مقالات

المواقع الإلكترونية.. أعزّ الأصحاب*..!

الروائية رولا عبد الله/ لبنان

خاص المدارنت”..

ما أضيق عيش الصحافة المكتوبة، لولا فسحة المواقع الالكترونية، أو لنقل هكذا أصبح الحال، منذ لم تعد الصحيفة سلطة رابعة.

تبدلت أيام العزّ، لأن الحياة نفسها لم تعد على ثرائها. الشح أطاح بكل جميل، من أرواح الناس الى الأفكار والمبادئ والأرصدة، وصولا الى الخبر العاجل القابع هذه الأيام في غرفة الإنعاش.

في البدء، أيام الجامعة كنا طلاب إعلام حالمين، أخذنا الدرس الأول: ليس الخبر أن يعضّ الكلب رجلًا، وإنما الإثارة في أن يعضّ الرجل كلباً. راقت الفكرة لطالب “قبضاي”- تعني هنا مدعوم من حزب لبناني، فاختار التطبيق العملي الأول: ببساطة، عضّ أذن المدير بعد أن كمن له في مرآب الجامعة. “بلعنا الدرس” من باب أنه استثناء، وانتقلنا الى تطبيق ميداني، لا أذكر إن كان في مادة الإحصاء: بورصة الدولار لدى الصرافين.

انتهى التحقيق الميداني، بطردنا من ثلاث شركات صرافة كبرى، والتعاطف معنا من قبل بعض الصرافين، وإن جرت مواجهتنا بالسؤال الذي تكرر: “مين بعتكن وعلى مين محسوبين؟”. أنجز التحقيق الميداني الأول، وخلاصته: “استقاء المعلومات من الشباك وأبدا ليس من الباب”، ذلك أن الخبر الرسمي يجافي الوقائع في أحيان كثيرة.

,jتعلمنا “الفهلوة”، ومن أين تؤكل الكتف في الطريق الى مؤسسات “سالكة وآمنة”، إما بالكفاءة أو المحسوبيات. كرّت سبحة السنوات في الصحافة المكتوبة، بحلوها ومرها. تخبطنا مثل أخطبوط في الماء، ابتلعنا ما يكفي من ملح الحقيقة، فكانت هزائم وانتصارات، مواقف رابحة أو مخيبة.

وفي المحصلة، الدرس الذي لا بد منه، أن الكفاءة وحدها لا تكفي ولا تطعم عيشا. ثمة اعتبارات لشبكة المصالح العنكبوتية: “سلفني وبسلفك”.

اعتبارات لطريق الألف ميل، التي يمكن تجاوزها باستخدام السلم اليدوي، الذي يأخذ الى المسؤول أو النافذ أو المنصب أو الوظيفة وفق الآتي:

سائق المدير مدير، مستشار المدير مدير، قريب المدير مدير، جار المدير مدير.. وعن الخبرة حدث ولا حرج. سنوات العمر “المكتوبة” باتت ذكريات محرضة. جف الحبر لكن روح الصحافي لا تعترف بواقع: “طلعت على المعاش”.

هكذا انتقلت الصحافة المكتوبة الى “الطبخة” الالكترونية بشهية اللااستسلام. تقول صديقتي إن موقعها أبصر النور لأن إحداهن سألتها: “شو خلصت الحكاية؟”. ولأن التجارب ولادة، بات في الميدان ألف موقع وموقع. لا يهم الجهد المجاني، أو الوقت الذي يستغرقه الإعداد، طالما أن الهدف ثابت: لا أوصياء أو أخبار مرتهنة.

الصحافي سيّد نفسه، يكتب ما يشاء، ينقل، يعاين، الآمر الناهي. بوركت الأقلام الصادقة والشفافة، في صمودها، في تعقب مخاض الحقيقة، في مواجهتها  حيتان المال اللاهثة خلف أفواه تكمها، وأصوات تشتريها، وحقائق تقلبها كيفما اتفق بيدر اللعبة مع حسابات الشاري أو البائع.

الصحافة المكتوبة، دخلت في الأفول، لأنها راهنت في العقدين الأخيرين على مصادر التمويل،  عسى تعيد المواقع الالكترونية والمدونات والصفحات الخاصة أمجاد الأمس، بعيدا عن شبح الخوف من شيء اسمه: “سكّرنا النبع”.

ناقل الخبر موجود، الشتّام موجود، المدعي موجود، الفتّان موجود، المتفلسف موجود، الأمين موجود، الناشط الحر المستقل موجود، المرتشي موجود، الحريص موجود.. كلها صفات مزدحمة في النشر الالكتروني، فلندعها جانبا، ولنبحث عن الصحافي الحرّ، والموقع الحرّ، والنقد والمعارضة البنّاءين.

* كُتب هذا النصّ لمناسبة الذكرى السنوية الثانية لإنطلاقة “المدارنت”..

=====================

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى