مقالات
مخاطر استخدام الأطفال للهواتف الذكية.. الجزء “1”…

خاص “المدارنت”..
استمر تلاحق الثورات التكنولوجية، منذ فجر القرن العشرين، ولا يزال، خصوصا في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات، التي أخذت الشعوب الى مكان مميز بالاهمية والخطورة، حيث طفت على السطح، الأجهزة الخليوية الذكية، كجهاز مرئي محمول، يجمع بين أوجه الفنون وسبل المعلومات، انطلاقا من الصوت والصورة، واللون والحركة، اضف الى تنوع طرق الاستخدامات، وتعدد برامجه التطبيقية، مع سهولة وسرعة نتائجه العملية.
لقد تجاوزت وسائل التواصل الاجتماعي، حدود التوقعات العلمية في حياة الناس، وايضا تعدت حدود مهمتها الأساسية في تحقيق الاتصال بين الناس، ومن ثم نقل المعلومات، آخذة في التحول لتصبح عصب الحياة، في السياسة، والاجتماع، والاقتصاد، والتربية… الخ والمعنى في ذلك، انها ذهبت مذهب التنوع والتعدد في وظائفها في شتى المسائل الحياتية، وفقدت محور البحوث والدراسات، بسبب ما يمكن لها أن تتركه من بصمات سلبيات ومخاطر، اضف الى ما تشكله من آثار جانبية على عقول الأجيال الناشئة، وانفعالاتهم، وسلوكياتهم الاجتماعية، ايضا، وهكذا فقد توجهت كي تتربع على عرش تصنيع الرأي العام، وتشكيل أفكارهم وتوجهاتهم.
المنطلق الجوهري لتكوين المواطنة في بناء الوطن، انما يعوّل على تنشئة الأجيال الصاعدة وتوجيهها نحو آفاق من العلم والمعرفة الحقة، في تحقيق مبدأيّ العدل والمساواة، وهذا الأمر انما يتطلب عملية معقدة، تأخذ طرق تشكلها على أسس من القيم الإنسانية السوية، التي من خلالها، تتشكل شخصية النشء، عبر عملية تفاعلية جدية واعية، مع محيطه، تجعل منه كائنات اجتماعية متكاملة، وهكذا فعملية التنشئة الاجتماعية انما تنطوي على:
2 – دمج الأطفال في المجتمع. 2 – دمج ثقافة المجتمع بالأفراد. (الاطفال). هذا الأمر، يأخذنا إلى أهمية تحقيق التواصل والتفاعل، بين الأفراد وبين الجماعة. هنا تمكن أهمية التكامل في التواصل الاجتماعي، إلى جانب تعاظم عملية التنشئة الاجتماعية، إذ منها ينهل الأطفال قيمهم الاجتماعية، ويكتسبون عاداتهم واتجاهاتهم، وتنصهر في ذواتهم مفاهيمهم وسلوكياتهم السوية.
الحاجة إلى المعرفة، حاجة فطرية اصيلة لدى الكائن الانساني، المميز بعقله ،وانفعاله، واجتماعه، بحيث تتم عملية اكتساب المعرفة، عن طريق الاكتساب والاحتكاك والمحاكاة، لما يحيط بالانسان، اي تتحقق عن طريق معطيات التجربة. إن ذلك الكائن الانساني، انما تحكمه مجموعة غرائز متعددة، من حاجات، ودوافع، وميول، كما ويخضع ايضا، لنظام انفعالي نفسي مضطرب، إذ أنه يحتاج إلى الأمن والعطف والرعاية والحنان… بمعنى، أنه يحتاج إلى ضرورة التوازن لدى جهازه العصبي الانفعالي، كما وأنه يحتاج إلى ضرورة إحساسه بالوجود الاجتماعي، فيقبل على تقبل الآخر، مع ضرورة الإحساس بالمسؤولية المتبادلة، فهذا يأخذه إلى بناء ذاتي سليم، فتتكون لديه الثقة بالنفس، ويتملك القدرة على المبادرة الاندفاع نحو المشاركة الاجتماعية، بوصفه عضو في المجتمع. والأطفال ما هم إلا كائنات عاقلة تتطفل للاكتشافات المعرفية واشباعها، لذلك يندفعون إلى تذوق ينابيعها، وإشباع ذلك انما هو دافع لإشباع حاجاتهم الأخرى.
تختصر أجهزة الهواتف الذكية، على كامل وتكامل وسائل الإعلام، تقنية وفنية، (اذاعة وتلفزيون وسينما) اي انها تقوم مقامهم جميعا، إذ تمثل الدور الأساسي في صنع ثقافة جديدة مميزة، بأبعادها الاخلاقية والقيمية والهندسية السلوكية، لقد أحدثت ثورة في امزجة البشر، وفي تكوين عاداتهم واتجاهاتهم، هذا لدى الراشدين، أما في ما يخصّ الاطفال، وما تحدثه في عقولهم البيضاء الصافية، التي تعجز عن بلوغ هول ما يجري في الواقع، حيث أصبح الأطفال يتلقون تربيتهم وتوجيههم عبر ثلاثة أطراف، تتمثل في الاب والأم والهاتف الذكي المحمول.
لا شك أن الهواتف الذكية المحمولة، تمارس اليوم، دورا تربويا بالغ الأهمية في تأثيره، في تشكيل سلوك الأطفال وتصرفاتهم، إلى جانب تكوين مفاهيم وتصورات خاصة بهم، اي فردية، تذهب بهم إلى انحراف اخلاقي، وإلى انهيار اجتماعي انطوائي، وهذا الأمر انما يطرح إشكالية تربوية اجتماعية على درجة عالية من الصعوبة والتعقيد، كما ويذهب بنا إلى ضرورة الخوض في دراسة انعكاسات العلاقة بين نظامين متفاعلين متقابلين، نظام أجهزة الهواتف الذكية، من جهة، والاطفال، كجهاز نفسي عضوي.
من جهة ثانية. تشكل أجهزة الهواتف الذكية، نظاما ثقافيا حضاريا متقدما، يسعى إلى تحقيق غايات محددة، ويمارس وظائف معينة متعددة، كنا وأنه وسيلة إعلامية مميزة، تمثل حصاد تطور الفكر الانساني عبر العصور، كما ويعتبر من أرقى أشكال وسائلها، في المرحلة الراهنة، لأنه، كوسيلة اعلامية، يتكامل عمله مع احتوائه خصائص التواصل والتفاعل اللغوي المرئي، (صوت وصورة)، وهذه الخاصة تطوي ميزات هامة، إضافة لاثرها الكبير في حياة الانسان، الفكرية والوجدانية، انطلاقا من دلالة الحركة واللون والاشارة، ففي كل ميزة تكمن لغة بليغة متطورة، فنجد أن لكل لون، معنى ودلالة، ولكل حركة مغزى وهدف، وهكذا، ومن خلال هذه الميزات استطاعت الهواتف الذكية المحمولة، أن تنفذ إلى عقول الاطفال، ثم تخترق جدران وعيهم، الظاهر والباطن، لذلك اختصرت السحر والتشويق، فكانت الأداة الطيّعة إلى جذب احاسيس ومشاعر الأطفال وسحرها.
وهكذا، فالامر يتعلق كله، في مادة الجذب والتشويق، اي أنه يملك قدرة جذب انتباه الاطفال، بكليّتهم، فيأخذهم إلى التركيز على ما يرون، وما يسمعون، وما يحسون، وما يدركون، اي أنه يدفعهم إلى الاستغراق النفسي الشمولي العميق، فيحولهم إلى حالة من التنويم المغناطيسي، مما يسرع الانطباع الذهني ويثبته، وبهذا تتم عملية مخاطبة حواس الأطفال ومداركهم، مما يسهل استخدامات تلك الهواتف المحمولة، في كل زمان وكل مكان.
كل ذلك، قاستخدام الهواتف الذكية المحمولة، العفوية والطفلية الطفيلية، انما تأخذنا إلى تحقيق عملية السيطرة على إرادة الأطفال، واستلاب وجودها، لأنها مميزة والواقعية والوضوح، إضافة لما تنقله مباشرة، في الزمان والمكان.
وعليه، فإنها كأجهزة ذكية، تلبي حاجات الانسان الفطرية، وبخاصة الاطفال، بلا حدود، حيث يسقط الشعور بالبعد الزماني والمكاني، اي انها تنقل الأطفال من عالم إلى آخر، يحيط به عالم اسطوري، أو ربما، واقعي، كلاهما ينطوي على الفتنة والسعادة، لكن ومع الانبهار بها، قد تتحول إلى معبود حقيقي لا يعادله شيء آخر.
اهلنا الاعزاء، راقبوا أجهزتكم الخليوية الذكية، وهي بين أيدي أطفالكم!



