مقالات
“طــالـبـــــان”.. عــهـــــد جــديـــــد وتــحـــــدّي أكــبـــــر..!

خاص “المدارنت”..
بعد عشرين عاما من الصمود والتحدي والمقاومة الجسورة، دخلت حركة طالبان كابل منتصرة، بعد هروب الرئيس (الأفغاني) أشرف غني، و إنهيار الجيش الأفغاني.
وقد كانت مقدمات النصر قد إرتسمت ملامحها على الأرض منذ شهور، بعمليات عسكرية نوعية، أوسعت القوات الأمريكية وحليفاتها بضربات موجعة، وألحقت بها خسائر متتالية فادحة، أعطت المؤشر بأن الكفة تميل إلى الحركة، وتنذر بهزيمة محققة للقوات الغازية المحتلة ولم يكن هناك خيار أمام الرئيس الأميركي السابق (دونالد) ترامب، مفر سوى أن يتخذ قرارا صعبا بإنسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، الأمر الذى شكل تطورا مهما على الصعيدين السياسي والعسكري، وأعطى دفعة معنوية قوية للحركة فى أن تكثف من عملياتها العسكرية، وتطورها، بأساليب مبتكرة فى حالتي الدفاع والهجوم، وحققت إنتصارات سريعة دعمت موقفها على الأرض.
كما تحركت في سعي سياسي وديبلوماسي، نحو دول الجوار كالصين وروسيا وإيران وباكستان وطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان، وقدمت نفسها كنسخة عصرية حديثة، وحاولت طمأنة تلك الدول برؤى وتفاهمات تبعد عنها شبح الصورة المتخلفة التى طبعتها في الأذهان خلال فترة حكمها في تسعينات القرن الماضي.
من المعروف ضمنا أن السياسة الخارجية والعسكرية الأميركية، تصنعها دوائر مختصة تعنى بالشأن الإستراتيجي والمخابراتي وتحكمها المصلحة لا غيرها و تقوم على دراسات وبحوث عميقة يندر أن تخطئ و تترك للقيادة السياسية هامشا ضيقا للتغيير، لذلك لم يكن غريبا أن يوافق الرئيس (جو) بايدن على قرار سلفه الجمهوري بل كان أكثر حماسا وصرح بأنه غير نادم بأن مهمة القوات الأمريكية إنتهت بمقتل (أسامة) بن لادن، والقضاء على تنظيم القاعدة وليس مهمتها بناء دولة و ألقى باللائمة على القوات المسلحة الأفغانية التى فشلت بالدفاع عن وطنها وعلى القيادة السياسية التى آثرت التخلى عن المسؤولية والهروب.
كانت محادثات الدوحة فى الأشهر الماضية بين وفدي حركة طالبان والحكومة الأفغانية، عبارة عن سجال عقيم، يخفي وراءه واقعا مغايرا تماما عن التصريحات التى كانت تصدر من الفينة والأخرى، والتي أعطت الفرصة للحركة لشراء الوقت و ترتيب أمورها.
وكان الوفد الحكومي يعيش هذا الواقع ويدركه، فطفت الخلافات على السطح بين قيادة الوفد والقيادة السياسية فى كابل، وظهروا كأنهم بلا خطة مدروسة أو استراتيجية واضحة.
أما الولايات المتحدة الأمريكية، فقد كانت تحاول فى (الزمن بدل الضائع)، البحث عن خروج سلس وآمن يحفظ ماء الوجه ويرتب لوضع سياسي يرضي حلفائها ويطمئن الرأى العام الداخلي الأمريكي.
جاءت التطورات متسارعة، ودخلت قوات الحركة عواصم معظم الأقاليم بلا مقاومة، وأضحى سقوط كابل مسألة وقت، وأرتأت عدم دخولها حتى تترك حيّزا من الوقت للقوات الأجنبية للخروج منها، فكان لهروب الرئيس أشرف غني، وأركان نظامه، ولإنهيار القوات المسلحة دافعا لعصابات النهب أن تسطو وتعتدي على بعض المحلات التجارية، وتثير حالة من الفوضى، مما حدى بالحركة أن تغير خطتها وتدخل العاصمة لحفظ الأمن ولتأمين المؤسسات الحكومية والبعثات الديبلوماسية.
لقد أثبتت أفغانستان، وعلى مر العصور بأنها مقبرة الإمبراطوريات، وهذا الإنتصار المؤزر هو عبرة لمن يخشى سطوة تلك الإمبراطوريات، مهما كانت قوتها أو عظم شأنها وأن الغازي طال الزمن أو قصر، سيأخذ عصاه ويرحل، وفى دروس التاريخ عظة وعبر لمن يعتبر.
إن حركة طالبان، أصبحت بلا شك هى اللاعب الرئيس والأساس في المسرح الأفغاني، ولكن طريقها مهدد ومحفوف بكم هائل من التحديات الداخلية والمخاطر الخارجية. وإذا أرادت ان تنجح وتتجاوز تلك المعضلات بيسر عليها أن تقرأ المتغيرات الدولية والإقليمية قراءة صحيحة وتفهمها، وأن تعى دروس التاريخ وتستوعب عبرها وأن تتعامل معها بإيجابية.
أميركا، خرجت من الباب مهزومة ومهرولة، مجروحة الكرامة، مكسورة الخاطر وإن بدت غير ذلك، ولن تترك مصالحها تهدد، ولها طرقها ووسائلها المرئية والمخفية للحماية والدفاع والإنتقام.
أوروبا العجوز، نشطت منذ لحظة دخول كابل المفاجئ، والذى – أربكها وجعلها لفترة فى حالة من الذهول – ثم بدأت تلمم أطرافها، حيث تواصل زعمائها بغرض فرض معايير حقوقية تلزم حركة طالبان بها.
وأما الإتحاد الروسي فله حساباته الخاصة، لأن لديه تجربة طويلة مع الإسلام السني، فهو فى حالة صراع أيديولوجي معه منذ الغزو المغولي، فى القرن الثالث عشر فى عهد الإمبراطورية الروسية، مرورا بكل الحقب التى عانى فيها المسلمون الروس، أنواعًا من الإضطهاد والإبادة الجماعية والتهجير القسري، وصولا إلى حرب الشيشان، من العام 1991 حتى العام 2000.
وقد صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فى معرض تبريره لأسباب تدخل روسيا السافر فى سوريا، بأنهم لن يسمحوا بقيام دولة سنية على إعتبارها تشكل خطرا دائما على الأمن القومي الروسي، وهذا يفسر التحالف الروسي الإيراني على أرض سوريا العربية!
وإذا وضعنا فى الإعتبار، أن 20%من الروس هم مسلمون، وكما يوجد فى معظم جمهوريات الإتحاد السوفياتي السابق المسلمة حركات إسلامية، شبيهة بطالبان، في النهج والفكر، لذلك سارعت روسيا، وعززت من وجودها العسكري في جمهورتيّ طاجيكستان وأوزبكستان المجاورتين لأفغانستان.
وإعلان روسيا الأخير، بإمكانية التعاون مع طالبان فرضه الأمر الواقع، وهي لا تزال فى قاموسها السياسي منظمة إرهابية.
ولقد عودتنا روسيا، على إنتهاج سياسة الإحلال في مناطق النزاعات الساخنة، عندما تنسحب أميركا، أو يضعف وجودها، وبالتالي، ستظل عينها على أفغانستان فى كل الأحوال، ولا نستطيع أن نغفل أو نتجاهل هزيمة الإتحاد السوفياتي النكراء فى أفغانستان عام 1990 بعد إحتلالها منذ عام 1979، الأمر الذى ترك جرحا غائرا فى الذاكرة السياسية الروسية وكان السبب المباشر فى تفكيك الإتحاد السوفيتي.
إيران، هي الأخرى، سيكون لها دورا مؤثرا فى الأحداث المستقبلية، لوجود طائفة شيعية مع حدود جغرافية تمتد حوالي 950 كيلو مترا.
ومن جهة أخرى، تبدو علاقة الحركة مع باكستان المجاورة متوترة، لوجود طالبان باكستان فى المشهد السياسي، بالإضافة إلى تحسن العلاقة الباكستانية مع الولايات المتحدة الأميركية، بعد وصول الرئيس بايدن إلى سدة الحكم.
والصين، على الحدود الشرقية، أبدت الرغبة في التعاون مع الحركة، وقد يكون لها أيضا تأثيرا على مجريات الأحداث، وبالذات في مرحلة البناء والإعمار.
من الملاحظ منذ اليوم الأول لدخول قوات الحركة كابل، بدأت حملة مكثفة من الدوائر الإعلامية والسياسية بشيطنة الحركة، وكأنها طالبان التسعينات وبطريقة تنقصها الموضوعية وتتنافى مع الأمانة العلمية والصحافية المؤسسة على معطيات وشواهد ملموسة أو مرصودة وقبل أن تتولى الحركة مقاليد الأمور!
والمعلومات التى رشحت من مصادر تواصَلت مع قادة طالبان الجدد، تؤكد بأنهم نسخة مختلفة تماما عن سابقتها، وأنهم جددوا خطابهم السياسي ورؤيتهم السياسية، وأنهم منفتحين على العالم بلا حواجز أو توهم.
وأمام الحركة، فرصة ذهبية لثبت للعالم مصداقيتها وحسن نواياها، وأن تعترف بالتنوع العرقي والقبلي والمذهبي فى البلاد، وتساوي بين المواطنين فى الحقوق والواجبات، وتقر بحقوق الإنسان، وحقوق المرأة فى التعليم والعمل والحركة، وبحقوق الطفل، وأن تقدم برنامجا عصريا يلبى احتياجات المجتمع المدني بالتحصيل العلمي والمعرفي والتقني وأن يتلاقح ويتواصل إيجابيا مع تجارب الشعوب المتقدمة.
وأن يكون لها نهجا ديموقراطيا، يتسم ببسط الحريات العامة، ويبشر بالعدالة والسلام، ويؤمن بحق الحركات والأحزاب الأخرى في المشاركة السياسية، وفى التبادل السلمي للسلطة. وأن تعفو وتصفح، وتفتح صفحة جديدة عنوانها وطن واحد يتّسع للجميع.
وأن تقيم نظاما تحكمه المؤسسات، ويكون للشعب حق الإختيار والإنتخاب بحرية ونزاهة وشفافية، وأن تبني مؤسسات أمنية وعسكرية وشرطية ذات عقيدة وطنية.
وهذا هو التحدي الأكبر للحركة.
======================



