مقالات

سوريا تُبنى بالإرادة الوطنية

د. كنانة خلف الكردي/ سوريا

خاص “المدارنت”
لا توجد دولة خاضت سنوات طويلة من الحرب والمواجهة المباشرة إلا وتركت على جسدها أعباءً اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية تحتاج إلى إعادة ترميم واستكمال للبناء. وتلك سنة التاريخ في كل الصراعات الكبرى؛ غير أن السؤال الحقيقي الذي يطرحه الواقع اليوم ليس حجم الأعباء والتحديات، بل كيف يُصنع من هذا الصمود المتراكم جسر عظيم للتطوير والنهوض واستعادة الزخم الوطني.

لقد استطاعت الدولة السورية، بمؤسساتها وجيشها، أن تنتزع الاستقرار وتفرض الأمان في أوقات شديدة الحرج والتعقيد، وهو إنجاز يمثل القاعدة الصلبة والأساس الذي لا غنى عنه لأي عملية بناء وتنمية شاملة. واليوم، يتكامل هذا الإنجاز الأمني مع تطلعات المواطن السوري إلى تثبيت مكتسبات هذا الصمود عبر حلول عملية تحسن الواقع المالي والخدمي، وتفتح آفاق العمل، وتوفر للشباب السوري المساحة الكافية لبناء مستقبلهم داخل وطنهم. إن هذه المطالب التنموية والمعيشية لم تكن يوماً مفصولة عن الرؤية الوطنية للدولة، بل هي غاية العمل الحكومي وهدف مؤسساتها الساعية إلى التعافي المستدام.

إن قراءة الواقع بإنصاف تقتضي الإقرار بحجم الضغوط الخارجية المتمثلة في العقوبات والحصار الجائر، فضلاً عن الأضرار الهيكلية التي لحقت بالبنية التحتية. ولكن الإنصاف ذاته يدفعنا اليوم نحو تسريع خطى العمل، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، وإطلاق الشراكات التنموية التي تدعم توجهات الدولة في إعادة البناء، وتتيح الاستفادة القصوى من الطاقات المتاحة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الحوار الوطني والملاحظات الأهلية؛ فالحديث المخلص عن مجالات التطوير لا يعني المعارضة أو التشكيك في مؤسسات الدولة، بل يشكل رافداً يدعم صانع القرار ويشاركه البحث عن الحلول. فالحرص على الوطن لا يعني السكوت عن الأخطاء الإدارية أو الثغرات الخدمية، كما أن الطرح التقييمي المسؤول أداة بناء مساندة لمؤسسات الدولة، تعزز كفاءتها وتصوب مسار التطوير بما يخدم الصالح العام.

إن استكمال طريق التعافي لا تقع أعباؤه على المؤسسات الرسمية وحدها؛ فالجمهور والمجتمع شريكان أساسيان في هذه المسيرة الوطنية. والكوادر الأكاديمية، والفعاليات الاقتصادية، ورجال الأعمال الوطنيون، والخبرات الشبابية، ومؤسسات المجتمع الأهلي، جميعهم دعائم تشكل قوة إضافية تساند الخطط والتوجهات الرسمية. وتتطلب المرحلة الحالية الانتقال التام من ثقافة الانتظار إلى ثقافة المبادرة؛ فالأوطان تُبنى بالعمل التراكمي الشريف، وبالاستثمار العملي في الفرص المتاحة بدلاً من الاكتفاء بالوقوف عند حدود الصعوبات.

تختزن سوريا طاقات بشرية وخبرات علمية وعملية استثنائية، سواء في الداخل أو بين أبنائها المغتربين الذين يحملون وطنهم في قلوبهم. وما تحتاجه هذه المرحلة هو مزيد من قنوات التواصل وتجسير الفجوات بين تلك الكوادر والمؤسسات التنموية، لتحويل كل مقترح بناء وكل مشروع إنتاجي إلى لبنة حقيقية في صرح النهوض الوطني.

إن مستقبل سوريا ليس مسؤولية طرف بمفرده، بل هو نتاج إرادة جماعية تجمع الدولة والمجتمع في خندق واحد؛ إرادة تؤمن بأن التطوير ضرورة وطنية، وأن الشفافية والمسؤولية هما الطريق القويم نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً. المطلوب اليوم هو التكاتف الواعي، والانتقال من منطق الشكوى إلى منطق الفعل والإنتاج، لتبقى سوريا كما كانت دوماً: قادرة على تجاوز محنها، صامدة في وجه التحديات، ومستمرة في بناء غدها بجهود أبنائها ومؤسساتها الوطنية.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى