شيخان في سجون تونس!

“المدارنت”
من بين كل السجناء السياسيّين في تونس، وما أكثرهم هذه الأعوام، اسمان هما الأكثر تداولا هذه الأيام: الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة» ورئيس البرلمان المنتخب المطاح به قبل خمس سنوات وأحمد نجيب الشابي زعيم «جبهة الخلاص» المعارضة والشخصية المعارضة المرموقة.
ما يجمع الاسمين ليس فقط العمر فقد تجاوز كلاهما الثمانين، وليس فقط المرض، فكلاهما يعاني منه، ولكن إصرارهما على الاشتغال بالسياسة من الشباب إلى المشيب رغم أنه قادهما في كثير من المحطّات إلى السجن. ومع اختلاف ميولهما الفكرية، إلا أن الأكيد أن ما من أحد بينهما كان يظن أنه قد يعود يوما وراء القضبان بعد ثورة عام 2011 التي ظنا أنها أغلقت عهود الاستبداد إلى الأبد.
مفردة «الشيخين» كانت تطلق تودّدا على كل من الغنوشي والرئيس الراحل الباجي قايد السبسي حين تحالف بعد 2014 حزباهما، «النهضة» الإسلامية و»نداء تونس» الليبرالية، رغم أنهما كانا خصمين لدودين لكنهما ارتأيا في النهاية أن تونس تحتاج تآلفا يدعم استقرارها ويضمن لها مرورا آمنا لمرحلة شديدة التعقيد. أما اليوم فمفردة «الشيخين» تطلق خوفا وحسرة، الخوف على حياتهما في موجة الحر الشديد التي تعرفها تونس حاليا وهما في سجن لا يوفر من مقوّمات الحياة الإنسانية الكريمة الكثير، أما الحسرة فهو على هذا المآل لرجلين أفنيا شبابهما في النضال من أجل تونس ديمقراطية وتعدّدية في وقت لم يعرف فيه لماسكي السلطة اليوم من النضال شيئا.
لم يكن سرا أن الرجلين كانا يعانيان في السجن، كأغلب من فيه من السجناء السياسيين رجالا ونساء، والغنوشي تحديدا نقل أكثر من مرة إلى المستشفى، لكن ما أطلق صرخة الإنذار الحقيقية بشأنهما كان ابنتيهما، فدوى الشابي المحامية بعد زيارة أخيرة لها إلى السجن، وسمية الغنوشي الكاتبة المقيمة في الخارج بعد ازدياد الإشاعات الخاصة بصحة والدها. وهل هناك أصدق وأكثر حنانا من أن تتحدث بنت عن والدها.
سمية الغنوشي قالت في فيديو مصور أنها لا تملك أي معطيات دقيقة حول الوضع الصحي لوالدها في «درجات الحرارة هذه لا يتحمّلها الشخص العادي، فما بالك بشخص بلغ من العمر 85 عامًا» مضيفة أن «آخر معلومة بلغتهم من المحامين تشير إلى تعرض والدها للإغماء وفقدان الوعي داخل سجن المرناقية»، محمّلة رئيس الدولة ووزيرة العدل المسؤولية الكاملة (السياسية والأخلاقية والجزائية) عن سلامة والدها الجسدية وحياته.
أما هيفاء الشابي فقالت «خرجت من السجن وأنا لا أستطيع التنفس، ولا السير على قدمي»، في إشارة إلى تأثرها بما شاهدته خلال الزيارة، وإلى الارتفاع الفظيع في درجات الحرارة. ومع أن الشابي أكدت أن حديثها لا يستهدف تحميل إدارة السجن المسؤولية عن الظروف التي يعيشها المحتجزون، إلا أنها حذّرت من استمرار احتجاز المعارضين في ظل ظروف قالت إنها قاسية، مشيرة إلى أن عدداً من المعتقلين يقضون «الصيف الرابع» داخل السجون، دون تغيير في أوضاعهم. «الأعمار بيد الله»، أضافت الشابي، لكنّها حمّلت المجتمع والنخب السياسية مسؤولية ما قد يحدث، قائلة: «نحن مسؤولون بسبب صمتنا على الوضع».
وأمام وضع مقلق كهذا اعتبرت «جبهة الخلاص الوطني» التي تضم معظم التنظيمات المعارضة لانقلاب قيس سعيّد أن «مناخ الغموض والتكتم (الخاص بالرجلين) لا يمكن إلا أن يغذي الإشاعات ويزيد من قلق العائلات ومخاوفها» داعية السلطات إلى إصدار بيان رسمي وعاجل يوضح الحقيقة كاملة بشأن وضعيتهما، لكن ذلك لم يحصل، ولا يتوقع كذلك أن يحصل، بعد أن أصبح التعتيم سياسة رسمية.
ورغم أن للكثيرين مآخذ مختلفة على كل من الغنوشي والشابي، شأن أي كان من السياسيين على الدوام، ورغم كل ما جمعهما في محطات معيّنة وفرّق بينهما في أخرى، فإن ما لا يمكن لأي كان أن ينكره أن كليهما تمتّع بمجموعة من الخصال المميّزة أبرزها الإيمان الشديد بالنضال السلمي ونبذ أي دعوة للعنف أو التلويح به. أثبت الرجلان ذلك في أكثر من مناسبة، فالغنوشي وحزبه تركا السلطة في 2014 ضمن ترتيب معين وتركاها بعد انتخابات 2019 وأقصيا منها بانقلاب 2021 لكنه لم يلجأ إلى العنف أو يهدد به، كما أن مسيرة الشابي الطويلة منذ شبابه ميّزته دائما بفضيلة النفس الديمقراطي والنضال السلمي طويل النفس. كلا الرجلين يتمتّعان أيضا بقدرة رهيبة على تحمّل الأذى وخوض المعارك السياسية بصبر وهدوء يحسدان عليه.
هكذا كانا دائما، الغنوشي في المنفى لعشرين عاما والشابي تحت حكم بن علي الذي لم يتجرأ على اعتقاله. كلاهما عرف السجن في عهد بورقيبة وناضلا في عهده وعهد من جاء من بعده، ومن سخف الاستبداد أن يجدا نفسيهما اليوم وراء القضبان من جديد في هذا العمر. المؤلم أكثر أن سجانهما لم يكتف بتلفيق القضايا التي زجّت بهما إلى السجن، وبأحكام وصل مجموعها في حالة الغنوشي إلى زهاء القرن ونصف، لكنه لم تكن له حتى مروءة تحمّل الخلاف معهما وهما يتمتعان بالحرية، وهو من لم يكن له موقف واحد طوال حياته ضد الاستبداد.



