مقالات
حـــــرب غـــــزّة ومـــــا بــعـــــدهــــــا.!

خاص “المدارنت”..
أتت الجولة الأخيرة، من الحرب على غزّة، نتيجة الاعتداءات الصهيونيّة على حيّ “الشيخ جرّاح”، في القدس، وما واكبها من انتفاضات الشعب الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة والأراضي المحتلّة عام 1948.
هذه الجولة، غير المكافئة والشديدة التدمير، كسابقاتها، لم تكن بانطلاقتها وأهدافها مُجَرَّدَ اعتداء آخر من الاعتداءات الصهيونيّة الحاقدة التي تفتعلها “اسرائيل”، لتعيث قتلًا وتدميرًا بالشعب الفلسطينيّ، الذي اغتَصَبت أرضه وهجّرته، وشتّتته، وقطّعت اوصاله، وحاصرته، ومنعت عنه كلّ سبل التقدُّم والنهوض.
شكّلت هذه الحرب، اختبارًا جديدًا لجميع الفرقاء، الذين اشتركوا فيها، وللمنطقة العربيّة والاسلاميّة والمجتمع الدوليّ برُمّته؛ فقد أثبتت، مرّة أخرى، وبما لا يدَع مجالًا لشكّ ايّ مراقب، انّ الشعب الفلسطينيّ، شعب حيّ – بكلّ المقاييس – وموحّد على الرغم من الحصارات والمآسي، وشدّة عمليّات التكبيل التي يتقنها العدوّ، ويمارسها بكل حقد وتصميم وإصرار.
لقد انتفض هذا الشعب انتفاضة رجل واحد، ووقف وحيدًا، يواجه الترسانة العسكريّة الصهيونيّة الهائلة، المدعومة من الولايات المتحدة الاميركيّة، واوروبّا، والعديد من دول العالم؛ في ظلّ غياب رهيب لأيّ دعمٍ رسميٍّ، فعليٍّ، من أيّ دولة عربيّة أو غير عربيّة.
أمّا بالنسبة للعدوّ الصهيونيّ، فقد أثبتت هذه الجولة، هشاشة المجتمع الاسرائيليّ، أمام أيّ اندفاعة متماسكة للشعب الفلسطينيّ، في الحفاظ على وجوده – مهما كانت هذه الاندفاعة ضعيفة القدرات والامكانيّات. فقد شهدنا استغاثات غير مسبوقة، ونداءات وتعليقات علنيّة من الكثير من المستوطنين، تفيد عدم القدرة على احتمال الوضع القائم، واستمرار العنف والعيش في ظلّ حروب متقطّعة الى ما لا نهاية، وتدعو الى الهجرة الى اوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
أمّا الشعوب العربيّة والاسلاميّة، فقد كان لها بعض الاحتجاجات الخجولة والمتفرِّقة، التي تدلّ على تخبُّط وانشغال، بعيدًا عن القضايا الاساسيّة والجوهريّة – ناهيك عن سماع أصوات تأييد للعدوّ الصهيونيّ تثير التقزُّز والسخرية.
بالنسبة لشعوب العالم الأخرى، فقد رأينا تعاطفًا إنسانيًّا لافتًا، ودعوات الى إنصاف الشعب الفلسطينيّ، مساعدته على العيش بسلام، وأمان، من دون التعرُّض للتقتيل والتدمير والتخريب.
إذن، نحن أمام جولة من الحرب، لم تشبه العشرات من سابقاتها. جولة تشكّل منعطفًا خطيرًا على طريق تصفية القضيّة الفلسطينيّة، تكون “حماس”، الحلقة الأخيرة في رسم صورتها النهائيّة.
لقد بيَّنت هذه الجولة، تخلّي النظام الرسميّ العربيّ، بشكلّ صارخ، عن فلسطين، كقضيّة مركزيّة، والإقرار بأحقِّية “اسرائيل”، في البقاء وفي الدفاع عن نفسها، ضدّ العنف الذي يثيره الفلسطينيّون ضدّها! ثمّ بيّنت انتقال الشعوب العربيّة والاسلاميّة، من اعتبار فلسطين قضيّة أمّة – كما كان واقع الحال ثقافيًّا وتاريخيّا – الى التعاطيّ معها على أساس انسانيّ، قد خلا من الالتزام باستعادة الحقوق في التحرير والعودة.
لقد كان واضحًا وجلِيًّا، انّ ردود الفعل لدى شعوب العالم، غير العربيّة والاسلاميّة، قد تقدّمت كثيرًا في مناصرة حقوق الشعب الفلسطينيّة، على تلك التي كانت للشعوب التي كانت تتبنّى القضيّة الفلسطينيّة كقضيّة مصيريّة!
بالتأكيد، سوف يدرس أصحاب المصلحة في هذا الأمر، كل تفاصيل تداعيات هذه الجولة – ربّما الأخيرة، او ما قبل الأخيرة – وسيبنون سياساتهم التفاوضيّة على أساسها، باعتبارها شكّلت منعطفًا حادًّا وواضحًا في سلسلة تفاعلات “القضيّة الفلسطينيّة”.
ألشهور القليلة القادمة، ستشهد الحلقات الحاسمة في مسيرة التسوية التاريخيّة، وسيكون النظام العربيّ الرسميّ، العرّاب الرئيس، وسيكون جميع من “يناضل” من اجل فلسطين ويدعم “المقاومات”، موافِقين وشاهدي زور على أضخم عمليّة تصفية حسابات، مع أمّة كانت في يوم من الايام تحكم العالم بالطول وبالعرض..
يبقى الرهان، الأخير والأهمّ، على هذا الشعب الفلسطينيّ الأعزل، الصابر، الصامد، المناضل، الذي يشهد التاريخ الانسانيّ، كلّه، انّه يواجه أعتى آلة تدميريّة وتصفويّة عرفتها البشريّة منذ الأزل!
========================



