الوعي “القطيعي” وسلوكياته والتمرّد عليه والتحرّر منه!

خاص “المدارنت”/ بتمردك.. تكسب إنسانيتك..
بإختصار شديد وموجز وكرؤوس أقلام وعناوين، ومن وجهة نظري ونظرتي الشخصية الخاصة المتواضعة، وبكوني أحد ضحايا هذه الظاهرة “ظاهرة القطيع”، والتي ألجأ الى كل المحاولات كيّ اتمرّد عليها واتحرر منها، بالقول هنا:
أولا/ ما سأقوم بتسطيره هنا حول هذه الظاهرة، هو إعطاء فكرة عامة عنها، كوعي عام متجذر في المجتمعات المتخلفة والجاهلة، من دون الدخول في تفاصيل صوره الفكرية والعقلية والثقافية، وبمظاهرة الإجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبمنابعه ومصادره العقائدية والايدلوحية، وبأنواعه “القطيع القبلي والسلالي والأسري وكذلك القطيع الحزبي.. وإلخ”، دينية كانت تلك أم غير دينية، ودينيًا، ومن ثم تلك الأفعال والأقوال والسلوكيات والتصرفات والممارسات الحياتية اليومية للمجتمع، أفرادا وجماعات، ومذاهبا واعراقًا، وأحزابا (مكوناته المختلفه) الناتجة عن هذه الظاهرة، وكذلك النتائج الكارثية والوخيمة والخطيرة المترتبة عليها على الفرد والمجتمع..
ثانيا/ قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المنسوب إليه، والذي يعتبر مشكوكا وغير صحيحا سندا, لكنه صحيحا بالمعنى:
“لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن أساءوا أسأنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسنوا أن تحسنوا وإن أساؤوا أن لا تظلموا”….
وهذا ما يجعلني أن أقول:
بأن المجتمعات المتخلفة والجاهلة.. دائما ما تطغى على حياتها الطاعة العمياء والتبعية المطلقة والتقليد الأعمى والإنقياد السهل لشخص أو جماعة أو فئة أو طائفة أو حزب أو عقيدة أو مذهب أو ايدلوجية… إلخ، والإنجرار ورائها، مهما كان مصيرها الذي تؤول إليه، ومهما كانت النتائج الكارثية المترتبة على ذلك.. من دون أن تسأل نفسها، أفرادا كانوا أم جماعات.. عن السبب في ذلك؟ ولماذا؟ بل إن الأدهى من ذلك كله، أنها وفي حالة تلك الكارثة الحقيقية التي حلت بها لا تعيد مراجعة نفسها، وتستمر في ذلك الإنقياد وتلك التبعية والطاعة العمياء، و… الخ، لراعي جديد، ومتسلط جديد، ومستعبد ومستبد جديد، يقودها بحسب أهواءه ونزواته الشخصية ومطامعه الذاتية.. كطيع يسوسها كيفما يشاء ومتى يشاء ويريد.. وذلك متى ما ملك وأمتلك القوة اللازمة لذلك, بل إنه من السذاجة والسخف الشديدين، أن يظن ذلك الراعي بأن ذلك القطيع سوف يقف معه، وفاء ومساندة ومساعدة, في حال ضعفه أو فقدانه تلك القوة وسلبه إياها من قبل راعي جديد أكثر قوة منه..
ذلك، لأن القطيع، بطبيعته كقطيع، لا حول له ولا قوة, فهو أداة طيعة وسهلة في يد أيّ راعي إستطاع التغلب على راعيه القديم وحل محله..
بمعنى، أن الراعي يجعل القطيع كافرا.. ومن نفس القطيع مؤمنا.. بين لحظة وأخرى، فالقطيع يظل قطيعا مهما تبدل الرعاة أو الرعيان.. أما الكلب، فيظل وفيا لصاحبه فلا يتركه أو يتخلى عنه. فالراعي، عندما يعتقد أو يظن بأن القطيع سوف يحميه ويدافع عنه في وقت الحاجة، فهو واهم كل الوهم بذلك، فليس من طبعه وطبيعته الوقوف معه، بل يدوس على جثته في حال هزيمته..
من المصطلحات شائعة الاستعمال في وصف العلاقة الفكرية بين الفرد والجماعة، مصطلح ثقافة القطيع، حيث يطلق هذا المصطلح على السلوك الذي يتبعه الأفراد عند انضمامهم إلى جماعة ما، حيث تتحول تصرفاتهم من تصرفات مبنيّة على التخطيط، والعقلانيّة إلى تصرفات متأثرة بسلوك هذه الجماعة، وقد استمد هذا المصطلح تسميته هذه من سلوك الحيوانات في قطعانها، أو أسرابها، أو جماعاتها التي تلتحق بها.
وقد كان أول من استخدم هذا اللفظ “سلوكيات القطيع”، هو عالم الأحياء هاملتون، وذلك لوصفه تلك العلاقة بين مكونات القطيع الواحد..
وما كان ذلك كله ليتم ويحصل، لولا وجود عدة عوامل، أدت إلى ذلك، بحيث تؤدي أخيرا إلى إحساس الفرد بالضعف وبعدم قدرته على مجابهة الحياة لوحده.. وأن انصهار شخصية الفرد ضمن جماعة، يعني أن هذه الجماعة سوف تمنحه إحساساً بالقوة والمنعة، مما يجعله يتحوَّل عن صفاته الأولى إلى صفات أخرى، متماهية تماماً مع صفات الجماعة، الأمر الذي يؤدي إلى إيجاد أفراد متشابهين إلى حدٍّ بعيد، يكوّنون فيما بينهم قطيعاً يُمكِّنهم من القيام بأي فعل كان، حتى لو وصل الأمر إلى إسقاط الدول كما يجري في المظاهرات، وحركات التحرر، وما إلى ذلك، مع ما يترتب على ذلك من أخطار جسيمة وعظيمة وجمة على الجميع، حيث أن لثقافة القطيع العديد من المخاطر، بخاصة، إن تعلق الأمر بمسائل حساسة كمسائل الحياة والموت.
على سبيل المثال: نجد أن شخصاً ما قد يكون مقتنعاً بفكرة إنسانية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأنه قد عقد النيّة على تقديم المساعدة لبعض الأشخاص الذين يراهم يستحقون هذه المساعدة من وجهة نظره، ولكنه، عندما ينضم إلى جماعة ما، تتحول مواقفه الأولى إلى مواقف تتشابه إلى حدٍّ بعيد مع مواقف الجماعة، فيستحيل كائناً لاإنسانياً، يُغيِّب العقل، والمنطق، والضمير من أجل إرضاء قطيعه، وبالتالي الحصول على بعض المنافع، وفي هذه الحالة لا يمكن لعضو القطيع.. لعب أيّ دور إيجابي في مجتمعاتهم، ما داموا جزءًا أصيلا من القطيع ومتماهين معه.
إذا نظرنا مثلا إلى أولئك الأشخاص الذين استطاعوا إحداث تغييرات جوهرية وجذرية في مجتمعاتهم، ما كان لهم بأن يقوموا بذلك ويحدثوه، لولا تمردهم أولا على واقعهم، حيث أن الأشخاص الذين استطاعوا إحداث التغييرات الجوهريّة عبر التاريخ الإنساني، هم أولئك الأشخاص الذين تمردوا على جماعاتهم، واحتفظوا بهويتهم الفردية، وبقدرتهم على التفكير المنطقي، والعقلاني، فصاروا بذلك قادرين على توجيه الجماهير وإدارتها، وقيادتها نحو تحقيق أهدافهم سلبية كانت أم إيجابية.
إن “الوعي القطيعي”، متمثلا بثقافة وفكر وعقلية القطيع، ومن ثم أفعاله وسلوكياته وتصرفاته، هو الذي أوصلنا جميعا إلى ما نحن فيه.. وعليه.. ولا يمكننا الخروج مما نحن فيه.. وعليه.. إلا عندما يكون ذلك “الوعي القطيعي” للقطيع.. “وعيا قطيعيا! للوطن، بإنسانه وأرضه، أولا وأخيرا وآخرا، وعيا إنسانيا حقيقيا بحتا، “الوعي الإنساني التحرري”..
ولن يكون ذلك، إلا إذا شعر وأحس ذلك القطيع، وعيا قبل سلوكا وتصرفا وممارسة، بالحاجة الماسة والضرورية للتمرد الإيجابي على القطيع والتحرر والتخلص والخلاص منه، وبأن الوطن هو خط الدفاع الأول والأخير الذي يحتمي به والمدافع عنه، والحصن الحصين الذي يتحصن به وفيه، عندما تدهَمه الأخطار وتهدده في حياته, ولا شيء سوى الوطن حاميًا ومدافعًا وواقيًا..
صحيح ان تلك عملية صعبة للغاية ومعقدة ومركبة، تحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل، ولكنها ليست بالمستحيلة، وهنا يطرح السؤال نفسه وبإلحاح, أين دور مَن تُسمّي نفسها “النخبة”، بصفة عامة من ذلك؟!
إن ذلك القطيع، ضحية لثقافة استبدادية استعبادية تسلطية طغيانية وشمولية متجذرة عبر قرون, تلك الثقافة الاستبدادية والاستعبادية والتسلطية والطغيانية التي مورست عليه، سلبته إنسانيته وآدميته وذاته وذاتيته وحولته إلى دمية يحركها، ويلعب بها ذلك المستبد وذلك المستعبد كيفما شاء ومتى شاء، وبخاصة، عندما يتّسم كل ذلك بسمة وبصبغة دينية..
ومجرد محاولة الخروج على القطيع، وعيا وغريزة وثقافة وفكرا وعقلية وقناعات وسلوكا وتصرفا، من قبل البعض، فردا كان أم أفرادا وجماعات ورموزا ونخبا،، يدخلها في دائرة الشك والاتهام والمعاقبة والحرمان والنفي، وقد يصل الأمر إلى الحرمان من الحياة الوجودية لها/لهم.. حيث تعبر لوحة “الخروج عن القطيع” -للفنان البولندي توماس كوبيرا، المنشورة هنا عن تلك الصعوبة، فهي توضح حجم الصراع الذي يعاني منه الفرد، لحظة خروجه من المسار الذي يرسمه “العقل الجمعي”.
حيث أن القطيع هنا هو (عبارة عن ناس كلهم شبه بعض.. نفس الملامح الغائبة ونفس الأحجام ونفس التوجه.. الفنان هنا يقصد انهم يفكروا ويتصرفوا بنفس الطريقة لدرجة ان تمايزهم الشخصي تاه واختفى وسط القطيع، حتى ان القطيع نفسه مصنوع من الثلج يعني متجمد متصلب وبارد.. خالي من الحياة والمشاعر، كناية عن توقف نموهم الفكري..
أما الشخص اللي بدأت تظهر له ملامح مستقلة، وبدأ يتشكل له جسد مغاير للقطيع، وبدأت حرارة الحياة تدبّ في جسده كأنه لهب مشتعل فى سماء العتمة، بمعنى إنه قرر أن يكون له فكر ورأي وسلوك مستقل.. وقرر أن ينعتق ويتحرر من سطوة القطيع، لكن هذا الشخص مشكلته اكبر، وهي ان القطيع لن يتركه في حاله، بسبب تمرده الصارخ فى معاناته، محاولاً السباحة ضد تيار هذا القطيع، وسيحاول ما في وسعه ان يرجعه ويقطع في جلده ويجمده مرة ثانية ويشده بعنف ناحيته.
وبما أن القطيع على هذه الحالة.. فإنه من السهولة جدا بمكان وبزمان على أي راع ملكه وأمتلاك تجييشه وحشده، ومن ثم توجيهه نحو الهدف والغايه التي يريدها ومن دون مقاومة تذكر من ذلك القطيع, بل رغبة شديدة من القطيع في ذلك, سواء كان ذلك الهدف وتلك الغايه.. هدفا وغاية نبيلة أو غير نبيلة، فهو أي القطيع، لا يهمه الأمر في ذلك, لا من قريب ولا من بعيد, فهناك من يفكر له وعنه ويسوسه ويقرر مصيره…
وما أكثر الأدلة على ذلك، التي قرأنا عنها وعايشناها ونعيشها, والتي سوف نعايشها ونعيشها مستقبلا، ما لم يتم التمرد عليها، تمردا إيجابيا، ومن ثم التخلص والخلاص والتحرر منها… بمعنى: إنه، وفي مجتمع يتجذر ويسود فيه “الوعي القطيعي”، بفكره وثقافته وعقليته، وبكل ما ينتج عنه من أفعال وسلوكيات وتصرفات.. فإنه ومهما تبدل الرعيان.. فإن القطيع يظل هو هو واحد..
ومهما تبدلت وتغيرت الشعارات والرايات.. فإن الأيادي والحناجر التي تخطها وترفعها وتهتف بها تظل هي هي واحدة.. حيث أن مجتمعات القطيع لا تثور ثورات شعبيه وثوراتها المزعومه هي خلافات بين الرعيان تنتهي دائما في دائرة الرعيان، ولا تحقق للقطيع شيء واقصى تغيير يحصل عليه القطيع، هو إستبدال الراعي وفق قانون الحظ والنصيب!
ففي مجتمع كهكذا مجتمع.. لا يسلم أو يخلو أحد من ذلك الوعي القطيعي – طبعا بنسب متفاوتة- وفيه تتعدد القطعان.. ووفقاً لذلك يتعدد الرعيان.. فالكل قطيع.. لا استثني أحدا، لنسمع ونصغي ونستمتع لسيمفونيّتنا، سيمفونية القطيع!
يقول جوستاف لوبون: “من يستطيع إيهام الجماهير يصبح سيدا لهم، ومن يحاول إزالة الأوهام عن أعينهم يصبح ضحية لهم”.
ويقول برتراند راسل:
“الخوف الجماعي يحفز غريزة القطيع والتي تميل إلى الى انتاج الشراسة تجاه أولئك الذين لا يعتبرون اعضاء في القطيع.. أي انهم يوجهون عنفهم في اتجاه خاطئ، فبدلا من توجيهه ضد سبب الخوف يوجهون عنفهم وشراستهم ضد من لا يندمج معهم في سيمفونية الرعب الجماعي”.
أما جمال الدين الأفغاني فيقول:
“إذا سَلِمْتَ في كتابة خاطراتك من خطر الطاغية وطواغيته، فستصادف من أهل الجمود عنتا وتخرصا وقلبا للحقائق، فلا تبال بهم، فما خلا الكون منهم يوما ليخلو زمنك!، ولا نجا منهم مخلص لتنجو أنت”!
ويقول وليام شكسبير:
“حشد العقلاء أمر معقد للغاية، أما حشد القطيع فلا يحتاج سوى راع وكلب”.
أما فريدريش نيتشه فيقول:
“أتراك تريد حياة سهلة؟ فابق إذن قريبا من القطيع وانس نفسك فيه…”.
إنه الوعي القطيعي وسلوكياته وتصرفاته وممارساته وليس سواه..
فكلهم متفقون على أننا قطيع من العبيد والأقنان.. لكنهم مختلفون على من يملك ويمتلك هذا القطيع.. وكل يريد أن نصغي إلى سيمفونيته الخاصه التي يعزفها لنا.. ترى من منا يرى نفسه لا ينتمي إلى القطيع، وليس جزءًا منه؟
وهل حان الوقت وآن الأوان للتمرد عليه، والتحرر والتخلص والخلاص منه؟ أم أن الوقت لم يحن بعد؟! اسئلة حقيقية تستدعي الإجابة عنها.
الخلاصة:
إن كل الذين ربطوا خلاصهم وتخليصهم, وكل الذين ربطوا حريتهم وتحريرهم, وكل الذين ربطوا الحصول على كرامتهم وإنسانيتهم, وكل الذين ربطوا إيجاد ذواتهم وذاتيتهم وتحقيق حلمهم العظيم..بالآخرين، عاشوا وماتوا عبيدا وأقنانا يا نحن.. -نحن البلهاء والقطعان-…
فيا ضحايا الوعي القطيعي الحزبي…
تمردوا.. تمردوا.. تمردوا.. فليس أمامكم ما تخسروه وتفقدوه وتندمون عليه، سوى البؤس والشقاء والخذلان والعبودية.. فما عاد غير التمرّد يجدي، وما عاد غير التمرّد.. ينفع!



