“طـــوفـــــان الأقــصـــــــى”!

خاص “المدارنت”..
عندما تنتصر العين على المِخرَز
ويتشكل لها ظفرٌ ونابٌ…
غزة بعد طوفان الأقصى مشهديتان وامثولتان. ففي قصيدته « لا تصالح »، كتب الشاعر أمل دنقل، وكأنه يتنبأ بحدث السابع من تشرين الأول للعام 2023، فيقول:
«إنه ليس ثأرك وحدك،
ولكنه ثأر جيلٍ، فجيل…
وغداً
سوف يأتي من يلبس الدرع كاملةً
يوقد النار شاملةً
يطلب الثأر
يستولد الحق من أضلع المستحيل
لا تصالح…».
ثمة مشهديّتان اثنتان، تلخصان ما يجري على أرض فلسطين، من صراعٍ دائر يتخذ الطابع القتالي العسكري غير المسبوق في معارك الأمة، ضدّ الكيان الغاصب منذ الإعلان عن وجود هذا الكيان في العام 1948، وإلى يومنا هذا…
• في المشهديّة الأولى ومع انطلاق صفارات الإنذار في أنحاء مدن ومستوطنات الكيان الغاصب، مع فجر السابع من تشرين، كان العالم أجمع يشاهد بأم العين مدى الخوف والهلع الذي اعترى السكان ودفعهم للهرولة نحو الملاجئ اتقاء الموت والخطر…
• بينما طغت على المشهدية الأخرى الصور البطولية لأبناء غزة المُحاصَرين في قلب الخطر والقذائف المنهمرة عليهم ساعات ودقائق الليل والنهار. يدفنون شهداءهم، إن استطاعوا، ويحملون الجرحى تحت زخات الصواريخ دون أية مبالاةٍ بالموت وكأنهم تآخوا وإياه فلم تعد تُفرّق او تميَّز من منهما الأقوى: الموت أم إرادة الصمود لدى هؤلاء الذين، ببسالتهم وجرأتهم على مواجهة الخطر، قدموا للبطولة معاني جديدة لم يتطرق إليها ، حتى شعراء العرب، في معلقاتهم وأوزانهم وأدبياتهم، عندما تجرأت العين على المخرز، لتقاوم، وارتفع الحاجب ليرتقي إلى مستوى الجبين المكلّل بالغار، صانعاً للأمة أمجاداً جديدة، ثابتة، ومحال لها أن تكون عابرة لزمنٍ معيّن وتمضي… يدفعك أطفال وأشبال غزة اليوم لتطرح على نفسك أمام مرآة أحوال الأمة ومعاناتها السؤال التالي:
– هل هي النقمة يعيشها من لا ذنب له، سوى أنه وُلِدَ على أرض فلسطين فحمل على أكتافه معاناة أجيال عايشت النكبة لما يقارب الثمانية عقود من السنين، وكأن جلجلة السيد المخلّص على صليب آلامِهِ، لم تتوقف بعد، طالما بقيت كنيسة القيامة والمسجد الأقصى شاهدين على جراحه المتجذرة في وجدان أبناء فلسطين على مدى الأزمان والدهور، لتتمثل الصهيونية اليوم بفكرها وغدرها وتآمر الغرب معها، بما قدمه بيلاطس البنطي من خدمات جلّى لأعداء المخلّص بعد أن تولى محاكمته وأصدر الحكم بصلبه…؟
– أم انها النعمة من الخالق عزّ وجلّ ليُبقي القضية الفلسطينية حيةً يتداول مسؤولياتها جيلُ إثر آخر، فتتحول الأجيال الجديدة أمتن عوداً واشدُّ صلابةً ممن سبقها من أجيال ويتكشف لهم من الخطر الصهيوني وغدره ومشاريعه ما لم يَسَع للسابقين تداركه كاملاً…؟
– أو أن منهم ما كان ليصدّق ما يشكله هذا الخطر الوجودي الكامل الذي جعل من « إسرائيل » الغدّة السرطانية المزروعة في قلب الجسد العربي، فلم تكتفِ بشطره بين مشرقٍ ومغرب، وإنما خُطّط لها أن تمنع عن العرب الدخول إلى المستقبل للركون في حاضرٍ أشبه بالمستنقع المنقطع عن كل أسباب الحياة، ولا ينتظر غير الجمود والعَفَن سبيلاً للموت التدريجي البطيء الذي يُصَوّر لهم أنه البقاء…؟
إنه شعب الجبّارين الذي يسير على دروب الجلجلة اليوم إيماناً بحقه في الوجود وإصراراً على استعادة هذا الحق فلا يتركون الغاصب يهنأ به وأمامه اطفالٌ يرفعون شارة النصر فوق جثامين الشهداء. وأمهات تلِدنَ البطل ليخلف البطل وشهيد يودّع شهيداً، وآخر لا يكتفي بزرع الأقحوان في تربة الوطن وإنما يجعل منها زهرة فرح مانعة لكل أشكال اليأس والإحباط.
طوبى لغزّة وهي تغسل اليوم عن الأمة عار السنين وتنفض عنها أتربة الهزائم والنكسات، والتحية لأطفال غزة وشبابها وشيبها، نتعلم منهم ما ليس موجوداً في الكتب والكراريس، نتفاءل بهم ونحن نعاود الحلم من جديد، إن أمتنا موجودة مع كل أبنائها الذين يحملون السلاح، ويجعلون من الكرامة عنواناً للمصير. فالعين البصيرة الحالمة لم تعد تخشى المِخرَز بعد طوفان الأقصى وقد تحصنت بظِفرٍ وناب. واليد التي تمتد لتصادر الوجود، لم يعد مسموحاً تقبُّلها بمنطق العاجزين وقد صار بالإمكان قطعها لتكون شاهدةً على زمان متغيّر لم يعد ينفع معه العودة إلى الوراء بعد اليوم..



