مقالات

بـيــن تــراثـنــا والـحــداثـــــة..

د. عبد الناصر سكرية/ لبنان

خاص موقعيّ “المدارنت” و”ملتقى العروبيّين”..
ببساطة وإختصار شديدين؛ بينت حرب فلسطين الحالية، أن الذين يقاومون ببسالة نادرة وإيمان راسخ عميق لا يتزعزع، ويقدمون أرواحهم فداء للأرض والوطن ومقاومة العدوان الهمجي وحرب الإبادة التي يشنّها العدو الصهيوني على أهلنا في غزة وفلسطين، هم أؤلئك المؤمنون بربهم، والذين تشكلت ثقافتهم وعقولهم على ضوء وهدي التراث الفكري والديني بكل ما فيه..
والذين صدّعوا رؤوسَنا بنقد التراث، وإتهامه بالتخلف والرجعية والسلفية، مطالبين بتجاوزه إلى حداثة الغرب الليبرالية العلمانية؛ إنما بلعوا ألسنتهم أمام ما يحدث في فلسطين، حيث السقوط المروع واللا متناهي للغرب ومفاهيمه الكاذبة وقيمه المنحطة، التي تشرعن القتل والإبادة وكل عمليات الإجرام الوحشي بحق شعوب بأكملها؛ ولا تحمل أيّ مضمون إنساني من أي نوع.. فكل شعاراتها كذب ومخادعة ورياء وغطاء لإستعمار الأمم والشعوب..
هؤلاء المبشّرون بالحداثة و”الليبرالية” و”النيو ليبرالية” والعلمانية؛ إختفت أقلامهم وغاب صوتهم؛ بل إنعدمت أيّ مشاركة عملية ذات قيمة لهم في أيّ ميدان من ميادين المواجهة؛ إزاء حرب عالمية شاملة لتدمير الوجود العربي، بدءًا من فلسطين..
إن كانوا يملكون بعد شيئا من المصداقية الشخصية؛ والصدق مع ذواتهم؛ فليقدموا لنا تفسيرًا لهذا الانحطاط الحضاري والأخلاقي الفظيع للغرب..
فليفسروا لنا نحن البسطاء الذين نؤمن بالله وكتبه ورسالاته السماوية؛ وقيمه الأخلاقية والإنسانية الخالدة؛ كيف؟ ولماذا أنتجت “ليبرالية” الغرب مثل تلك العقلية الإجرامية؛ وتلك الثقافة التي تستبيح كل شيء في سبيل فرض مصالحها المادية بالقوة العسكرية المجرمة العمياء.. وصولا إلى أعلى مراحل “الإمبريالية” التي تسحق الإنسان المعاصر؛ ومعه أممًا وشعوبًا بكاملها..
فليفسروا لنا وهم يلحّون على عقولنا بالعلمانية؛ لماذا أثمرت علمانية الغرب تلك العنصرية الحاقدة على كل ما هو إنساني، يقف في طريق هيمنتهه وإستغلاله لكل موارد البشر، من دون أدنى حق في قيمة العدل والمساوة والكرامة والحرية..
أليست سياسة الغرب المجرمة وليدة فكره “الليبرالي” وثقافته العلمانية المادية اللا دينية؟!
أليس تهميش الدين وقيمه الأخلاقية والإنسانية، هو أحد أهم أسباب انحطاط الغرب الإستعماري؛ حضاريًا وإنسانيًا؟! وصولا إلى هذا المستوى المنحط القذر من الحقد والإجرام!
أوليس الفكر المادي الفردي النفعي وما يحمل من مفاهيم الجشع والإستغلال والأنانية؛ نتاجًا مصاحبًا لفكر العلمنة “الليبرالية” الرأسمالية الجاحدة؟!
فليقل لنا أؤلئك المثقفون دعاة الحداثة والعلمانية؛ كيف نحمي أنفسنا ومجتمعاتنا من مثل تلك المفاهيم المدمرة؛ ونحن نطالب بالحداثة وما فيها؟
أم أنهم يؤيدون؛ – كما يطالب كثيرون منهم جهارًا؛ – التحاقنا بثقافة الغرب وقيمه ومفاهيمه وفكره الليبرالي العلماني بما فيه؛ بل وإنخراطنا في حركته وتماهينا مع مثله ومفاهيمه؛ حتى نكون حداثويين؛ لا نلتفت إلى تراثنا الديني وما فيه: بل نتجاوزه ونتخلّى عنه التزاما بمتطلبات الحداثة؛ وإلا فنكون من القوم الجاهلين الضالين المعاندين لكل تطور وتقدم..
ألن يكون مصيرنا والحال كذلك؛ مشابها لمصير الغرب وسياساته المجرمة وقيمه المنحلة؟
أليس من حقنا بل من واجبنا أن نحتفظ لشخصيتنا الإجتماعية ولأمتنا بما لديها من خصوصيات إيجابية وقيم نبيلة فاضلة؛ ونحن نطالب ونسير على طريق النهضة والتقدم والتحديث؟
وهل أن طريق التحديث المطلوب والتطوير والتقدم هو طريق محاكاة ثقافة الغرب ومفاهيمه، وليس هناك طريق آخر لذلك؟ موجود أو ينبغي إيجاده؟
أليست تجربة المقاومة الشعبية الباسلة في فلسطين المحتلة؛ جديرة بالدراسة والتحليل؛ لمعرفة ماهية تلك الدوافع النضالية الرائعة والإستثنائية التي تحملها وتتمتع بها وتتحصن بمحتواها الديني؟ أليس واجبا أن نعرف ما علاقتها بذلك التراث الديني “المذموم”؛ وهل يلعب دورًا إيجابيًا في بلورتها؛ وصولا إلى هذا المستوى الإستثنائي من الفداء والتضحية؟ أم أنه محض مصادفة عشوائية منفصلة عن تاريخ الأمة وتراثها؟
لا يفهمنّ أحدٌ من حديثنا؛ أننا لا نطالب بالتحديث والتطوير والتقدم ألإيجابي في كل الميادين وعلى كل المستويات..
ولا يعتقدنّ أحدٌ أن ليس في تراثنا الديني ما هو سلبي معوّق ودخيل ينبغي تجاوزه والتعالي عليه..
ولا يفهمنّ أحدٌ أننا نعني بالغرب كل أبنائه وشعوبه؛ فمنهم كثيرون جدًا؛ لم تستطع ثقافة الغرب الرأسمالية المادية الحاقدة؛ أن تقتل روحهم الإنسانية المشرقة؛ كما لم تستطع أن تجندهم مستهلكين في ماكينتها المادية السحيقة.. فاحتفظوا بقدر عال من المشاعر الإنسانية ودوافعها النبيلة؛ فحركتهم ودفعتهم إلى ساحات التظاهر والحرية والتضامن مع شعب فلسطين..
أما نظم الغرب ومحركات سياساته؛ وما بها من عقم إجرامي مدمر؛ وما تحمل من ثقافة الإكراه والإخضاع بالقوة الغاشمة العمياء؛ فتلك هي التي تملك النفوذ والسلطة والسلطان؛ وتدفع شعوب الغرب ذاته إلى آفاق الغد المسدودة والقاتمة…
ليس يعني حديثنا عدم وجود ما هو إيجابي وعلمي وجيد في ثقافة الغرب؛ بل لديه الكثير مما صنعه من أسباب التقدم العلمي والتقني؛ فأفاد به البشرية جميعا.. وإن كانت عقول عظيمة من أبناء تلك البشرية قد أسهمت ولا تزال تسهم فيه بفعالية متميزة؛ إلا أن مصادر الإمكانيات والطاقات المادية والعينية التي موّلت ذلك التقدم؛ إنما هي من بلاد أؤلئك البشر المستعمرين المسحوقين بقوة الغرب “ألإمبريالية”..
سوف يذكرنا مثقفونا من أشياع ثقافة الغرب وقيمه؛ بحال بلادنا المأساوي؛ وغياب الديموقراطية والحرية وإحترام الإنسان والرأي الآخر؛ وهم في سبيل الدفاع عن خيارهم بالتماهي مع الغرب وثقافته؛ معيدين ذات نبرتهم العالية في التهكّم على تراثنا وقيمنا الدينية؛ انسياقا مع حملات مشبوهة يقف الغرب الإستعماري ذاته وراءها؛ لفكّ إرتباطنا بأمتنا وثقافتها وقيمها؛ ليسهّل إنخراطنا في ثقافة الغرب المادية المنحلة؛ وتبنينا قِيمَه السلوكية المرفوضة..
ولسوف نقول لهم؛ إن الثقافة إن لم تكن أساسًا للمواقف الحياتية العملانية فلا قيمة لها.. ولا سيما إذا ما اتخذت غطاءً لتنفيذ كل ما يخالفها ويناقضها مضمونا وسلوكا..
إزاء ما هو قائم في غزّة، من صمود أسطوري رائع؛ نطالب مثقفينا المعنيّين بتفسيره لنا من موقع المراقب الموضوعي الذي يسعى إلى الحقيقة؛ وليس من موقع التبرير وتسويق إرتهانات مفروضة أو منافع مقبوضة أو تعصب فئوي لا لزوم له.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى