المسلح لاخوان تونس المجهز لعمليات ضد من يعارضه وفي مقدمتهم الرئيس سعيد.
وكم هي مطابقة ظروف مصر بعد ثورةً 30 يونيو /حزيران عام 2013 مع ظروف تونس في 25 يوليو/ تموز عام 2021.
في مصر هدد القيادي الاخواني محمد البلتاجي انه اذا لم يتراجع الرئيس السيسي عن قراراته التي استمدها من التفويض الذي حصل عليه من الشعب المصري فإن عمليات التخريب التي بدأها الاخوان في سيناء ستستمر..
هكذا هدد الغنوشي بنشر الفوضى في تونس اذا لم يتراجع ألرئيس سعيد عن قراراته بالامساك بالسلطة كما نص الدستور التونسي في حالة التهديد التي تتعرض لها البلاد.
انها لحظة الحذر الشديد التي يجب فيها على التوانسة ان يقرأوا فيها قول المصريين وهم يواجهون الجماعة: عبد الناصر قالها زمان.. الاخوان مالهمش امان.
* المصدر: مجلة “الشراع”/ 1 آب 2021.



