مقالات

د. الصيادي يعلق على مقال للأمين العام لـ”الحزب الشيوعي السوري”!

د. مخلص الصيادي/ تركيا

“المدارنت”
في صحيفة الحزب “النور” العدد 1209 تاريخ 5-8-2026 والذي جاء تحت عنوان:
“سوريا كم كانت متطورة” يشيد فيه بالحياة السياسية الديموقراطية في سوريا قبل الوحدة السورية/ المصرية.

لا شك بأن الحياة الديموقراطية أساس للحياة السياسية السليمة، ونحن في سوريا بحاجة ماسة للنظام الديموقراطي من أجل إعادة الناس الى السياسة، ولتوفير قاعدة ثقة الناس في آليات عمل السلطة، وتوفير قاعدة الأمان والسلم  الاجتماعي.

هذا شرط لبناء مستقبل مستقر لسوريا، والظواهر الكثيرة جدا التي يمكن رصدها منذ تسلم القوى التي أطاحت بالنظام الأسدي البائد لا تدل على الاتجاه نحو نظام ديموقراطي يتضمن:تعدد حزبي، وحرية صحافة، وتداول سلطة، وشفافية ورقابة شعبية، ومن هنا فإن التشديد على الديموقراطية يصبح واجبا وطنيا حاضرا بقوة.

بعد توكيد هذه الحقيقة، والتزامها في عملنا وبرامجنا، لا بد من تصحيح بعض الحيثيات التي أتى عليها المقال:

** ليس صحيحا أن سوريا كانت قبل الوحدة متطورة سياسيا وديموقراطيا، فالحديث عن الديموقراطية لا يعني تعدد الأحزاب. وإنما يعني تمكن التعددية السياسية من السلطة، وهذا لم يتوفر في الحياة السياسية السورية في ذلك الوقت، كان التعدد السياسي قشرة خارجية، أما القوة الرئيسية فقد كانت بيد الجيش، وكانت الأحزاب الموقنة بهذه الحقيقة الواقعية تستند إلى “كتلتها العسكرية”، يصح هذا على معظم الأحزاب: البعث، القومي السوري، الحزب الشيوعي، الأحزاب الوطنية اليمينية. وبسبب هذه الحقيقة انتفت حالة الاستقرار عن الحياة السياسية السورية، من الاستقلال وحتى الوحدة وولادة الجمهورية العربية المتحدة.

الانقلاب الأول في سوريا كان في مارس 1949 قادة حسني الزعيم. ثم توالت الانقلابات، لتسجل أربعة انقلابات حتى العام 1954 قبل انجاز الوحدة.

** لم يقع انقلاب في سوريا إلا وكان في ظله حزب سياسي سوري واحد أو أكثر، بغض النظر عن تصنيف هذا الحزب يساري أو قومي أو يميني.. الخ.
انقلاب الزعيم أيده: البعث، القومي السوري الاجتماعي، العربي الاشتراكي “الحوراني”،  حزب الشعب..الخ،

وانقلاب الحناوي على الزعيم أيدته أيضا هذه الأحزاب وأحزاب أخرى، وانقلاب الشيشكلي الأول الثاني، وهكذا،
إن هذا السجل ينفي التوصيف الذي قدمه “الخريط” للحياة السياسية في تلك المرحلة.
هذه الحقيقة أوصلت معظم القوى السياسية في سوريا ولأسباب عدة إلى نتيجة مفادها أن الحياة السياسية الحزبية لم تكن تقدم نموذجا يمكن التمسك به.

** ليس صحيحا أن عبد الناصر فرض حل الأحزاب في سوريا، كان الحديث عن الحياة السياسية في مفاوضات دولة الوحدة تحيط به ظاهرتان:

الأولى: أن القوى التي ذهبت إلى القاهرة لتفاوض من أجل الوحدة، وهي تمثل قوى حزبية وتكتلات سياسية تعلم تماما أن التجربة الحزبية في سوريا غير إيجابية، لذلك لم يتم الدفاع عنها خلال محادثات الوحدة. بل إن بعض قادة هذه الأحزاب “البعث” كتب معتبرا أن الاتفاق على حل الأحزاب جاء ك “مركب نجاة” لهذه الأحزاب من مآزقها الذاتية، ولعل ما يؤكد ذلك، أنها بعد انتهاء دولة الوحدة بالانفصال الذي فرضه “انقلاب عسكري” واجه الشعبَ الرافضَ بالرصاص والقتل والإرهاب.

لم تقدم كل هذه الأحزاب لا في فترة الانفصال اليميني، ولا البعثي، أي تجربة أو ملمح إيجابي للعمل السياسي التعددي في سوريا، حتى ليمكن اعتبار أن الخلاصة العامة التي تشير إلى أن حل تلك الأحزاب جاء خلاصا لها من مآزقها، خلاصة واقعية.

والثانية: أن مصر كانت قد بدأت تجربة سياسية تقوم على فكرة الحشد لمجموع الشعب، بعد قرار حل الأحزاب، وبالتالي جاء موقف عبد الناصر في طلب حل الأحزاب في سوريا تعبيرا عن ضرورة أن يكون هناك انسجام في الحياة السياسية في إقليمي الجمهورية العربية المتحدة، وتقديم تجربة سياسية واحدة في البلدين، ولا يعرف أن أحدا من المفاوضين في الجانب السوري رفض وجهة النظر هذه، لذلك لا يصح القول إن عبد الناصر فرض حل الأحزاب.

** لم يكن موقف الحزب الشيوعي السوري من الوحدة مجرد رفض لقرار حل الأحزاب، وإنما تعبير عن “رفض الوحدة ذاتها”، وقد أظهرت الوثائق والكلمات التي تداولتها مؤتمرات الحزب الشيوعي في أزمته الرئيسية التي أدت إلى انشقاقه مطلع السبعينات تكشف هذه الحقيقة، وتبين الدوافع الحقيقية للنقاط التي طرحها الحزب في بيان موقفه من الوحدة، فقد كانت باعتراف قادته مجرد غطاء للموقف الأصلي المعادي لفكرة الوحدة. وقد نشرت جميع هذه الكلمات والوثائق في كتاب ” قضايا الخلاف في الحزب الشيوعي السوري”، وهنا لا يعود هناك معنى لتكرار المعزوفة السابقة بشأن موقف الحزب الشيوعي من الوحدة

** الموقف من الحزب الشيوعي السوري لم يكن بسبب موقفه من الوحدة فقط، وإنما كذلك بسبب دعمه للمسلك الشيوعي في العراق، والذي ارتكب جرائم وقام بتصفيات قتلا وسحلا في الشوارع والساحات للقوى القومية العراق التي كانت ترفض موقف عبد الكريم قاسم من التوجه الشعبي للانضمام الى الجمهورية العربية المتحدة.

وتصوير الوضع الأمني الداخلي في سوريا بأنه كان وضعا إرهابيا غير حقيقي، كانت هناك مجموعتين تصدى لهما الأمن السوري لموقفهما من الوحدة، والتحرك للتآمر عليها وهما: البعث، والشيوعيون، ولا شك أن تجاوزات وقعت من قبل أجهزة الأمن. لكن ليس بالشكل الذي ما برح الشيوعيون والبعثيون يتحدثون عنه.

ولكن التجاوزات التي ندينها – نحن المدافعين عن الوحدة والمنتصرين للقيادة الناصرية – ندينها بشدة. وندعو للتحقيق فيها، – وخصوصا في ملف “فرج الله الحلو” الذي تحيط به وبالمسؤولية عنه ملابسات عديدة – لا تساوي شيئا إذا قيست بما كان يحدث في الأنظمة العربية الأخرى الجمهورية والملكية في ذات المرحلة، وطبعا لا تعني شيئا إذا قيست بما عاناه شعبنا وقواه السياسية تحت حكم البعث، وحلفائه في سوريا.

** يجب استحضار حقيقة أن الحزب الشيوعي السوري، والذي كان على رأسه خالد بكداش كان الحليف الراسخ للنظام البعثي منذ أن تآمر هذا النظام على القوى الوحدوية التي ساهمت في حركة ٨ آذار ١٩٦٣ بهدف إعادة الوحدة واستأثر بالحكم وأقام نظاما استبداديا وظف من خلاله القوى المتحالفة معه لخدمة أغراضه.

وتعزز هذا التحالف الشيوعي مع البعث فترة إثر أخرى كلما توغل البعث في المسلك الاستبدادي الفاسد ومن ثم الطائفي والإرهابي،
وقد رد النظام البعثي على هذا الموقف من بكداش، بالوقوف الى جانبه واعتماد زعامته مطلع السبعينات، والتنكيل بالشيوعيين الذين عارضوه، وعملوا ضده.
 وشاركه في هذا التحالف مع النظام البعثي، الحزب القومي السوري الاجتماعي.

نحن نقدر ونعتز بموقف القادة والكوادر ومنتسبي الحزب الشيوعي الذين ثاروا على نهج القيادة الاستبدادي التي مثلها خالد بكداش، وانحازوا إلى جانب نضالات الشعب السوري وقواه الشعبية، وإلى جانب قضايا الشعب السوري وفي المقدمة منها الوحدة، وفلسطين، والديموقراطية، ودفعوا ثمنا باهظا.

إن تعظيم تلك “الديموقراطية السورية”، في المرحلة بين الاستقلال والوحدة، تستبطن عملية خداع لا يجوز الوقوع فيها، ليس لأنها تزور التاريخ، وإنما أيضا لأنها تكشف عن افتقاد الجدية في النظر إلى المستقبل. وهي الجدية اللازمة، والقادرة على بنائه.
إذا كنا حقا أمام فرصة، أو محاولة، أو تجربة، لبناء حياة سياسية سليمة وفاعلة في سوريا فيجب أن يكون موقفنا من التاريخ / الماضي صحيحا وحاسما، وليكون بالتالي توجهنا إلى المستقبل واضحا وحاسما أيضا، من وجهة نظرنا سوريا تستأهل نظاما سياسيا قائما على المفهوم الديموقراطي بأبعاده التامة:

** التعددية السياسية التي تتجلى من خلال قانون للأحزاب، يعرفها ويحدد حقوقها وواجباتها.
** التحديد الواضح بين الفصل بين السلطات الأربع وبين نقاط الاتصال بينها.
** تداول حقيقي للسلطة على أساس البرامج السياسية المطروحة والتي يحسم فيها الجمهور عبر صناديق الاقتراع.
** الشفافية الحقيقية التي تمكن المواطن والقوى السياسية من اتخاذ القرار الصحيح المستند عل المعلومات الصحيحة.
** تعزيز منظمات المجتمع المدني وجعلها حارسة الى جانب القضاء لقيم الديموقراطية وحقوق المواطنة الحقة.
**وأن يكون هذا النظام برمته محروسا بدستور يعبر عن هويته وتطلعه، يقره الشعب بكامل حريته ووعيه.

واحتياج سوريا لمثل هذا النظام يستأهل أن يجتمع لأجله كل القوى السورية التي تؤمن بحق السوريين بعد كل الحقبة السوداء والمدمرة التي مروا بها العيش في ظلاله. وأن تناضل معا من أجل بناء وتثبيت نظام حكم ديموقراطي عادل وآمن ومستقر.

كتب الأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد
وعضو الكتلة الوطنية السورية نجم الدين الخريط :
نجم الدين الخريط

نشرت صحيفة (النور) في عددها 1207 الصادر يوم الأربعاء 22 تموز 2026 افتتاحية بعنوان (الحريات الديمقراطية وحرية تشكيل الأحزاب .. الضامن الرئيسي لعدم عودة الاستبداد)

تشير الافتتاحية إلى أن ظاهرة وجود الأحزاب أصبحت ظاهرة عالمية، وأن وجود الأحزاب ،وتعددها وحجمها ومدى فاعليتها في الحياة السياسية لأي بلد، هي من أهم معايير قياس مستوًى الحريات، والتطور لهذا البلد.. إلخ، وأتفق تماما مع كل ما جاء في الافتتاحية، وقد استوقفني طويلاً ما جاء في الفقرة الأخيرة التي تقول:
(ما يشير إليه، وما يصرّح به، موالون للسلطة الحالية من تهميش.. وربما (تسفيه) للحياة السياسية وحرية تشكيل الأحزاب، يصبّ عن قصد أو دون قصد في إعادة تشكيل الاستبداد) .
وتساءلت: إلى أيّ عصر ينتمي هؤلاء الذين يرفضون وجود الأحزاب، وينكرون أهمية دورها وفاعليتها في الحياة السياسية للبلاد؟

فعادت بي الذاكرة إلى كتاب قرأته ليس في زمن بعيد، صادر عن دار الفن الحديث بدمشق في عام 1963، بعنوان (هل تلتقي الأحزاب)؟ ويتضمن مجموعة من إجابات عدد من رجالات السياسة والاقتصاد والفكر في سورية على السؤال الذي وجّهته الدار لكلٍّ منهم، وهو: (هل تعتقدون أن قيام الأحزاب يمكن أن يرسي قواعد ديمقراطية ثابتة تنهض عليها الحياة السياسية في سورية.. في المستقبل؟
وهل هناك خطوط عريضة يمكن أن تلتقي عندها الأحزاب لخدمة القضايا الوطنية في البلاد؟.)
ثم توضح دار النشر للقارئ كيف ولدت فكرة هذا الكتاب، فتقول: (لقد نبتت فكرة إصدار هذا الكتاب في الأيام التي عزمت فيها حكومتنا على إصدار قانون للأحزاب، وإذ رأينا أن بلادنا مُقْدِمة على حياة حزبية جديدة تتفتح في ظل ديمقراطية وارفة بعد الفترة المظلمة التي خيّمت على بلادنا)، والمقصود بتلك الفترة المظلمة هي فترة الوحدة، حين اتخذ قرار جائر، يقضي بحل الأحزاب، فالتزم بعضها وحل نفسه، ورفض البعض الآخر هذا القرار المجحف، وتابع عمله ونشاطه السياسي بشكل سرّيّ، وكان في مقدمة الأحزاب التي رفضت هذا القرار الحزب الشيوعي السوري ،الذي واجه، بسبب رفضه للقرار، أشرس وأبشع حملة قمع وتنكيل، إذ تعرّض أعضاؤه وأصدقاؤه للمطاردة والاعتقال والتعذيب في أقبية مباحث عبد الحميد السراج، أدت إلى استشهاد عدد من كوادره، وفي مقدمتهم الرفيق الشهيد فرج الله الًحلو.
إذاً بعد فترة مظلمة، عاد موضوع إصدار قانون للأحزاب يشغل الرأي العام في سورية ،ويثير النقاش في الصحف والمجالس العامة والخاصة.
كان هذا منذ أكثر من ستين عاماً، فكم كانت سورية متطورة سياسياً! في حين- وللأسف الشديد- نسمع اليوم ونحن نعيش في أواخر الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، بعد أن صارت السياسة تدخل في كل بلدان العالم، في سن القوانين وإصدار التشريعات، ووضع البرامج والخطط الاقتصادية والتنموية، وفي العلاقات الدولية والدبلوماسية، وتدرّس في الجامعات والمعاهد، ويتخصص فيها العلماء والأكاديميون ،أي بكلمة صارت تدخل في جميع تفاصيل حياتنا ،وأصبحت الأحزاب السياسية محرّك وموجّه السياسة، وهي الوسيلة الصالحة للتعبير عن مصالح الشعب وأهدافه، وهي الأداة لتحقيق هذه الأهداف.
وفي الوقت الذي تحتاج فيه سورية إلى حياة سياسية غنيّة، بعد أن خبرت الأنظمة السياسية الفردية وعرفت ما تجرّه على البلاد من ويلات وما تسببه من كبت للحرية والفكر، فهي أحوج ما تكون اليوم إلى قيام أحزاب فيها تعبر عن مختلف اتجاهاتها الفكرية، وذلك في سبيل إرساء الحياة السياسية فيها على أسس ديمقراطية حقة، وهذا ما يحتاجه بلدنا أكثر من أي وقت مضى.
في هذا الوقت، نسمع ،للأسف، هذا الكلام الغريب العجيب، وكأننا نعيش في عصر الجاهلية أو ما قبل التاريخ.
يستهل الكتاب بفقرات من بيان الأستاذ خالد العظم، رئيس مجلس الوزراء، وهو من أبرز الزعماء السياسيين خلال فترة الجمهورية الأولى من تاريخ سورية، وقد ترأس الحكومة في سورية ستّ مرًات ،وانتخب لعدة دورات في البرلمان نائبا عن دمشق بصفة مستقلّ.
يقول العظم حرفياً: (لا بدّ لي أن أقول لكم بصراحة ما بعدها صًراحة ،إننا في هذه الأيام نشهد تمخضا لإقامة أحزاب سياسية جديدة، وقيام الأحزاب أمر طبيعي في بلد ينشد الديمقراطية والتمكًين لها، لأنه لا حياة ديمقراطية عمليا، من غير قيام أحزاب سياسية.)
تجدر الإشارة هنا إلى أن الأستاذ العظم كان يتحدث عن مرحلة ما بعد الوحدة، لأن بعض الأحزاب السياسية في سورية تشكلت قبل ذلك البيان بنحو نصف قرن.
ففي عام 1919 نشأ أول حزب سياسي بدمشق، وهو (حزب الاستقلال العربي)، وعلى خلفية اتفاقية (سايكس بيكو) نشأ (حزب الاتحاد السوري)، كذلك تأسس في عام 1920 (حزب الشعب) وفي عام 1924 تأسس (الحزب الشيوعي السوري)، وبرزت (الكتلة الوطنية) في عام 1928 بعد انحلال حزب الشعب، وتشكل (الحزب القومي السوري) في عام 1932.. وهكذا استمرت الأحزاب تعمل وتنشط وسط الجماهير في جو من التقلبات السياسية والانقلابات العسكرية ،وتسلط الديكتاتوريات إلى عام 1954. لقد ظهرت في تلك المرحلة أحزاب وتيارات واتجاهات فكرية متعددة، قومية وليبرالية وإسلامية ويسارية واشتراكية.. إلخ، مما أدى إلى تنشيط ملحوظ في الحركة الثقافية بكل فروعها وأقسامها من شعر وأدب ورسم وموسيقا ومسرح. لقد اتسمت الفترة بين عامي 1954 و1958 بعودة الحياة الدستورية وارتفاع مستوى الحريات الديمقراطية ،والانتخابات النزيهة والعمل البرلماني الصحيح ،ثم جاءت سنوات الوحدة السورية وجرت محاولة إلغاء الأحزاب والمؤسسات الديمقراطية بالقوة والإرهاب والعنف، فتدهورت الحياة السياسية والفكرية، وتأخرت سورية اقتصاديا وثقافيا.. ثم استولى حزب البعث على السلطة في عام 1963، وبدأت مرحلة هيمنة الحزب الواحد، وما جلبته على البلاد من ويلات نتيجة كبت الحريات وغياب الديمقراطية والتفرد بالسلطة.
كل ما أريد التأكيد عليه، هو ما أثبتته تجارب كل البلدان وتجارب بلادنا سورية نفسها، وما ينبغي أن يستخلص من دروس المحن والآلام التي مررنا بها:
أولاً- أن الاستقرار لا يتحقق إلا في ظل الديمقراطية الحق، ديمقراطية للشعب بكل ألوانه وأطيافه.
ثانياً- الديمقراطية هي السبيل الوحيد لتقدم سورية وتطورها وازدهارها في كل المجالات.
ثالثاً- لا يمكن إرساء قواعد الديمقراطية الصحيحة في بلادنا، من دون قيام الأحزاب السياسية وتفعيل دورها، وإفساح مجالات النشاط أمامها، لأنها هي الأداة والوسيلة الطبيعية لتعبئة القوى الشعبية وتنظيمها.
رابعاً- وهذا هامّ جداً، النظام الذي يمنع قيام الأحزاب السياسية، تسوده الفوضى وينعدم فيه الأمن والاستقرار، ولا يمكن أن يستمر مهما زاد من تعسفه وقسوته وظلمه واستبداده، فلابد أن يسقط وينهار.
خامساً- السوريون، من خلال دروس التاريخ ،لا يرضون عن الحكم الديمقراطي بديلا.
وبالعودة إلى الكتاب، فمما لا شك فيه أنه من الصعوبة أن نسرد، هنا، كل ما ورد من أجوبة هؤلاء الرجال الستة والثلاثين، رغم أهميته، وأنصح كل من يريد معرفة ذلك بالعودة إلى الكتاب، وسأكتفي بتلخيص وإجمال أهم ما جاء في أجوبتهم، وأقول سلفاً إنه ورغم وجود تباينات- وهذا طبيعي، بين بعض الأجوبة، ولكنهم أجمعوا جميعا على:
1- أن أًي نظام لا يمكن أن يكون ديمقراطيا إلا إذا أتاح للشعب الحرية الكاملة في إقامة المنظمات السياسية والنقابية المهنية.
2- أن الحياة الديمقراطية لا تستقيم من دون أحزاب، والأحزاب هي المدرسة التي يتخرج فيها القادة السياسيون ممن يشعرون بمسؤوليتهم العامة تجاه الشعب وقضاياه.
3- أن المجتمع الذي تحكمه الديكتاتورية هو مجتمع خالٍ من الأحزاب.
4- الحياة السياسية في بلادنا، وبالتالي بلادنا نفسها لا يمكن أن تنهض إذا لم تكن أحزابنا قائمة وفق متطلبات بلادنا وتطورات أوضاع العالم.
5- قيام الأحزاب السياسية المعبرة عن تناقضات المجتمع ضرورة تاريخية شاء من شاء وأبى من أبى، لأن الأحزاب هي مظهر من مظاهر الحرية، والإنسان بطبيعته ميال إلى الحرية.
6- الديمقراطية الحق بأبسط مفاهيمها تعني حكم الشعب بالشعب ومن أجل الشعب، فإذا لم تمثل التناقضات القائمة في واقع المجتمع، في الهيئات التشريعية، فكيف يحكم الشعب نفسه ،وكيف توجد الحلول للتناقضات التي يقضي مجرى التطور بضرورة حلها؟
ومما يشد الانتباه هذا الوعي وهذا الإدراك لضرورة وحدة سورية بجميع أبنائها وأديانها وطوائفها، وأنه لا يوجد أكثرية وأقلية، فسورية لكل السوريين.
والمطًلوب تحرير جميع أراضيها وتطويرها اجتماعياً وديمقراطياً ومدنياً، من خلال تأمين الحرية والمساواة بين أفراد كل الشعب السوري على اختلاف طوائفه ومذاهبه. ونادوا بالدعوة للإخاء والتضامن بين الجميع، وأكدوا أن مصلحة الوطن العليا تقتضي في مثل هذا الظرف الذي تمر به سورية، أن يجهد قادة الأحزاب ليجدوا الأرضية المشتركة التي تجمع بينهم في ميثاق وطني تقتضيه طبيعة المرحلة، وأن يتعاهدوا على تنفيذه ليفيد الوطن من كفاءة جميع أبنائه.
كم هي رائعة مثل هذه المواقف وهذه الدعوات التي تملؤها المشاعر الوطنية، والمثل السامية!
أفليس أحرى بمن يدّعون (الثورية) أن يتعلموا من تجارب روادنا الأوائل ودروسهم وحكمتهم ،روادنا الذين كانوا رجال سورية وقادة سورية في أحلك الظروف: (أن لا حياة لبلد من دون ديمقراطية، ولا ديمقراطية من دون أحزاب سياسية)؟!
هكذا قالوا.. فتعلّموا منهم!

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى