الفضاء المثقوب في رواية: “عزيز” للأديب الإريتري هاشم محمود

خاص “المدارنت”
“إن في كُرَيـات هذا الـدم المغدورِ مشاعر، قد تم سفكُها وسحقُها، وإسالتُها داخل كيس، إن ثمة أرواحٍ، ترتبطُ بخلاياه، هناك في بيتٍ حزين مقهور ببقعةٍ ما من بقاع إرتريا العصور المظلمة؛ حيث اسرة تعيش في منزل بلا سقف، لكنها ترفضُ أن تفقد الأمل بعودةٍ قريبة، يقولُ المنطقُ: إنها لن تحدث، لأن من يختفي قسرًا، لا يعودُ يختفي، لكنه الأملُ الذي تعيش على ذمته الصدورُ الملتاعةُ بالفراق، أمل معقود على العودة، غير أنه قد ذبح الليلة، ووضع في كيس،، ص98″.
ما هو أدب السجون..؟
أدب السجون، هو ذلك النوع من الأدب الـذي يُكتَب داخل السجن في أغلب الأحوال، يسرد فيه الكاتب ما رآه، يصف ما عانـاه وعاينه. أو حينما يخرج من السجن ويبدأ في سرد كل الوقـائع التي عاشها داخله. وهناك أيضًا بعض الكتاب الذين كتبوا روايات عبارة عن قصص ومذكرات سمعها من مساجين حقيقيين، وصاغ تلك الحكايات – التي تستحق أن تُذكر – في قالب أدبي روائي. وهناك بعض الروايات في أدب السجون ليس إلا محض خيال من الكاتب. المهم أن أدب السجون هو نوع أدبي يصف فترة معينة من السجن، فترة حدث فيها أحداث كثيرة تستحق الذكر. تستحق أن تخرج من بين قضبان السجن ليعرفها الآخرون.
رواية: “عزيز” للأديب الإريتري هاشم محمود، واحدة من الأعمال السردية المهمة التي تنتمي إلى ما يُعرف بـ”أدب السجون”، وهو الأدب الـذي يُعيد تشكيل التجربة الإنسانية تحت القهر، ويمنح الصوت لمن حُرموا من التعبير داخل فضاءات مغلقة. وتكتسب هذه الرواية خصوصيتها من كونها من أوائل الروايـات الإريترية التي تُصنَّف ضمن هذا النوع، حيث تمزج بين الواقع والخيال لتقديم تجربة إنسانية عميقة لسجين مثقف يُدعى عبد العزيز.
تدور أحداث الرواية حول شخصية عبد العزيز، هو نموذج للمثقف الـذي يجد نفسه في مواجهة قاسية مع السلطة والواقع. ومن خلال هذا النموذج، تنجح الرواية في تجاوز السرد التقليدي للأحداث، لتغوص في أعماق النفس الإنسانية، وتكشف عن التوترات الداخلية التي يعيشها الفرد حين يُسلب منه حقه في الحرية.
يبرز مفهوم “الفضاء المثقوب” كأحد أهم الرموز في الرواية، وهو تعبير دلالي يحمل أبعادًا نفسية وفلسفية عميقة. فالفضاء، في معناه العام، يشير إلى الامتداد والانفتاح، لكنه في سياق الرواية يتحول إلى فضاء محدود ومخترق، أشبه بثقب يطل منه السجين على العالم الخارجي. هذا “الثقب” هو نـافذة رمزية للحرية، ومساحة للتأمل والأمل.
في داخل الزنزانة، حيث يُفترض أن يكون الإنسان في أقصى درجات القيد، يكتشف عبدالعزيز نوعًا آخر من الحرية؛ حرية التفكير، والتأمل، وإعادة بناء الذات. وهنا تتجلى المفارقة الأساسية في الرواية: أن السجين، رغم القيود المادية، قد يكون أقرب إلى جوهر الحرية من الإنسان خارج السجن. فالحرية في هذا السياق لا تُختزل في الحركة الجسدية، بل تمتد لتشمل الوعي والإدراك.
أما “ثقب” الفضاء، فهو يمثل تلك الشقوق الصغيرة التي يتسلل منها الأمل إلى داخل العتمة. إنه رمز للهشاشة التي تصيب منظومة القمع، حيث لا يمكن لأي سلطة أن تُحكم إغلاقها بالكامل. ومن خلال هذا الثقب، يرى السجين العالم، ويتخيله، ويعيد تشكيله وفق رؤيته الخاصة.
تعتمد الرواية على سرد داخلي متماسك، يتتبع تطور الحالة النفسية للشخصية الرئيسية، ويُبرز التحولات التي تطرأ عليها مع مرور الزمن. هذا السرد لا يكتفي بوصف المعاناة، بل يحوّلها إلى تجربة معرفية، تجعل من السجن فضاءً لإعادة اكتشاف الذات.
وعند خروج السجين من الزنزانة، لا يعود كما كان؛ بل يتحول إلى حامل لقضية الحرية، ومدافع عنها. فالتجربة التي عاشها داخل “الفضاء المثقوب” تمنحه وعيًا أعمق بمعنى الحرية، وتجعل منه شاهدًا حيًا على ضرورة النضال من أجلها.
تُقدم رواية “عزيز” رؤية مغايرة للسجن، كحيز تتصارع فيه القيم، وتُعاد فيه صياغة الإنسان. ومن خلال رمز “الفضاء المثقوب”، ينجح هاشم محمود في تحويل المعاناة إلى لغة أدبية، والضيق إلى أفق فكري مفتوح، لتظل الرواية شهادة إنسانية على قدرة الإنسان على تجاوز القيد نحو الحرية.



