سجناء إيران يواصلون تحدّي مشانق السلطة!

خاص “المدارنت”
قبل أيام من اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، دخلت حملة “ثلاثاءات لا للإعدام” في إيران أسبوعها الـ141، في واحدة من أطول حركات الاحتجاج المنتظمة التي شهدتها السجون الإيرانية خلال السنوات الأخيرة.
في 6 أكتوبر 2026، شارك سجناء في 66 سجنًا في إضرابات منسقة عن الطعام، احتجاجًا على استمرار تنفيذ أحكام الإعدام وتصاعد استخدامها ضد سجناء سياسيين ومعتقلين ارتبطت قضاياهم بالاحتجاجات.
وقد بدأت الحملة قبل أكثر من عامين من عدد محدود من السجون، لكنها توسعت تدريجيًا حتى باتت تشمل مؤسسات اعتقال في طهران وكرج ومشهد وشيراز وأصفهان والأهواز وزاهدان وتبريز وكردستان ومدن أخرى.
ولا تكمن أهمية هذا الاتساع في العدد وحده. فاستمرار حركة احتجاجية أسبوعًا بعد آخر، وفي سجون متباعدة جغرافيًا، يشير إلى نشوء مساحة تضامن بين سجناء لا يعيشون في المؤسسة نفسها ولا ينتمون بالضرورة إلى الخلفية السياسية أو الاجتماعية نفسها.
“22 إعدامًا في أسبوع”
البيان الأخير للحملة صدر في وقت شهدت فيه إيران موجة جديدة من الإعدامات.
وبحسب الحملة، نُفذ ما لا يقل عن 22 حكم إعدام بين 29 سبتمبر و5 أكتوبر، بينهم خمسة أشخاص اعتُقلوا على خلفية احتجاجات: علي همتي ومجيد نيكاندیش في مشهد، وسياوش جمشيدي خيرآبادي في شهركرد، وعلي رضا سباهي وعلي رضا رئيسي في أصفهان. هذا التزامن منح احتجاج الأسبوع الـ141 بعدًا سياسيًا أكبر.
فالحملة لا تنظر إلى ازدياد الإعدامات باعتباره نتيجة ارتفاع عدد القضايا الجنائية فقط، بل ترى فيه محاولة لإنتاج الخوف داخل مجتمع شهد انتفاضات واحتجاجات متكررة.
وجاء في بيانها أن السلطة تسعى عبر تكثيف الإعدامات إلى “أمننة” المجتمع وترهيبه، بينما يتسع في المقابل التضامن الاجتماعي مع المحكومين بالموت.
هذه قراءة الحملة نفسها، لكن هناك أيضًا معطيات دولية تمنح القلق من مسار الإعدامات أساسًا أوسع.
“2159 إعدامًا في عام واحد”
وفق التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية، أعدمت السلطات الإيرانية ما لا يقل عن 2159 شخصًا خلال عام 2025، وهو أعلى رقم سجلته المنظمة لإيران منذ عام 1981.
ومثلت إيران وحدها نحو 80 في المئة من جميع الإعدامات المعروفة التي سجلتها المنظمة عالميًا في ذلك العام، مع استثناء الصين التي لا تنشر بيانات موثوقة عن أحكام الإعدام وتنفيذها.
وتقول منظمة العفو الدولية إن الارتفاع لم يرتبط فقط بجرائم المخدرات والقضايا الجنائية، بل شمل أيضًا استخدام عقوبة الموت بوصفها أداة للقمع السياسي وتخويف المعارضين.
كما أثارت المنظمة مرارًا مسائل المحاكمة العادلة، بما في ذلك استخدام الاعترافات القسرية، والحرمان من المحامين المستقلين، والمحاكمات التي لا تستوفي الضمانات الأساسية. وهذه النقطة أساسية في النقاش حول الإعدام في إيران. فالجدل لم يعد فقط حول ما إذا كانت الدولة تحتفظ بعقوبة الموت، بل حول طبيعة القضايا التي تُستخدم فيها والطريقة التي تصدر بها الأحكام.
“من السجون إلى الأمم المتحدة”
الاحتجاج داخل السجون يتزامن أيضًا مع ضغط دولي متزايد. ففي 30 سبتمبر، أدانت 46 دولة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الاستخدام المتزايد لعقوبة الإعدام في إيران، وأبدت قلقًا خاصًا بشأن إعدام أشخاص اعتُقلوا خلال الاحتجاجات.
كما أشارت الدول إلى تقارير عن التعذيب وسوء المعاملة وانتزاع الاعترافات والإخفاء القسري وغياب ضمانات المحاكمة العادلة.
ورحبت مای ساتو، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، بالبيان، مؤكدة أن الحاجة إلى وقف تنفيذ أحكام الإعدام تمهيدًا لإلغائها “لم تكن يومًا أكثر إلحاحًا”.
بهذا المعنى، يلتقي صوت السجناء مع نقاش دولي أوسع حول مستقبل عقوبة الإعدام في إيران.
“66 سجنًا ليست رقمًا فقط”
من السهل اختصار الحدث في عبارة “إضراب في 66 سجنًا”، لكن الرقم يحمل في داخله دلالة جغرافية وتنظيمية مهمة.
فالحملة تشمل سجونًا في العاصمة وفي محافظات حدودية، وفي مناطق فارسية وكردية وبلوشية وأذرية وعربية، إضافة إلى أجنحة للنساء والرجال.
وهذا يجعل رفض الإعدام واحدًا من الموضوعات القليلة التي تستطيع تجاوز كثير من الانقسامات الاجتماعية والجغرافية داخل السجون.
كما أن استمرار الاحتجاج لمدة 141 أسبوعًا يكشف محدودية سياسة الترهيب نفسها.
فالسلطة تستطيع تنفيذ حكم، ونقل سجين، ومنع اتصال أو زيارة، لكنها لم تتمكن حتى الآن من إنهاء الاحتجاج الأسبوعي.

“من رفض الموت إلى الدفاع عن الحياة”
اللغة التي تستخدمها الحملة تطورت أيضًا. فهي لا تكتفي بقول “لا للإعدام”، بل تربط رفض المشنقة بالحق في الحياة والحرية والكرامة الإنسانية.
وهذا التحول مهم، لأن الحركة لا تريد أن تبقى في موقع الدفاع عن كل محكوم على حدة، بل تحاول تقديم القضية باعتبارها سؤالًا يتعلق بطبيعة الدولة وعلاقتها بالمواطن.
في هذا السياق، تصبح عقوبة الإعدام رمزًا أوسع لطريقة إدارة الاختلاف السياسي والاجتماعي.
ولا يعني اتساع الحملة أن الإعدام على وشك أن يتوقف، ولا أن السلطة ستغير سياستها تحت ضغط الإضرابات وحدها. بل إن الأرقام الأخيرة تشير إلى استمرار وتيرة مرتفعة جدًا من تنفيذ الأحكام.
لكن استمرار الاعتراض مهم لسبب مختلف: فهو يمنع أن تتحول المشنقة إلى خبر عادي.
بعد 141 أسبوعًا، لم تعد “ثلاثاءات لا للإعدام” مجرد إضراب متكرر عن الطعام. إنها أصبحت ذاكرة احتجاجية أسبوعية، تربط السجون ببعضها وتعيد كل سبعة أيام طرح السؤال نفسه أمام المجتمع والعالم: هل يمكن أن تصبح عقوبة الموت أداة دائمة لإدارة الخوف؟
وفي بلد سجل أكثر من ألفي إعدام خلال عام واحد، يصبح مجرد استمرار طرح هذا السؤال شكلًا من أشكال المقاومة.



