بين الرياضة والسياسة.. صعود “فريق الغد الأفضل” إلى الدرجة الثانية نموذجاً للعمل الجماعي

خاص “المدارنت”
ليس بعيداً أن نجد بين الرياضة والسياسة قواسم مشتركة كثيرة؛ فكلاهما يحتاج إلى رؤية واضحة، وإدارة واعية، وانضباط، وتوزيع للأدوار، وإلى فريق يعرف كيف يعمل معاً من أجل هدف مشترك. ولعل صعود فريق الغد الأفضل إلى الدرجة الثانية في كرة القدم اللبنانية يقدم مثالاً حياً يمكن الاستفادة منه، ليس في المجال الرياضي فحسب، بل في العمل السياسي والاجتماعي أيضاً.
فالنجاح لم يكن وليد الصدفة، ولم يكن نتيجة تألق فرد واحد، مهما بلغت موهبته، وإنما كان ثمرة إدارة مثابرة، وروحية فريق، وإصرار على العمل الجماعي، والابتعاد عن الفردية والأنانية.
من الملعب إلى السياسة
في كرة القدم، لا يستطيع أفضل لاعب في العالم أن يفوز بمباراة بمفرده، فهو يحتاج إلى حارس يحمي المرمى، ومدافعين، ولاعبي وسط، ومهاجمين، ومدرب يضع الخطة، وإدارة توفر الإمكانات، وجمهور يساند الفريق.
وهكذا هي السياسة. فمهما عظم شأن الفرد، ومهما امتلك من حضور أو تجربة أو كاريزما، فإنه لا يستطيع أن يضاهي قوة العمل الجماعي المنظم. والسياسي الناجح ليس من يقوم بكل شيء بمفرده، بل من يعرف كيف يجمع الكفاءات، ويوزع الأدوار، ويضع كل شخص في المكان الذي يستطيع أن يعطي فيه أفضل ما لديه.وهنا تكمن إحدى أهم الدروس التي يمكن أن نستخلصها من تجربة فريق الغد الأفضل.
العثرات جزء من الطريق
لا يوجد فريق رياضي يخوض موسماً بلا عثرات، كما لا يوجد عمل سياسي أو اجتماعي يخلو من الأخطاء والتحديات. فالعثرة ليست المشكلة؛ المشكلة هي عدم القدرة على تجاوزها.
وفي الفريق الناجح، لا تتحول الخسارة إلى اتهامات متبادلة، ولا يتحول الخطأ إلى تصفية حسابات، ولا يبحث اللاعب عن تحميل المسؤولية لزميله؛ بل تتم مراجعة الأداء، وتصحيح الخلل، والعودة إلى الملعب بروحية أقوى؛ وهذا بالضبط ما يحتاج إليه العمل السياسي.
من «الفرد» إلى «الفريق»
إذا كان من درس أساسي يمكن استخلاصه من الرياضة، فهو أن الفريق أقوى من الفرد. فالفرد قد يصنع لحظة، لكن الفريق يصنع مساراً. والفرد قد يحقق إنجازاً، لكن المؤسسة هي التي تحافظ على الإنجاز وتطوره.
والقائد الحقيقي لا يحيط نفسه بالأتباع، بل بالكفاءات،ولا يقيس نجاحه بعدد الذين يصفقون له، بل بعدد الذين يستطيعون أن يعملوا معه، ويناقشوه، ويقدموا له الرأي المتخصص، ثم ينفذوا ما يتم الاتفاق عليه ضمن المؤسسة.
الفريق السياسي يحتاج إلى «مدرب» و«جهاز فني»
كما يحتاج الفريق الرياضي إلى مدرب وجهاز فني، ويحتاج التيار السياسي إلى هيئة قيادية وفريق من المستشارين المختصين.
ومن أهم ركائز الفريق السياسي:
1/ مستشارون مختصون في السياسة والاقتصاد والقانون والإعلام والتربية والزراعة والشؤون الاجتماعية وغيرها.
2/ مدراء نشيطون قادرون على تحويل الأفكار إلى خطط ومشاريع قابلة للتنفيذ.
3/ مكاتب اختصاص تتولى الملفات المختلفة، بحيث لا تبقى القضايا مجرد عناوين وشعارات.
4/ كوادر ميدانية تعرف الواقع وتستطيع التواصل مع الناس.
5/ جهاز إعلامي محترف ينقل أفكار التيار ويشرحها للرأي العام.
6/ آلية للمراجعة والتقييم تدرس النتائج، وتحدد مكامن الخلل، وتقترح المعالجات.
وبذلك يصبح التيار أشبه بفريق متكامل: لكل لاعب موقعه، ولكل مكتب مهمته، ولكل مسؤول صلاحياته، والجميع يتحرك وفق خطة واحدة.
كيف يسير مشروع الغد الأفضل في هذه الخطة؟
إن تحويل هذه الفلسفة إلى واقع يحتاج إلى خطوات عملية واضحة.
أولاً: وضع خطة سياسية متدرجة لعدة سنوات.
ثانياً: تشكيل مكاتب الاختصاص:
بدلاً من أن تناقش القيادة كل الملفات، تُنشأ مكاتب متخصصة: السياسي، الاقتصادي، التربوي، الزراعي، الاجتماعي، الإعلامي، التنظيمي، الشباب والرياضة، الاغتراب، والبلديات والإنماء.
ثالثاً: تشكيل مجلس من المستشارين والخبراء
يكون دوره تقديم الرأي العلمي والمهني للقيادة، بعيداً عن الحسابات الشخصية والمجاملات.
رابعاً: توزيع المسؤوليات
لا يجوز أن يبقى العمل محصوراً بعدد قليل من الأشخاص. كل مهمة يجب أن يكون لها مسؤول، وكل مسؤول يجب أن تكون له صلاحيات ومهام محددة، وكل مهمة يجب أن تخضع للتقييم.
خامساً: اعتماد العمل الجماعي في اتخاذ القرار:
النقاش الواسع قبل القرار، والالتزام الجماعي بعد اتخاذه. فالاختلاف داخل الفريق طبيعي، أما تحويل الاختلاف إلى انقسام فهو الذي يهدد الفريق.
سادساً: صناعة الكوادر.
الفريق الذي يريد الاستمرار لا يبحث فقط عن أسماء جاهزة، بل يصنع جيلاً جديداً من الكفاءات من خلال التدريب والتثقيف والتجربة الميدانية؛
وهنا يمكن أن تؤدي “أكاديمية الغد الأفضل” دوراً أساسياً في إعداد هذه الكوادر، وتحويل التيار السياسي_ الاجتماعي_ الثقافي من هواية فردية إلى اختصاص وممارسة مؤسساتية.
خلاصة
صعود فريق الغد الأفضل إلى الدرجة الثانية إنجاز يستحق التقدير، لكن الأهم هو الدرس الذي يمكن أن نستخلصه منه.
فالمطلوب ليس الفوز في مباراة سياسية واحدة، ولا تحقيق مكسب انتخابي عابر، بل بناء فريق يستطيع أن يخوض مباريات كثيرة، ويتحمل الخسارة عندما يخسر، ويصحح أخطاءه، ويعود أقوى.
السياسة، مثل الرياضة، ليست مباراة تنتهي بصافرة الحكم؛ إنها مسيرة طويلة تحتاج إلى نفس طويل، وإدارة، وانضباط، وكفاءة، وروح فريق.



