حزيران 1967.. سقط نموذج ولم تمت الفكرة والتاريخ لم يقل كلمته بعد!

كتب معتز فخر الدين/ لبنان
“المدارنت”
لماذا لم تمت القومية العربية؛ رغم أن نموذجها السياسي انكسر في ستة أيام؟
هذا هو السؤال الذي يبقى بعد كل هذه العقود، لا سؤال «من خان» ولا سؤال «من تآمر». فحزيران 1967 لم تكن هزيمة عسكرية انتهت بانتهائها، بل لحظة فاصلة أصابت مكانة مصر وعبد الناصر، وأعادت تشكيل النظام العربي وموازين القوى، وفتحت باب مراجعات امتدت آثارها لعقود.
لكن الخلط بين الفكرة والنموذج هو ما أفسد معظم القراءات. فالقومية العربية أوسع من نظام سياسي، وأكبر من حزب، وأبعد من تجربة قائد مهما كان وزنه. حملتها الناصرية والبعث وحركات وحدوية وقومية متعددة، ولكل تجربة ظروفها وإنجازاتها وحدودها. فلا يصح أن نضع الفكرة كلها في سلة تجربة واحدة، ولا أن نجعل مصيرها رهنًا بمصير نظام أو حزب أو رجل.
الإنذار الأول
لم تبدأ الأزمة في حزيران. كان انفصال سورية عن مصر في أيلول 1961 الاختبار الأول، وكشف الفجوة بين قوة الحلم الوحدوي وصعوبة تحويله إلى بناء مؤسسي قابل للاستمرار.
لم يكن الانفصال مؤامرة خارجية فحسب، ولا صراعًا بين «الثورة» و«الرجعية» فقط. كانت هناك تناقضات سورية داخلية، ومصالح تضررت، ومشكلات في إدارة دولة الوحدة، وتوتر بين المركز والأطراف، ودور متعاظم للمؤسسة العسكرية.
كانت الفكرة أقوى من أدواتها. والوحدة حلم كبير، لكن تحويلها إلى دولة يحتاج إلى مؤسسات وقواعد سياسية وتوازنات اجتماعية وآليات لإدارة الاختلاف. وهذه الفجوة ستظهر مرة أخرى، أشد قسوة، بعد سنوات.
كلفة الجبهات المفتوحة
ثم جاءت اليمن. دخلت مصر الحرب في سياق إقليمي شديد التوتر، ضمن مواجهة أوسع ارتبطت بالتنافس المصري ـ السعودي وببيئة الحرب الباردة. والخطأ ليس في النظر إلى التدخل باعتباره مغامرة منفصلة عن ظروفه، بل في تجاهل كلفته: سنوات من الاستنزاف، وجزء مهم من القدرة العسكرية المصرية بعيدًا عن المسرح الذي ستدار عليه المواجهة الكبرى.
لم يكن السؤال في القرار السياسي وحده، بل في قدرة الدولة على إدارة مواردها وأولوياتها في ظرف بالغ التعقيد، من دون أن تدفع إحدى الجبهات ثمن الأخرى.
ما انكشف في حزيران
جاءت أزمة أيار وحزيران في بيئة دولية معقدة: الاتحاد السوفياتي طرف أساسي في المعادلة، والولايات المتحدة مرتبطة بإسرائيل ارتباطًا استراتيجيًا، والمنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحل الحرب الباردة توترًا. لكن الحرب لم تكن فصلًا من صراع واشنطن وموسكو.
كانت إسرائيل تملك تفوقًا عسكريًا وتنظيميًا واستخباريًا واضحًا، وحققت تفوقًا حاسمًا منذ بداية الحرب. وهذا عامل مباشر في الهزيمة لا يجوز إغفاله. في المقابل، كانت القيادة العربية تعاني مشكلات في الاستعداد والتنسيق وصناعة القرار، وهي مشكلات لا تنفصل عن طبيعة الدولة وآليات عمل مؤسساتها.
فالجيش لا ينتصر بالسلاح وحده، بل يحتاج إلى معلومة دقيقة، وقيادة قادرة على القرار، وتنظيم فعّال، واستراتيجية واضحة. والدولة التي تدخل حربًا كبيرة لا تعوّض ضعف مؤسساتها بالشعارات. لكن تحميل البيئة الدولية المسؤولية كلها لا يعفي القيادات العربية من مسؤولية قراراتها.
منقسمون.. وحليف بحدود
كان العالم العربي عشية حزيران منقسمًا على نفسه: صراع على اتجاه النظام العربي بين جمهوريات ثورية وأنظمة ملكية ومحافظة، وخلاف على مشاريع الوحدة، وتنافس على القيادة والنفوذ. تعبير «التآمر العربي» وحده لا يفسر الصورة، لكن تجاهل هذه الانقسامات خطأ أيضًا. فلم ينجح النظام العربي في بناء إطار يحوّل التنافس إلى تعاون حين يتعرض الجميع لخطر مشترك. وهذه المشكلة لم تنتهِ في 1967، بل استمرت وأصبحت أحد العوامل التي حدّت من أي مشروع نهضوي جامع.
وكشفت الحرب أيضًا حدود العلاقة المصرية ـ السوفياتية. كان الاتحاد السوفياتي موردًا رئيسيًا للسلاح وطرفًا في التوازن الدولي، لكنه لم يكن حليفًا تتطابق مصالحه بالكامل مع مصالح النظام الناصري. فالدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها حتى داخل تحالفاتها. لكن اختزال الموقف السوفياتي في عبارة «الحليف الذي تخلى» ليس دقيقًا؛ فقد واصلت موسكو دعم مصر وسورية بعد الحرب، وساهمت في إعادة بناء قدراتهما. كانت حدود تحالف، لا قصة خيانة بسيطة. ومع ذلك، فإن حدود الحليف الخارجي لا تعفي الداخل من مسؤوليته.
الأخطاء.. وعبد الناصر
لا يمكن لأي قراءة جدية أن تتجاوز الأخطاء الداخلية: مركزية شديدة في صناعة القرار، وضعف في بناء المؤسسات السياسية، ومشكلات في العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، وأخطاء في التقدير الاستراتيجي، ومشكلات في إدارة الدولة والاقتصاد. هذه العوامل جعلت النظام أكثر هشاشة أمام الصدمات، وجعلت الهزيمة أقسى في نتائجها السياسية والمعنوية.
لكن الإقرار بها لا يحوّل التجربة إلى فراغ. فقد شهدت مرحلة عبد الناصر تحولات كبرى: استقلال القرار المصري، والتصنيع، والإصلاح الزراعي، وبناء الدولة، ومواجهة النفوذ الاستعماري، ودعم حركات التحرر. والإنصاف لا يقتضي الاختيار بين تجربة ناجحة بلا أخطاء وتجربة فاشلة من أصلها، بل أن نسأل: ماذا أنجزت؟ أين أخفقت؟ ولماذا؟
وفي قلب التجربة كان جمال عبد الناصر، الرائد الأبرز للمشروع القومي العربي الحديث. حاول تحويل القومية من فكرة سياسية إلى مشروع تحرر واستقلال وبناء قوة وتنمية ووحدة، وأن يجعل مصر مركزًا لمواجهة الاستعمار. لذلك كانت هزيمة 1967، في الوعي العربي، أكبر من هزيمة جيش: أصابت القائد الذي ارتبط اسمه بالمشروع نفسه.
لكن مكانته التاريخية لا تضع تجربته خارج النقد. اجتهد في ظروف بالغة التعقيد، وأصاب وأخطأ. والخلل يبدأ عندما يتحول النقد إلى إلغاء كامل للتجربة، أو عندما يتحول الدفاع عنها إلى إنكار أخطائها.

هزيمة نموذج سياسي محدد
إذا قلنا إن حزيران أسقطت القومية العربية، فقد ساوينا بين الفكرة والتجارب التي حملتها. وإذا قلنا إنها لم تغيّر شيئًا، فقد تجاهلنا درسًا تاريخيًا كبيرًا.
الذي هُزم نموذج سياسي وعسكري وقومي محدد، انكشفت حدوده: أنظمة شديدة المركزية، ومؤسسات ضعيفة، ومشكلات في بناء القوة، وانقسامات عربية، واختلالات استراتيجية، واعتماد على توازنات دولية لم يكن العرب يتحكمون بها.
أما الفكرة فلم تمت. أُضعفت الناصرية، وضُربت مكانة عبد الناصر، ودخلت القومية العربية مرحلة جديدة، وانكشفت حدود تجارب أخرى حملت الفكرة، ومنها البعث في سورية والعراق. لكن القومية العربية بقيت حاضرة في الفكر والسياسة والمجتمع.
لماذا لا تموت الفكرة؟
القومية العربية ليست شخصًا ولا حزبًا ولا مرحلة انتهت بانتهاء أصحابها. إنها تعبير عن وحدة تاريخ وثقافة وانتماء ومصالح ومصير، وعن تطلع إلى التحرر والاستقلال وبناء القوة والعدالة. وقد كان لجمال عبد الناصر فضل تاريخي في إحياء هذه الفكرة، وإخراجها من نطاق النخب والتيارات السياسية إلى فضاء جماهيري عربي واسع، وتحويلها، في مرحلة مهمة، إلى مشروع سياسي للتحرر والاستقلال والوحدة.
لكن خلود الفكرة لا يعني بقاء نماذجها على حالها. فالأفكار الكبرى تحتاج إلى مؤسسات تحوّلها إلى واقع، والتجارب التي حملت القومية أثبتت أن قوة الفكرة لا تعوّض ضعف الدولة، وأن الشعارات لا تبني مؤسسات، وأن الوحدة لا تستقيم من دون قواعد سياسية واجتماعية تحميها.
والدرس الذي يبقى ليس التخلي عن الفكرة، بل إعادة بناء أدواتها: دولة المواطنة، دولة تحصّن الداخل وتصون السيادة وتساوي بين مواطنيها وتمنع تحوّل الهويات الفرعية إلى عامل تفكك. وهذه ليست بديلًا عن القومية العربية، بل شرطًا لكي تجد طريقها إلى الواقع.
لقد خسر العرب معارك كثيرة، وكانت حزيران واحدة من أقساها. لكن التاريخ لم يكتب كلمته الأخيرة. فالهزيمة لا تصبح نهاية إلا عندما تتحول إلى استسلام. أما حين تتحول إلى درس، فقد تصبح بداية طريق جديد.
والفكرة التي لا تتعلم من تجربتها تتحول إلى شعار. أما الفكرة التي تراجع نفسها وتعيد بناء أدواتها، فتظل قادرة على الحياة.
والقومية العربية، مهما تراجعت وتعثرت، لا يمكن أن تموت.



