مقالات

شرعية النظام الدولي من أزمة السلوك إلى مأزق البنية!

معتز فخر الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”

 عندما يُدار العالم بالقوّة لا بالقانون، لا يكون انهيار الدول نتيجة عرضية، بل نتيجة منطقية لنظام فقد وظيفته الأساسية: الحماية، لا الهيمنة.
الأزمة الراهنة للنظام الدولي ليست خلافًا بين قوى كبرى، ولا لحظة اضطراب مؤقتة في توازنات السياسة العالمية، بل مأزق بنيوي عميق يضرب في صميم الشرعية، ويكشف عجز الصيغة الدولية القائمة عن إنتاج الاستقرار أو العدالـة معًا.
ليس هذا المأزق نتاج سياسات دولة بعينها، مهما بلغ نفوذها، بل تعبير عن خلل بنيوي أصاب النظام الدولي نفسه: في قواعد إدارة العالم، في معايير استخدام القوة، وفي حدود القانون الدولي حين يصطدم بإرادة القوى الكبرى. هنا، لا يعود القانون مرجعية ضابطة، بل يتحول إلى أداة انتقائية تُستدعى أو تُهمَّش بحسب المصلحة.
من هذا المنطلق، يصبح اختزال الأزمة في سلوك الولايات المتحدة وحدها مقاربة قاصرة، وإن كانت واشنطن تمثل النموذج الأوضح لانحراف النظام عن مبادئه المعلنة. فالمشكلة الأعمق لا تكمن في استخدام القوة، بل في تكريس القوة كمصدر للشرعية، وفي تحويل التفوق العسكري والسياسي إلى بديل عن القانون لا إلى موضوع يُفترض إخضاعه له.
النظام الدولي، كما صيغ نظريًا بعد الحرب العالمية الثانية، قام على مبدأ واضح: ضبط القوة بالقانون، وتنظيم العلاقات بين الدول على أساس السيادة المتساوية، وحل النزاعات عبر مؤسسات جماعية. لكن ما كُشف عمليًا، خصوصًا منذ نهاية الحرب الباردة، هو تفكك هذا المبدأ لصالح منطق الهيمنة، حيث تُفرَّغ المؤسسات الدولية من مضمونها، وتُستخدم إما لشرعنة قرارات جاهزة، أو لتعطيل أي مسار لا ينسجم مع ميزان القوة القائم.
هنا يبرز الفرق الجوهري بين النظام الدولي كإطار قانوني مُعلن، والمنظومة الدولية كما تُدار فعليًا. فالأحادية القطبية لم تُنتج نظامًا أكثر استقرارًا، كما جرى الترويج له، بل أسست لفراغ معياري خطير. تدخلات عسكرية خارج القانون، عقوبات أحادية تتجاوز الشرعية الأممية، واستخدام انتقائي لخطاب حقوق الإنسان، لم تكن انحرافات استثنائية، بل سمات بنيوية لمرحلة كاملة.
في هذا السياق، لا تظهر الولايات المتحدة كقوة متمرّدة على النظام، بل كقوة تُعيد هندسته من الداخل. فمجلس الأمن، الذي يُفترض أن يكون الضامن الأعلى للسلم الدولي، تحوّل عمليًا إلى أداة تعطيل حين تتعارض العدالة مع مصالح القوى المهيمنة، أو إلى غطاء شكلي لشرعنة القوة. وتمثل فلسطين الحالة الأوضح والأفدح لهذا الانهيار، حيث يُعلَّق القانون، وتُجمَّد القرارات، وتُختزل العدالة إلى مسألة توازنات سياسية.
ولا يتوقف أثر هذا المسار عند أطراف النظام الدولي، بل يرتدّ إلى مركزه. فالدول التي صاغت هذا النظام، وفي مقدّمها الولايات المتحدة، تواجه اليوم أزمات شرعية داخلية متصاعدة: استقطاب سياسي حاد، تآكل الثقة بالمؤسسات، وانقسام عميق حول معنى الديمقراطية ودور الدولة في العالم. فالنظام الذي يعجز عن إنتاج عدالة في الخارج، يفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج شرعية في الداخل؛ إذ لا يمكن للقوة أن تكون أساسًا دائمًا للنظام، لا خارجيًا ولا داخليًا.
بهذا المعنى، لم تعد أزمة النظام الدولي أزمة أطراف مهمّشة، بل أزمة شاملة تطال مركز المنظومة نفسها: أزمة عدالة عالمية تتقاطع مع أزمة استقرار داخلي في قلب القوى المهيمنة.
الأخطر في هذا المسار ليس نتائجه المباشرة فحسب، بل ما يُنتجه على مستوى المعنى السياسي. حين يصبح القانون أداة انتقائية، وتتحول المؤسسات إلى واجهات خطابية، تنهار فكرة الشرعية ذاتها، وتفقد القواعد قدرتها على الإلزام. عندها، لا تعود محاولات كسر الاحتكار الغربي للقرار الدولي تعبيرًا عن فوضى بقدر ما تصبح ردّ فعل على نظام فقد توازنه ومعاييره.
الأزمة الراهنة، في جوهرها، ليست انتقالًا طبيعيًا في موازين القوى، بل مأزق نظام لم يعد قادرًا على التوفيق بين القوة والعدالة. والاستمرار في إدارة العالم بمنطق الغلبة لا ينتج استقرارًا، بل يعمّق الفوضى، ويعيد العلاقات الدولية إلى مرحلة ما قبل القانون المنظِّم.
من هنا، يصبح التغيير ضرورة بنيوية لا خيارًا أخلاقيًا. تغيير لا يستهدف استبدال قوة بأخرى، بل إعادة بناء معنى الشرعية الدولية نفسها: سيادة الدول، حق الشعوب في تقرير مصيرها، استقلال القرار الأممي، وتقييد استخدام القوة ضمن إطار قانوني ملزم.
العالم اليوم أمام مفترق حاسم: إمّا إعادة تأسيس نظام دولي أكثر توازنًا وعدلًا، أو الانزلاق نحو عالم تُدار فيه السياسة بالقوة، وتُفرَّغ القيم من مضمونها، ويُختزل الإنسان إلى تفصيل هامشي في مشاريع الهيمنة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى