مقالات

جنوب لبنان ورسائل إيران والانفتاح السوري وإعادة صياغة معادلات الإقليم!

عروة عوّاد/ سوريا

خاص “المدارنت”
في لحظة إقليمية تتسم بتسارع الأحداث وتشابك الملفات، يعود لبنان مجددًا إلى واجهة المشهد؛ بوصفه إحدى أكثر الساحات ارتباطًا بالتوازنات الإقليمية. فما يجري في جنوب لبنان، لم يعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة أو أزمة أمنية محلية، بل أصبح جزءًا من معادلة سياسية وأمنية أوسع، تتقاطع فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والسورية، إلى جانب الجهود الدولية الرامية إلى منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة إقليمية شاملة قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود لبنان.

ولم يعد من الممكن التعامل مع التطورات اللبنانية بمعزل عن التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، إذ إن طبيعة الصراع الحالي تفرض مقاربة تأخذ في الاعتبار التفاعل المستمر بين الميدان والسياسة، وبين الديبلوماسية والردع العسكري، وبين التحركات الإقليمية والمواقف الدولية. فكل حدث أمني في الجنوب ينعكس على طاولات التفاوض، وكل زيارة سياسية تحمل في طياتها رسائل تتجاوز إطار العلاقات الثنائية لتلامس التوازنات الإقليمية بأكملها.

وتؤكد التطورات الأخيرة أن جنوب لبنان؛ أصبح نقطة ارتكاز في معادلات الردع الإقليمية، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية. فالضربات الإسرائيلية وما يرافقها من توتر أمني مستمر أعادت الجنوب إلى صدارة الاهتمام الدولي، ليس فقط بسبب المخاوف من توسع دائرة المواجهة، وإنما أيضًا لأن هذه الجبهة أصبحت عنصرًا مؤثرًا في مسارات التفاوض الإقليمية، سواء المتعلقة بلبنان أو بالقضايا الأوسع في المنطقة.

لقد أثبتت الشهور الماضية أن الأمن في جنوب لبنان، لم يعد ملفًا منفصلًا عن بقية الملفات السياسية، بل بات أحد العوامل التي تؤثر في حسابات القوى الإقليمية، وفي طبيعة المبادرات الديبلوماسية التي تُطرح لاحتواء التصعيد. فكل تصعيد ميداني ينعكس مباشرة على حركة الوسطاء الدوليين، ويعيد ترتيب أولويات العواصم المعنية بالملف اللبناني، في ظل خشية متزايدة من أن يؤدي أي خطأ في الحسابات إلى مواجهة يصعب احتواؤها.

ومن هنا، فإن أي قراءة للمشهد اللبناني؛ لا بد أن تنطلق من حقيقة أن الجنوب لم يعد مجرد حدود جغرافية، بل أصبح مساحة تتقاطع عندها اعتبارات الأمن القومي لعدد من دول المنطقة. فإسرائيل تنظر إلى الحدود الشمالية باعتبارها إحدى أكثر الجبهات حساسية، بينما ترى إيران أن الساحة اللبنانية، تمثل جزءًا من منظومة الردع الإقليمي، في حين تسعى القوى الدولية إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار لمنع اندلاع حرب واسعة قد تهدد أمن شرق المتوسط بأكمله.

وفي هذا السياق، تبدو طهران حريصة على التأكيد أن الاستقرار في لبنان، لا يمكن عزله عن التطورات الأمنية في الجنوب. فالموقف الإيراني، كما تعكسه تصريحات مسؤوليها خلال المرحلة الأخيرة، يقوم على أن أي تقدم في المسار السياسي اللبناني، يجب أن يتزامن مع معالجة ملف العمليات الإسرائيلية والاعتداءات المستمرة على الأراضي اللبنانية، باعتبار أن الأمن يشكل أساسًا لأي عملية سياسية قابلة للاستمرار.

وتعكس هذه المقاربة رؤية أوسع تعتبر أن ملفات المنطقة مترابطة، وأن أي تسوية لا تراعي هذا الترابط ستكون عرضة للاهتزاز. ولذلك، فإن لبنان بالنسبة لإيران لا يُنظر إليه باعتباره ملفًا داخليًا فحسب، وإنما باعتباره جزءًا من منظومة أمن إقليمي تتداخل فيها حسابات الردع والتفاوض، وهو ما يفسر استمرار الربط بين التطورات اللبنانية، وما يجري في ساحات إقليمية أخرى.

وفي المقابل، تدرك الأطراف الدولية أن استمرار التوتر في جنوب لبنان يضعف فرص الاستقرار السياسي والاقتصادي داخل البلاد. فلبنان الذي يعاني منذ سنوات أزمة مالية غير مسبوقة، يحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة تسمح بإطلاق الإصلاحات واستعادة ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية. إلا أن استمرار التصعيد يفرض أولوية أمنية تتقدم على بقية الملفات، ويجعل أي خطة للإنقاذ الاقتصادي رهينة للتطورات الميدانية.

كما أن التحركات الدولية خلال الشهور الأخيرة عكست اهتمامًا متزايدًا بالحفاظ على قواعد الاشتباك ومنع انهيارها. فالديبلوماسية الغربية والعربية تواصل اتصالاتها مع مختلف الأطراف بهدف منع انتقال المواجهة إلى مرحلة الحرب المفتوحة، إدراكًا منها أن أي تصعيد واسع ستكون له تداعيات تتجاوز لبنان لتشمل أسواق الطاقة وخطوط الملاحة والاستقرار الإقليمي.

وفي هذا التوقيت، اكتسبت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، إلى لبنان أهمية خاصة، ليس بسبب الزيارة في حد ذاتها، وإنما لطبيعة الشخصيات اللبنانية التي التقاها، وللرسائل السياسية التي حملتها هذه اللقاءات في توقيت شديد الحساسية.

فالاجتماعات التي جمعته بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، ورئيس مجلس النواب (رئيس حركة أمل في لبنان) نبيه بري، عكست انفتاحًا سوريًا على مختلف المرجعيات السياسية والدينية، وهو ما يبعث برسالة مفادها أن دمشق، تسعى إلى إعادة بناء شبكة تواصل واسعة مع مختلف مكونات الدولة اللبنانية، بعيدًا عن اقتصار العلاقات على قنوات سياسية محددة كما كان الحال في مراحل سابقة.

ويشير هذا الانفتاح أيضًا إلى أن سوريا تحاول إعادة صياغة مقاربتها للعلاقة مع لبنان بما يتلاءم مع المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فبعد سنوات من الانشغال بالأزمة الداخلية، بدأت دمشق، تستعيد تدريجيًا حضورها الإقليمي، مستفيدة من تحسن علاقاتها مع عدد من الدول العربية، ومن التحولات التي طرأت على البيئة السياسية المحيطة بها.

كما أن توقيت الزيارة، المتزامن مع تصاعد التوتر في الجنوب، يدفع إلى قراءتها ضمن سياق إقليمي أوسع، حيث تحاول سوريا إعادة تثبيت حضورها السياسي بعد سنوات من الانكفاء النسبي، مع التأكيد على دورها باعتبارها طرفًا معنيًا باستقرار لبنان بحكم الجوار الجغرافي وتشابك المصالح الأمنية والاقتصادية بين البلدين.

ولا يمكن إغفال أن العلاقة اللبنانية/ السورية، تمر بمرحلة مختلفة عن تلك التي عرفتها في العقود السابقة. فالمعادلات الإقليمية تغيرت، والفاعلون الدوليون والإقليميون باتوا يتعاملون مع الملف اللبناني ضمن توازنات أكثر تعقيدًا، وهو ما يدفع دمشق إلى اعتماد أدوات ديبلوماسية أكثر من اعتمادها على أدوات النفوذ التقليدية.

ورغم ما يثار من تحليلات حول احتمال اتساع أدوار الفاعلين الإقليميين إذا تطورت المواجهة في جنوب لبنان، فإن الموقف السوري المعلن كان واضحًا في نفي وجود أي نية للتدخل العسكري في لبنان، وهو موقف ينسجم مع سياسة دمشق المعلنة القائمة على احترام سيادة الدولة اللبنانية وتجنب الانخراط المباشر في أي تصعيد عسكري داخل أراضيها.

إلا أن القراءة الاستراتيجية لا تقتصر على التصريحات الرسمية وحدها، بل تراقب أيضًا طبيعة التحركات السياسية، ومستوى التنسيق الإقليمي، والرسائل الدبلوماسية التي تحملها الزيارات واللقاءات. فغالبًا ما تُبنى تقديرات مراكز الدراسات على مجمل المؤشرات، وليس على تصريح منفرد، مع التأكيد على أن السيناريوهات المحتملة لا تعني بالضرورة وجود قرارات سياسية اتُّخذت بالفعل.

ومن زاوية أخرى، تكشف التطورات الراهنة عن تنامي أهمية الديبلوماسية الوقائية في إدارة الأزمات الإقليمية. فمع ازدياد مخاطر التصعيد، تتكثف الاتصالات بين العواصم المؤثرة لمحاولة احتواء الموقف قبل خروجه عن السيطرة، وهو ما يعكس إدراكًا دوليًا بأن أي مواجهة واسعة لن تكون محصورة ضمن حدود دولة واحدة، بل ستنعكس على مجمل الاستقرار الإقليمي.

لقد كشفت التطورات الأخيرة أن لبنان، أصبح جزءًا من شبكة متداخلة من الأزمات الإقليمية، حيث يصعب الفصل بين ما يحدث في جنوبه وبين المفاوضات الجارية في ملفات أخرى، سواء تلك المتعلقة بالأمن الإقليمي أو بالعلاقات بين القوى الكبرى الفاعلة في الشرق الأوسط.

فكل تطور ميداني يحمل أبعادًا سياسية، وكل تحرك ديبلوماسي يُقرأ في ضوء موازين القوى القائمة، وهو ما يجعل الساحة اللبنانية إحدى أكثر الساحات حساسية في المنطقة. كما أن استمرار التوتر يفرض على الدولة اللبنانية تحديات إضافية تتعلق بالحفاظ على الاستقرار الداخلي، وإدارة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تتفاقم مع كل جولة تصعيد.

ومن المرجح أن تستمر هذه المعادلة خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل غياب تسوية شاملة للصراعات الإقليمية، واستمرار ارتباط عدد من الملفات اللبنانية، بحسابات تتجاوز قدرة الأطراف المحلية على حسمها منفردة. فلبنان لا يزال يتأثر بصورة مباشرة بالتحولات التي تشهدها البيئة الإقليمية، وهو ما يجعل هامش الحركة الداخلية محدودًا في كثير من الأحيان.

وفي المقابل، يظل المجتمع الدولي معنيًا بمنع انهيار الوضع الأمني في لبنان، ليس فقط حفاظًا على استقرار هذا البلد، وإنما أيضًا لتجنب انتقال التوتر إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط. ولهذا السبب، تستمر المبادرات الديبلوماسية في محاولة إيجاد توازن بين متطلبات الأمن وضرورات الحلول السياسية، رغم إدراك الجميع لصعوبة الوصول إلى تسوية نهائية في المدى القريب.

إن لبنان يقف اليوم، أمام مرحلة دقيقة تتجاوز حدود أزماته الداخلية. فالتطورات العسكرية في الجنوب، والموقف الإيراني الذي يربط بين المسار السياسي والواقع الأمني، والتحرك الديبلوماسي السوري، جميعها تعكس أن مستقبل لبنان بات يتأثر بصورة متزايدة بالتفاعلات الإقليمية، وأن القرارات المحلية أصبحت أكثر ارتباطًا بموازين القوى خارج الحدود.

وفي المقابل، فإن التصريحات السورية التي تنفي وجود نيّة للتدخل العسكري المباشر تؤكد أن دمشق تفضل في هذه المرحلة، توظيف أدواتها السياسية والديبلوماسية بدل الانخراط في خيارات عسكرية، وهو ما يعكس إدراكًا لحساسية المشهد اللبناني وتعقيداته، وللكلفة التي قد تترتب على أي انخراط مباشر في ظل الظروف الإقليمية الحالية.

وفي المحصلة، تبدو الساحة اللبنانية، اليوم، مرآة للتحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط. فهي تعكس في آن واحد صراع الإرادات الإقليمية، ومساعي احتواء التصعيد، ومحاولات إعادة رسم موازين النفوذ عبر السياسة والديبلوماسية بقدر ما يتم ذلك عبر القوة العسكرية. ولذلك، فإن مستقبل الاستقرار في لبنان، سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على إدارة خلافاتها ومنعها من التحول إلى مواجهة مفتوحة.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبرز ثلاثة “سيناريوهات” رئيسية قد تحدد مسار المرحلة المقبلة.
يتمثل السيناريو الأول في نجاح الجهود الديبلوماسية الإقليمية والدولية في احتواء التصعيد، بما يسمح بالحفاظ على قواعد الاشتباك الحالية ومنع انزلاق الجنوب إلى مواجهة واسعة، وهو “سيناريو” يرتبط بمدى قدرة الوسطاء على تحقيق توازن بين الاعتبارات الأمنية والمطالب السياسية للأطراف المعنية.
أما “السيناريو” الثاني، وهو الأكثر ترجيحًا وفق العديد من التقديرات، فيقوم على استمرار حالة التصعيد المحدود، بحيث تبقى العمليات العسكرية ضمن سقف محسوب يمنع تحولها إلى حرب شاملة، مع استمرار الضغوط السياسية والدبلوماسية بالتوازي مع المواجهة الميدانية.

في المقابل، يبقى “السيناريو” الثالث قائمًا، وإن كان الأقل تفضيلًا لدى مختلف الأطراف، ويتمثل في اتساع رقعة المواجهة نتيجة خطأ في الحسابات أو تطور ميداني غير متوقع، الأمر الذي قد يؤدي إلى إعادة رسم أولويات المنطقة ويفرض تدخلًا دوليًا وإقليميًا أكثر كثافة لاحتواء تداعيات الأزمة. ومن ثم، فإن مستقبل جنوب لبنان، لن يتحدد فقط بحجم التطورات العسكرية، بل أيضًا بقدرة القوى الإقليمية والدولية على إدارة التوازنات الدقيقة التي تحكم هذا الملف شديد الحساسية.

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح الجهود الديبلوماسية في تحويل هذه التحركات إلى فرصة لخفض التصعيد وإعادة الاستقرار، أم أن استمرار التوتر في جنوب لبنان سيُبقي البلاد رهينة معادلات إقليمية تتغير بوتيرة أسرع من قدرة الداخل اللبناني على مواكبتها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط شكل المرحلة المقبلة في لبنان، بل قد تسهم أيضًا في رسم ملامح التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى