بــنـــــاء الــمـــــواطــنـــــة..*

خاص “المدارنت”..
ما يزال المواطن اللبناني، يعيش حالة نزاع وصراع متواصلة، بين المواطنة والطائفية، وعلى الرغم من كون لبنان دولة ديموقراطية، يُفترض أنها تعتمد المساواة بين كافة المواطنين؛ إلّا أن الطائفية السياسيه، لم تبخل بأن تشبّ عاصفتها على الدستور، وتخلق ثغرات بليغة، ألغت معها مبدأ المساواة والكفاءة والنزاهة، ما جعل كل شيء مُسيس وطائفيّ.
مع بداية الحرب في العام 1975، وحّد لبنان هذا المنظور، بينما انقسمت الدولة، بل انهارت ووقعت في عجز تام، اقتصاديًا وإنتاجيًا وسياسيًا، ولكن العاقبة، لم تظهر النتائج مباشرة، وظن المواطنون انهم يعيشون في حالة رغد ونعيم.
ماذا نحتاج اليوم؟ وأيّ سبيل لانشاء دولة متكاملة، سياسيًا واجتماعيًا وقضائيًا؟
نحتاج الى دولة علمانية مدنية، تلغي ما خلّفته الطبقة السياسيه من ثغرات في القانون. وتكمن المعضلة في أنّ معظم اللبنانيين، لا يعرفون أسس الدولة المدنية، ويعتقدون أنها تهدد المعتقدات الدينية، وتهدد السلم الاجتماعي. وقبل أن ندخل في صراع بين المؤيدين والمعارضين في نظرتهم الى أسس الدولة المدنية، علينا:
أولًا: أن نزوّد المجتمع بمعلومات كافية، عمّا تمثله الدولة المدنية من قيم وحاجات ملحة للوطن، عبر تنظيم لقاءات تثقفية توعوية، تستهدف البيئات المختلفة، وتنهض بها من المضمون الذي نشأت عليه.
ثانيًا: إنّ الدولة المدنية، هي الوحيدة القادرة على حماية التعددية وحرية المعتقد. إن أهم خصائص الدولة المدنية، هو التمييز بين المجال العام والمجال الخاص، وعدم خَلْط الدين بالسياسة، وليس من وظائفها أيضاً مُعاداة الدين، كما يذهب إلى ذلك خصومها، لكن من واجباتها وضع مسافة واحدة بينها وبين الأديان، وعدم السماح باستغلال الدين أو استخدامه لأغراضٍ خاصةٍ أو سياسيةٍ، مع تأكيد الاحترام لجميع الأديان، وحق الإنسان في حرية العِبادة، وممارسة الشعائر والطقوس بحريةٍ، ومن دون قيود، وذلك بما يُحدّده القانون العام السائد، أيّ عدم تجاوز حقوق الغير أو الدّوس عليها.
ثالثًا: معرفة المواطنين، دور وأهمية وجود الدولة المدنية، في الانماء المتوازن لكافة القطاعات الانتاجية والاقتصادية، من خلال دور الوزراء الذين يتمتعون بالكفاءات العلمية العالية، والخبرات الطويلة، مبتعدين عن التعيينات الحكومية على أساس الطائفة، وبالتالي، تساعد على تطوير مؤسسات الدولة، بغياب المحاصصة الطائفية، خلال إقرار التعيينات الادارية في الدوائر العامة. وبالتالي، نكون في صدد احترام الدستور اللبناني، الذي يعطي الكفاءة والاختصاص، في دور الموظفين، حيزًا بارزًا.
رابعًا: تعديل قانون الاحوال الشخصية، والغاء القيد الطائفي، وتنظيم أمور الزواج والطلاق والميراث مع احترام حرية المعتقد.
خامسًا: عندما يتم اعتماد الدولة المدنية، واحترام الدستور القائم عليها، يمكننا بذلك بناء مجتمع ديموقراطي، يسود فيه احترام الحريات والواجبات، وإعطاء دور مهم للمواطنين، وتشجعيهم على ممارسة حقوق المواطنة، وخلق فرص متاحة للجميع في عملية الاقتراع الانتخابي. وتخفيض الفساد الاداري والسياسي، وذلك على ما نصّ عليه الدستور اللبناني، من آليات المراقبة القانونية، وتوفير فرصة للقضاء، ليأخذ الوقت الكافي، لتنفيذ مهمته القضائية العادلة في مواجهة الثغرات القانونية.
سادسًا: تحمي الدولة المدنية المجتمع، من خلال إرساء العدالة الاجتماعية، فلا تفضل فئة عن فئة أخرى؛ من خلال حفظ السواسية في حقوق جميع الأفراد، فتطبق القانون من دون تمييز ديني أو جندري أو إيديولوجي… وتسمح بتفرد المواطن، فتفتح له باب الإبداع والتميّز والتطور. لا تنتقص الدولة المدنية من قوة السلطة، من جهة، ولا تضعف المجتمع كذلك، فهما متكاملان، وكل يدرك دوره في بناء الوطن.
وإذ يشعر المواطن بالأمان، فهو يشترك مع الدولة إراديا في الحفاظ على أمن الوطن والالتزام بالقانون، وعدم المسّ بالحياة العامة. وإذ تحترم الدولة مواطنيها، وتنصفهم من خلال القانون المدني، فهي تجعلهم تحت جناحيها، ليس بصفتهم مناصرين، ولكن كمواطنين أحياء، يسهمون في بناء المواطنة، في التربية العامة وفي الافعال.
فالمجتمع المدني، يخترق الدولة عن طريق المجلس التشريعي – الممثل للطبقات (Estate Assembly) بحسب هيجل – وعن طريق الرأي العام، كما أن الدولة، تخترق المجتمع المدني عن طريق السلطة العامة، والشرطة، وإدارة العدالة، وتنظيم الاقتصاد. ولا يحقق المجتمع المدني، العقلانية إلا عبر الدولة، التي تجسد هذه القيم، وبالتالي، ترعى المصلحة العامة للناس، وتتجاوز انقسامات وأنانية المجتمع المدني.
لهذا لا ينبغي النظر إلى المجتمع كمضاد تماما للدولة، فعندما تريد الدولة أن تطبق القانون مثلًا، فإنها تحتاج إلى المجتمع المدني، ليرسّخ لدى المواطنين روح احترام القانون، والتعاون مع السلطات، من أجل تحقيق المصلحة العامة.
وأخيرًا، في ظل الظروف التي نعيشها، والتي جعلت من المواطن عبدًا للآلهة السياسية، لبنان، لا يمكنه ان يكون جمهورية إسلامية، ولا مسيحية، لأنه غنيّ بالتنوع الديني والطائفي.
وعلينا كلبنانين، أن نستعيد الوعي، ونباشر في وضع خطط واستراتيجيات تنظيمية، من أجل حماية هذه الدولة من السقوط، والحدّ من الفساد على كافة الصعد، وأن نرجع الى الدستور، الذي ينصّ على أن لبنان دولة مدنية، ولا يمكننا أن نلغي ذلك، لأنه في المقابل، نكون قد اخترقنا السيادة القانونية للبلاد.
* بأقلام الشباب.
ملاحظة: الآراء المنشورة تعبّر عن رأي كاتبها، ولا تعبّر عن رأي “المدارنت”..



