تمديد ولاية تورك والتواطؤ غير السامي!

“المدارنت”
بعد نقاشات حادة واعتراضات ومشاريع قرارات بديلة، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على اقتراح الأمين العام أنطونيو غوتيريش بإعادة انتخاب فولكر تورك في منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان لولاية ثانية مدتها 4 سنوات، تبدأ في 12 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل وتنتهي في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2030.
نتيجة التصويت كانت صريحة تماماً لجهة الحكم على أداء تورك الإجمالي خلال السنوات الأربع المنصرمة، سواء عند الدول التي ثمنت حصيلة مواقفه ومجهوداته وخياراته (144 دولة)، أو التي اعترضت عليه (10 دول، بينها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي وروسيا والأرجنتين وكوريا الشمالية) بسبب من أن تلك الحصيلة لم تكن مسايرة لها أو ساكتة عن انتهاكاتها الحقوقية، أو التي امتنعت عن التصويت (13 دولة) لهذا أو ذاك من أسباب الحرج أو تفادي غضب الكبار.
ولعل المثال الأبرز على هذا التجاذب تجاه أداء تورك كان اتفاق الولايات المتحدة وروسيا ودولة الاحتلال على رفض التمديد، والذهاب أبعد إلى درجة الغمز من دوافع الأمين العام ذاته في اقتراح ولاية جديدة للمفوض السامي الحالي على نحو غير مسبوق في تاريخ الوظيفة. ممثل الولايات المتحدة اعتبر التمديد «نموذجاً كلاسيكياً للمحسوبية داخل الأمم المتحدة»، وذلك من «أمين عام يوشك على مغادرة منصبه ويبرم صفقة خلف الكواليس لمنح صديقه القديم منصباً تنفيذياً مدته أربع سنوات». كما توعد بأنه «ستكون هناك عواقب»، في تلميح إلى احتمال امتناع واشنطن عن تسديد الديون المستحقة عليها لصالح ميزانية الأمم المتحدة، والبالغة 2,196 مليار دولار.
ممثلة دولة الاحتلال شددت على أن تورك «تبنى نهجاً يفتقر إلى المهنية ومدفوعاً بدوافع سياسية»، وكان وزير خارجية الاحتلال قد أطلق على اقتراح غوتيريش صفة «فشل أخلاقي» وطالبه بأن يترك للأمين العام الجديد صلاحية تسمية مفوض بديل. ولا غرابة في هذا العداء الصريح، بالنظر إلى أنّ أحدث تعليقات تورك ضمن اختصاصه كانت إدانة الاعتداءات الإسرائيلية ضد المدنيين في لبنان، وكان قبلها قد أعرب عن إدانة أشدّ لما اعتبرها جرائم «قتل جماعي» في قطاع غزة.
في المقابل فإن سجلّ تورك في ميادين حقوق الإنسان يشهد له بالكثير منذ العام 2008، سواء خلال عمله كمدير لشعبة الحماية الدولية، أو إدارة التطوير التنظيمي في الهيئة الأممية، أو رئاسة قسم الحماية والاستشارات القانونية، أو المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في سائر العالم، أو تمثيل المفوضية في ماليزيا، ومساعدة رئاسة البعثة في كوسوفو والبوسنة والهرسك، والتنسيق الإقليمي للحماية في الكونغو الديمقراطية والكويت.
ولم يكن عجيباً أن أنماط التواطؤ غير السامي ضد المفوضية السامية أسفرت أيضاً عن صدام بين المندوبين الأمريكي والفرنسي داخل أروقة الأمم المتحدة، بدأ من اتهام باريس بأنها تدعم تورك الذي اعتاد على انتقاد «الديمقراطيات الحرة والسيادية»، وردّ فرنسا بأن الولايات المتحدة «كانت ذات يوم نموذجاً يُحتذى به في مجال حقوق الإنسان. لم يعد الأمر كذلك. إنها اليوم معزولة، ولم يعد العالم يُصغي إليها».



