طالما..! و”الحلم العظيم“.. نحن أولًا!

خاص “المدارنت”..
ليكن معلوما، وبإختصار شديد وموجز، وكرؤوس أقلام وعناوين، طالما أن هنالك عصبيات ضيّقة ومقيتة، بكلّ سماتها وخصائصها وصفاتها ومظاهرها, وبكل أنواعها وأشكالها وصورها ومسمّياتها وأسمائها وتسمياتها, وبكل انتماءاتها ومنابعها ومصادرها, وبكل وعيها وثقافتها وأفكارها وعقلياتها, وبكل رموزها والمنتسبين إليها والمحسوبين عليها, وبكل نتائجها الكارثية، متحكمة في الوعي واللاوعي الجمعي الإجتماعي، عموما، والنخبوي منه على وجه الخصوص, وهنا الكارثة الحقيقية والمصيبة العظمى.
وكذلك في الوعي واللاوعي السلطوي التسلطي الاستعبادي والطغياني والاستبدادي.. عموما، ونخبًا حاكمة وغير حاكمة.. وطالما هنالك وعيا نمطيا سلبيا متمثلا وممثلا بصورته النمطية السلبية تجاه الآخر المغاير، سواء كان ذلك الآخر في إطار المجتمع الواحد وبين مكوناته المختلفة، أو ذلك الآخر في إطار التعامل مع المجتمعات الأخرى, بكل سماتها وخصائصها ومظاهرها, وبكل نتائجها الكارثية والخطيرة والوخيمة المترتبة عليها على الفرد والمجتمع والوطن..
وطالما هنالك صنمية ايدلوجية بكل سماتها وخصائصها وصفاتها ومظاهرها, بكل النتائج الخطيرة المترتبة عنها أو عليها, متجذرة في الوعي الحزبي ومتحكمة فيه ومسيطرة عليه، ومسيرة له في التعامل فيما بينها البين وفيما بعضها البعض..
وطالما مبدأ وظاهرة “التكفير” هي الغالبة على مبدأ وظاهرة “التفكير”, سواء كان ذلك التكفير دينيا أو وطنيا أو قوميا أو أمميا…
وطالما أن القدسية والتقديسية والقداساتية, وكذلك الماضوية والصنمية والاحتكارية والاستغلالية, وكذلك التآمرية والارتيابية والانغلاقية.. هي المتجذرة والمتحكمة والمسيطرة والمسيرة, وعيا وثقافة وفكرا وعقلية ومن ثم قولا وعملا وسلوكا وتصرفا, في وعلى ولتلك التي تسمى نفسها نخبا.!, سواء كانت دينية أو غير دينية, وسواء كانت ثقافية وفكرية أو اجتماعية واقتصادية, وسواء كانت سياسية أو حزبية, حاكمة أو غير حاكمة…
وطالما وطالما وطالما.. والأهم من ذلك كله وقبل كل ذلك كله، وطالما مانزال جميعا -نحن الضحايا- لم نفهم ولم ندرك ولم نستوعب بأننا ضحايا كل ذلك.. وتلك.. وضحايا كل أولئك.. وهؤلاء. ولم ندرك ولم نستوعب ولم نفهم حتى الآن، أن كل تلك القوى العصبية الضيقة والمقيتة المتصارعة تتصارع علينا لا من أجلنا, وحتى الآن لم توجد بعد تلك القلة القليلة المؤثرة منا, ولو كان ذلك التأثير ضئيلًا جدا, أدركت ذلك واستعوبته وفهمته, وما نزال نعيش وهم الأمل أو الأمل الموهوم في كل تلك القوى.. عبر التعويل عليها والطلب منها والرجاء منها واستجداءها في سبيل إخراجنا مما نحن فيه.. وعليه.. والوصول بنا إلى برّ الأمان, برغم كونها السبب الرئيسي والأساسي، والعامل الوحيد والمنبع والمصدر الوحيد لكل ما نحن فيه.. وعليه.. بل إننا نضحّي بأنفسنا في سبيلها ولصالحها وندافع عنها دفاع المستميتين ونتصارع فيما بيننا، ونعادي بعضنا بعضا من أجلها..
وطالما كل ذلك موجود ومتحكم ومسيطر.. في ظل غياب شبه تام, إن لم يكن تامًا, للمشروع الحضاري الحقيقي التنويري الحداثي بكل تصوراته وابجدياته ورموزه.. فإننا سنظل ولفترة طويلة من الزمن ندور في حلقة مدورة فارغة ومفرغة، وليكن معلومًا أيضا، أن الخروج من كل ذلك، ما يزال أمامه الكثير والمزيد من الوقت والجهد والعمل والمثابرة, ومن الصعوبات والعوائق, لعل أهمها نحن الضحايا..
ومن الآمال والأحلام والطموحات والإرادة والعزيمة والإيمان.. والأخطر من كل ذلك, الكثير والمزيد من الآلام والأوجاع والمعاناة, ومن الضحايا تلو الضحايا… فمن عمق تلك الآلام والأوجاع والمعانات, ومن أولئك الضحايا تلو الضحايا.. تتولد تلك الآمال والأحلام والطموحات وتنبثق…
كل ذلك ليس خاصا بمجتمع من دون غيره من المجتمعات العربية لأمتنا, بل عاما وشاملا لكل مجتمعات أمتنا العربية, مع وجود فوارق نسبية ضئيلة فيما بينها البين هنا.. وهناك.. وهنالك..
وعليه، وبناء على ما سبق ذكره، لا سبيل من الخروج من ذلك كله إلا عبر القيام بثورة فكرية أخلاقية نبيلة تستهدف المسبب الرئيسي والسبب الرئيسي في ذلك كله، ألا وهو “وعي التخلف” و”وعي الظلامية” (الوعي اللأخلاقي)، بكل سماته وخصائصه ومظاهره, وبكل شخوصه ورموزه وقواه وأنظمته وثقافته, وفي مقدمة ذلك, بكل نخبة!, وذلك عبر القيام بعملية تفكيكية-احلالية له, عبر سلسلة طويلة من الوقت والزمن والجهد والعمل والمثابرة, متتالية ومتتابعة ومتزامنة ومتكاملة ومتناسقة مع بعضها البعض, في سبيل بناء وعي أخلاقي نبيل وصولا إلى تجذير وتجذّر ذلك الوعي الأخلاقي في أفكار وعقول وثقافة العامة والخاصّة, ومن ثم في أقوالهم وأفعالهم وسلوكياتهم وتصرفاتهم… إلخ.
الخلاصة: إن القيام بتلك العملية “عملية الثورة الأخلاقية الفكرية النبيلة”، ليست سهلة وسريعة ويسيرة, بل هي عملية صعبة وغاية في الصعوبة وطويلة ومحفوفة بالمخاطر الجسام والعقبات والصعوبات الجسام والخطيرة, لعل أهمها نحن.. ولا يمكن أن تتحقق وتبصر النور وتخطو خطوات حثيثة وواثقة من نفسها، إلا إذا توفرت لها الشروط الموضوعية لعملية إنجازها ونجاحها وإنجاحها في الحد الأساسي المطلوب لها, وأول تلك الشروط وأهمها وحجر الأساس لها وقاعدتها وركيزتها الأساسية وعمودها الفقري, هي تلك المتمثلة والممثلة بالشعور والإحساس الحقيقين, وعيا قبل سلوكا, بأننا في أمسّ الحاجة إليها, وبأنها تنقصنا وأنها أصبحت وصارت ضرورة ملحة توجب علينا ويتوجب علينا القيام بها, فالحاجة هي وعي النقص بها, كما يقول الفيلسوف الألماني هيجل بنا نحن الضحايا-ضحايا أنفسنا وضحاياهم-تقوم تلك الثورة وتتحقق, فنحن وسيلتها وهدفها وغايتها المرجوة.., لا بهم! فقد خبرناهم وسقطت أقنعتهم، وبانت عوراتهم، وبدت وتبدت لنا.. وللجميع…
لنقم بذلك الآن، فليس هنالك مُتّسعًا من الوقت نضيعه ونهدره في سبيلهم!, كل بحسب قدرته وقدراته, وبحسب موقعه وإمكانياته, مهما بدت تلك ضئيلة… لتكن البداية من أنفسنا وبأنفسنا، وذلك عبر المحاولات تلو المحاولات للتخلص والخلاص من ذلك الوعي اللأخلاقي والتحرر منه والكفر به.. لنتخلص ونخلص أنفسنا أولا من تلك الصنمية الايديولوجي بوعيها وثقافتها وفكرها وعقليتها, وبكل ما يتصل ويتعلق بها من قريب أو بعيد, وفي مقدمة ذلك من نفسيتها, ونتحرر منها ونكفر بها وبكل الصنميات الأخرى… قد أكون حالما طوباويًا, لكني لا أملك إلا أن أحلم وأحلم وأحلم وأحلم وسوف أظل أفعل ذلك ما حييت.. عندي ثقة كبيرة بأن الكثير الكثير منا، قد شبّ عن الطوق، وملك وأمتلك نفسه وذاته, وأن العدد في تزايد وازدياد حتى يتحقق ذلك…إلخ نحن…أولًا..



