مقالات

المصوّر الصحافي ومهنة المتاعب (2)

الصورة بعدسة نبيل إسماعيل

“المدارنت”
من خطوط التماس إلى غرفة التحميض
حكاية الصورة التي نصوّرها ولا نعود نملكها
كان العمل الفوتوغرافي في الصحف اليومية، وحتى في المجلات الأسبوعية، متعباً وشاقاً. لم تكن الصورة يومها تنتهي عند ضغطة زر، بل كانت تبدأ منها.
في جريدة “السفير”، تلك المدرسة العظيمة التي مرّ بها عشرات الصحافيين والمصورين، كان قسم التصوير مقسوماً إلى عالمين: مصورون يخرجون إلى الميدان، وقسم للتحميض والتظهير ينتظر عودتهم بالأفلام.

في تلك المرحلة تألف القسم من المصورين: نبيه نصار، عباس سلمان، علي حسن سلمان، يوسف بدر الدين، ميشال برزغل، وحضرتي. وعيّن طلال سلمان الزميل عباس سلمان رئيساً للقسم، وهيثم هيثم وعلاء سويد في قسم التحميض والتظهير.

كانت مهمتنا اليومية أن نذهب حيث يوجد الخبر، من خطوط التماس والاشتباكات إلى النشاط السياسي، ومنه إلى تفاصيل الحياة اليومية وهموم الناس. أحياناً كانت المهمة تأتي من رئاسة التحرير، وأحياناً كنا نقرر بأنفسنا أن نقوم بجولة على جبهات القتال بحثاً عن صورة وحكاية.
نخرج ولا نعرف تماماً ماذا ينتظرنا، والمطلوب في النهاية شيء واحد: أن تأتي الأفلام إلى غرفة التحميض، وأن نعود نحن أيضاً.
عند العودة تبدأ حياة أخرى للصورة.

نسلّم أفلامنا، وكانت في معظمها بالأبيض والأسود، إلى قسم التحميض والتظهير. تُحمَّض الأفلام، تُجفف، ثم تُطبع صور الفيلم مصغّرة على ورقة واحدة، ما كنا نسميه Contact Sheet.
بعدها تصعد الورقة إلى مدير التحرير باسم السبع، الذي كان يومها صديقاً لطيفاً وإنساناً طيباً، يحبنا ويدعمنا، وقلبه مفتوح لشكوانا. أما اليوم فقد تغيّرت الحال، وصار عكس ما عرفناه، وقلبه صار مقفلاً لشكوانا ولدعمنا.

كان ينظر إلى الـContact Sheet، ويختار سريعاً عدداً من الصور بحسب أهمية الموضوع والمساحة المخصصة له في الجريدة.
وهنا تبدأ “المجزرة الفوتوغرافية”.
يختار المدير الصور، وينزل الاختيار إلى قسم التحميض. يطبع الموظف الصور المختارة على ورق بقياس 13×18 سم، ثم تصعد الصور مجدداً إلى التحرير.
وكل ذلك يحدث من دون أن يعرف المصوّر أحياناً أي صورة اختيرت. لم يكن رأينا مهماً إلى درجة أن نختار صورنا، أو حتى أن نتشارك في الاختيار.

كان المصوّر، باختصار، “مموّل صور”.
ماكينة بشرية تذهب إلى مساحات الاشتباك، مطلوب منها أن تحافظ على نفسها قدر المستطاع، وأن تعود بالغنيمة: فيلم فيه صور تصلح للنشر. وبعد ذلك تصبح الصورة في مكان آخر، ويصبح القرار في يد شخص آخر.
أما نحن، فنجلس في المكتب ونشكر الله أولاً لأننا عدنا سالمين. ثم ينزوي الواحد منا قليلاً إلى صمته المضطرب والقلق، يتذكر ما خاطر به خلال النهار وهو يؤرخ بالكاميرا أحداثاً قد تصبح غداً جزءاً من ذاكرة البلد. يتذكر أولاده، يطلب منهم في داخله المسامحة لأنه ذهب مرة أخرى إلى مكان كان يمكن ألا يعود منه.
ثم يتذكر راتبه الضئيل، ويكتشف للمرة الألف أنه لا يساوي لحظة واحدة من المخاطرة التي عاشها في ذلك النهار.

ومع فنجان قهوة، تجاوره علبة سجائر، يبدا مشواره البطيء في تنظيف كاميراته من غبار الطريق، وربما شيئاً من غبار الخوف والقتل العالق بها من خطوط التماس.ثم ننتظر عودة بقية الزملاء. نجتمع، ويسأل كل منا الآخر: ماذا حصل معه اليوم؟ أين كنت؟ ماذا رأيت؟ كيف خرجت من هناك؟
حديث يومي عن أوضاعنا، رواتبنا، حياتنا الخطرة، والمواقف التي مررنا بها.
كانت تلك الجلسات الصغيرة أشبه بما كنا نسميه بيننا:
“تنفيسة هَمّ”.


وفي اليوم التالي نعود ونفعل الشيء نفسه. أما المدير فهو مدير، وليس “مموّل تحرير”.
هو الذي يرى ويختار ويقرر. وكما كان يبدو لنا يومها في معظم المؤسسات الصحافية، فإن راتبه أكثر راحة من راتب المصوّر أو المحرر، ولذلك قد لا يشعر بما يعنيه أن يخاطر شخص بحياته مقابل راتب بالكاد يكفيه.
للأنصاف المدير لم يكن بخيلاً تماماً! كان يمنحنا ابتسامة، و”برافو”، وأحياناً “يسلموا”.

أما أن نعترض على صورة اختارها، أو نقول له إن هناك صورة أخرى أقوى منها في الفيلم، فذلك لم يكن دائماً من حقوق “مموّل الصور”.
ولم نكن وحدنا. في غرف التحرير كان هناك عشرات يشبهوننا؛ صحافيون وموظفون عاشوا الحرب الأهلية وجولات الاشتباك، وحملوا أيضاً عبء الرواتب الضئيلة والقلق اليومي.
لكن للمصور حكايته الخاصة.

لأنه يقف على خط التماس، يضع عينه خلف منظار الكاميرا، يضغط على زر الغالق، ولا يعرف إن كانت هذه اللقطة ستكون أفضل صورة في الفيلم، أو صورته الأخير، لينكسر حينها وتقتل كاميرته.
هذا النص لا يقصد صحيفة بعينها، بل حالة تنطبق على أكثرية الصحف والمجلات، في خطوة لشرح تركيبة عمل المصوّر الصحافي حينها ومكانته في مساحة المؤسسة وفي خلق وصنع صورة لا يملكها وليس لديه حق الاختيار والتصرف.

ملاحظة: الصورة الموفقة التقطها الكاتب خلال الحرب الأهلية.
* نقيب المصوّرين الصحافيّين السابق في لبنان
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى