مقالات

من العفو إلى السيادة.. أي دولة يريدها اللبنانيون؟

“المدارنت”
أقر البرلمان اللبناني قانونا مثيرا للعفو العام، وذلك بعد يوم واحد من إلغاء عقوبة الإعدام وإقرار قانون جديد للإعلام. حظي «العفو العام» بضجة أكبر من سالفيه، على وقع خلاف بين رئيس الوزراء نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى، والذي أدى لخروج كتلتي «الوفاء للمقاومة» (الجناح السياسي لـ»حزب الله» في مجلس النواب)، و»لبنان القوي» («التيار الوطني الحر») من الجلسة.

يخوض لبنان مفاوضات شائكة تحت النار مع إسرائيل، كما أنه يشهد صراعا داخليا على السلاح والسيادة، في ظل جبهات إقليمية مفتوحة ضمن معادلات رسم توازن قوى إقليمي على وقع المواجهة الأمريكية – الإيرانية، وهو ما يجعل توقيت التشريع من صلب هذه القضايا السياسية الكبرى بالضرورة.

جعل إلغاء عقوبة الإعدام، الذي أقر أول أمس الثلاثاء، لبنان سباقا في كونه أول دولة في «الشرق الأوسط» تلغي هذه العقوبة قانونيا، بعد توقّف فعلي عن تنفيذها منذ عام 2004، وجاء العفو العام، أمس الأربعاء، ليشمل فئات من المحكومين والموقوفين، مع تخفيض المؤبد والإفراج عن حالات قضت سنوات طويلة في الاعتقال، مع استثناء جرائم بينها الاغتصاب والاتجار بالبشر وتمويل الإرهاب والقتل العمد.

غير أن قضية العفو العام في لبنان ليست ملفا قضائيا فحسب، بل هي أيضا إعادة تفاوض على توازنات أنتجتها مرحلة ما بعد التدخل السوري في لبنان وصعود «حزب الله» داخل النظام اللبناني. عبرت البيئة السنية، على مدى سنوات، عن إحساس بالمظلومية، وطالب جزء منها بمعالجة ملف الإسلاميين الموقوفين، وعلى رأسهم الشيخ أحمد الأسير، فيما تركزت مطالب شيعية على ملفات محكومين بارزين ضمن تهم المخدرات، الذي كان أشهرهم نوح زعيتر، فيما طالب مسيحيون بتسوية ملفات لبنانيين فروا إلى إسرائيل بعد عام 2000. جاء القانون، في جانب منه، كتسوية لهذه الذاكرات الطائفية المتنافسة، والمشاعر المتبادلة بين الفئات الاجتماعية والطائفية بأن القضاء لم يكن عادلا في مراحل مختلفة، وأنه كان يعكس موازين القوى السياسية.

تتظهر دلالة قانون العفو الأوسع عند قراءته على خلفية مسعى الدولة لتثبيت سلطاتها الداخلية، وسيادتها على الأرض، ففي حين تركز الحكومة في تفاوضها مع إسرائيل على وقف إطلاق النار والانسحاب من المناطق المحتلة واحترام سيادة الدولة اللبنانية، تعمل إسرائيل على فرض ترتيبات أمنية لنزع قدرات «حزب الله» العسكرية. تظهر هذه المشكلة في الجنوب بوضوح، حيث تتابع إسرائيل انتهاكاتها ضد الأهالي والجيش معا.

تكتسب القوانين معنى سياسيا يتجاوز مضامينها، فمطالبات الحكومة اللبنانية لإسرائيل بالاعتراف بسيادتها تحتاج إلى إثبات مرجعيتها في قرار احتكار السلاح، وإجراء تسويات داخلية بين الطوائف والفئات الاجتماعية. ضمن هذا السياق، أثار قانون الإعلام الجديد، الذي يتضمن إصلاحات مهمة بينها تقليص العقوبات السالبة للحرية وتعزيز استقلالية التنظيم، اعتراضات إعلاميين وصحافيين بسبب إبقائه تجريم «الأخبار الكاذبة»، في إشارة إلى اصطدام بين مساعي السيطرة والاستقرار، من جهة، وماضي الدولة الليبرالية اللبنانية، من جهة أخرى.

ضمن الدائرة الإقليمية، تقرأ التطورات اللبنانية الأخيرة في أن الحرب الأمريكية – الإيرانية تضع لبنان كساحة محتملة للمقايضة والضغط، وتبين الخلافات العلنية بين طهران وبيروت أن الحكومة اللبنانية تحاول انتزاع الملف اللبناني من منظومة التفاوض الإيرانية مع أمريكا وإسرائيل، وحصر هذا الملف بالدولة فحسب.

قانون العفو العام، بهذا المعنى، أكبر من مجرد إخراج معتقلين من السجون. إنه جزء من محاولة إغلاق ملفات مرحلة سابقة، وتهيئة البلاد لتسوية داخلية تسمح للدولة بخوض المرحلة المقبلة بأقل ما يمكن من الألغام الطائفية. يمكن تلخيص الاختبار الحقيقي الذي يأتي بعد التشريع بسؤال إمكانية توظيف التسويات القانونية في دينامية إعادة بناء سلطة الدولة أم تكون عفوا عن آثام وخطايا الماضي فيما تستمر موازين القوى القديمة بصناعة المستقبل؟

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى