مقالات

النووي السعودي.. ملامح قوة إقليمية جديدة!

“المدارنت”
البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. موقع استهداف قديم جديد لجماعة الحوثي في جو يخيم عليه الصراع على التحكم بالمسارات الاستراتيجية للتجارة العالمية. مسارات بحرية، مدارها صيد ونقل ووقود وغذاء، رهاناتها تأمين أسواق الطاقة العالمية، ضمان سلامة شرايين النقل العالمي، حماية القوى الجيو/ سياسية الوازنة في المنطقة، وعلى رأسها طبعا، المملكة العربية السعودية، التي لا يركز عليها المعلقون بما يكفي في كتاباتهم وتشخيصاتهم وتوصيفاتهم للتفاعلات الجيوسياسية والاستراتيجية، التي تحدد مصير المنطقة في الأعوام المقبلة.

باستهدافهم تعز وميناء المخا الواقع على بعد 170 كم فقط من مضيق باب المندب، يستهدف الحوثيون خط شرق غرب السعودية، التي لا يمكنها الاستغناء أيا كان الحال عن بوابة بحر المندب، منفذها الوحيد إلى البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وبدوره ضامنها الوحيد لشحن نفطها عبر قناة السويس، التي يتم منها توفير 68% من امدادات النفط والغاز العالمية إلى أوروبا.

صراع بوابات، صراع نفوذ، تسعى إيران منذ أمد بعيد إلى فرضه عبر وكلائها، الفاعل السابق حزب الله، والفاعل الحالي الحوثي، وعبر سلاحي هرمز وباب المندب التجاريين، في سياق جديد كتبته ظرفية جيوستراتيجية جديدة، صراع نفوذ يتم الترتيب لتجلياته وفق إطار يراد به فرض نظام عالمي جديد. ولب المسألة هنا، في هذا المشهد الجديد، الذي يسجل إخفاق واشنطن في إيصال مقارباتها التقليدية للوضع الجيوستراتيجي في المنطقة، إلى بر الأمان. لعبة شطرنج جديد تطرح نفسها، أولى قطعها هذه المرة، دول المنطقة الوازنة تقليديا، أولا في صورة السعودية الذي يتصاعد نفوذها أكثر فأكثر، خاصة في لي الذراع الأمريكية عبر إحجامها عن مواصلة ضربها الجارة الإيرانية، التي لم يتدارك العالم إلا أخيرا العمق الاستراتيجي الذي تشكله الروافع التي تملكها.

وهنا نأتي إلى أهمية استراتيجية أخرى، مقابلة ومعاكسة تماما، ألا وهي العمق الاستراتيجي الذي تحاول السعودية تعزيزه، ليس عبر ممارسة الضغط الدبلوماسي والسياسي على الحليف الأمريكي فقط، لكن أيضا عبر تحويل طبيعة هذا الحلف إلى آلية للاستثمار في المستقبل، وهو استثمار استراتيجي- تكتيكي قبل أن يكون استثمارا دبلوماسيا – سياسيا.

هنا، يدخل في المعادلة موضوع ما بات يسمى من الآن فصاعدا «النووي السعودي». والمعادلة هنا ذات اتجاهين حتميان لصناعة قوة إقليمية، تمر عبر السيادة. والسيادة تمر عبر جعل النقل التكنولوجي على رأس الشراكات الاستراتيجية والتجارية، حتى تضع الدولة حدا لتبعيتها التقليدية للنفط، عبر الانتقال إلى المزيج الطاقي، وتتمكن من مواجهة، على سبيل المثال لا الحصر، تحدي الإمداد الكهربائي، فضلا عن الاستثمار في مجال الطب والصناعة والزراعة..

لكن، والجميع يعلم ذلك، لا يمكن إبعاد العامل العسكري من الخطة، فمسألة الردع النووي باتت جوهرية في الخطة السعودية، وهو ما لم يخفه الأمير بن سلمان عندما حذر بحذو حذو إيران في حال اكتساب الأخيرة السلاح النووي. الإطار المرسوم واضح: يعتبر سعي إيران إلى ان تصبح قوة «اجتازت العتبة النووية»، كما يقال في أدبيات المهندسين خبراء الميدان، أمرا واردا، ما يبرر أن تترك اتفاقية التعاون النووي المدني السعودي الأمريكي الباب مفتوحا في وجه التخصيب، تحت إشراف أمريكي مرحلي.

فحتى لو ظلت هذه الاتفاقية في النهاية غير واضحة الملامح، وخاضعة لتقلبات الصفقات السياسية، إلا أنها تؤصل فعلا لخيار على المدى البعيد، مؤكدة طموحا سعوديا واضحا إلى الجمع بين برنامج انتقال مدني، ومنطق أمني غالب على منطقة الشرق الأوسط. نموذج نووي أمريكي يصبح نموذجا سعوديا بامتياز، لا يكتفي بإتاحة الفرصة لتطوير خبرة نووية ناشئة.

الموضوع أبعد من ذلك وأبعد بكثير. صحيح أن المعادلة تضع السعودية في مرحلة جديدة تمنحها نافذة لاختبار مرحلة «ما بعد النفط»، لتثبيت قدرات طاقوية جديدة، تجنبها التبعية الكلاسيكية التي يفرضها اقتصاد أحادي التوجه، يحدد طبيعة اقتصاد دول الخليج، لكن سرعان ما تفتح لها هذه الاتفاقية أيضا نافذة لفرض استقلاليتها كقوة إقليمية تحظى بامتياز دخول نادي القوى النووية الحصري جدا، بمباركة أمريكية تندرج كليا في مخطط الانسحاب الأمريكي من بؤر التوتر في العالم. من هذا المنطلق، وهو منطلق جديد، يمكن اعتبار مرحلة دخول السعودية معترك تطوير النووي المدني إيذانا بهامش مناورة مفتوح على جميع الاحتمالات، في مرحلة اختبار ليس للمملكة فقط لكن أيضا لأمريكا وللعالم.

ففي ظل التهديدات الإيرانية غير المسبوقة على دول منطقة الخليج، وفي ظل يقين المراقبين من عدم استمرار أمريكا في الالتزام بعقيدة التدخل الخارجي مستقبلا، تجد السعودية نفسها على محك اقتصادي وسياسي وأمني يضعها في قلب اختبار جديد في مدى قدرتها على أن تصبح قوة إقليمية فاعلة تفرض حضورها في المنطقة وتفرض اسمها على الساحة الدولية.

تجدد المشهد في الشرق الأوسط يفضي إلى صناعة شرق أوسط جديد، وهنا يكمن الدور السعودي الأساسي، ومن الأهمية بمكان أن ننظر إليه بالمنظار المناسب، فلم يعد بالإمكان التوقف عند المقاربات والتشخيصات والتوصيفات التقليدية، من دولة حليفة لأمريكا وازنة في المنطقة، منفذة لمشاريع استثمارية على أوسع نطاق.

في هذا المشهد الجديد الذي فرضه سياق صناعة قوة إقليمية جديدة، نحن إزاء دولة حاضنة – بالمعنى المعروف للكلمة في مصطلحات الشركات الناشئة – تختبر آليات جديدة تتزود منها القوة السعودية تدريجيا لتدشين مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي، تلك التي تترك للشرق الأوسط الجديد صفحة بيضاء بامتياز تكتب فيها توجهات جيوسياسية وجيوستراتيجية غير مسبوقة.

بيير لوي ريمون/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى