مقالات
على عيني ورأسي “العروبة”.. في هذه الحالة لبنان هو الأولى..

خاص “المدارنت”..
دولة الكويت، جزء عزيز من الوطن العربي – “الذى إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” – قد مرت بحقب عصيبة كادت ان تعصف بها المحن والمعضلات الجسام، وأن تخرجها من الخارطة السياسية كدولة ذات سيادة، وكانت في كل تلك الأحوال تجد الدعم والمؤازرة من كافة الدول العربية بلا منة.
والأمثلة كثيرة، أذكر واحدًا منها فقط لعمق دلالته ولصدق مغزاه، فى بداية ستينات القرن الماضي هدد الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم بإجتياح الكويت، ووقتها أرسلت الجامعة العربية قوات مشتركة لصد الهجوم المتوقع، وكانت من بينها كتيبة سودانية بقيادة اللواء صديق الزيبق، وعندما إنتهت مهمتهم، إصطفوا في أرض المطار، إستعدادا للمغادرة وحينها تقدم ممثل أسرة آل الصباح، وسلم ظرفا ضخما محشوا بالمال والساعات الفاخرة لأفرادها، فانتظر قائد القوة حتى إنتهى الأمير من توزيع الظروف، وعندها صاح بأعلى صوته موجها النداء إلى ضباطه وجنوده: “طابور صفًا” “أرضًا ظرف”، أي ضعوا الظرف على الأرض. ونفذوا الأمر، وتركوا الظرف وما حواه على الأرض، ووقف جميع الحاضرين مذهولين ومندهشين من ذلك الموقف.
كانت رسالة واضحة لا لبس فيها، تقول بأن ما قمنا به هو واجب فرضه المصير الواحد، ولا نريد من ورائه جزاءا ولا شكورا، ولا نبيعه بالمال مهما غلى في نظر الآخرين.
ولقد تحولت هذه الحادثة إلى فيلم سينمائي، وتوجد نسخة منه في وزارة الخارجية الكويتية.
شارك بعض ضباط القوات المسلحة السودانية في تأسيس الكلية العسكرية الكويتية، وكذلك كان للأساتذة السودانيين، دورا مهما ومؤثرا في النهضة التعليمية في دولة الكويت الشقيقة.
وبنفس القدر ساهم الأشقاء العرب، من مصر ودول الشام فى تطوير التعليم، وفي وضع البنية التحتية في وقت كانت تلك المنطقة برمتها، ترزح تحت وطأة الجهل والتخلف.
وفى المقابل، لا يستطيع أحد أن يتجاهل دور دولة الكويت، في دعم مشاريع التنمية والإعمار في الكثير من الدول العربية والإسلامية، وكذلك، دور منظمات المجتمع المدني الكويتي في نفس المضمار.
وكانت الكويت، في فترة الستينات، منارة ثقافية وفكرية، وخرجت منها إصدارات مهمة، منها مجلة “العربي” الشهرية، التى كان يرأسها الدكتور أحمد زكي.
وقامت فيها تجربة ديموقراطية – في منطقة يعتبر الحديث عن الديموقراطية من المحرمات – أتاحت قدرا كبيرا من الحريات العامة.
فى أغسطس 1990، أحتل العراق الكويت، نتيجة لخلاف سياسي إقتصادي، حول تنازع قسمة النفط فى المنطقة الحدودية بينهما، ولم يحسن البلدان الشقيقان إدارة الصراع بالحسنى، والوصول إلى حل توافقي، بل وقعا فى فخ الترصد، ثم الدفع بهما إلى مصيدة أعدت بدقة عالية من الإمبريالية العالمية، وحلفائها فى المنطقة، مما وفر الغطاء والمسوّغ للتدخل الأجنبي، وقاد إلى تدمير العراق، و هتك نسيجه الاجتماعي، وتبعته سوريا، ثم لبنان، فاليمن، وكادت أن تصل نيرانه إلى السعودية والبحرين، وترك فراغات بينة فى البنية القومية، جعلت إيران تتمدد، وتحكم قبضتها على أربع عواصم عربية.
وكان من ضحاياها لبنان، الذى هو أسير إبتزاز يدها العميلة، التى تفرض نفسها على كل المفاصل وكأنها دولة داخل دولة.
وما كان لكل هذا أن يحدث، لو تصرف قادة العراق والكويت آنذاك، بحكمة وروية، وبروح الإخاء وفضّوا نزاعاتهم بقسمة ترضي الطرفين، وكفوا المؤمنين القتال.
إبان ثورة ديسمبر 2018 في السودان، بلا أي مسببات، شنّ بعض الكتاب الكويتيين، حملة جائرة على شعب السودان، يعلوها الحقد والكراهية، وفيها الكثير من التهكم، والإستخفاف على فعل، هم عاجزون عن إدراكه واللحاق بقيمه ومبادئه.
ومما يثير الدهشة والإستغراب، هو أن ليس للسودان، أى علاقات تواصل إجتماعي أو جغرافي مع دولة الكويت الشقيق، ولكن: “إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا”.
ومنذ فترة أشاهد وأراقب وأستمع، لخطاب شعبوي طاغي عند كثير من الكتاب والمحللين السياسيين الكويتيين، فى الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب وعجزت أن أصل إلى أسبابه، وهو موجه بصورة مباشرة ضد العروبة وقضاياها، وعلى رأسها قضية العرب المركزية القضية الفلسطينية، ولو علم هؤلاء بأن جامعة الكويت، أنشئت عام 1966 على أيدى أساتذة إجلاء من فلسطين لصمتوا، لو كان في وجوههم ذرة من حياء.
وتحت ظل الهجمة الشرسة التي يتعرض لها لبنان الشقيق، من الفرس وأعوانهم فى الداخل، ومن دول الإستعمار القديم – الحديث، و على رأسها فرنسا، ولدت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، بعد مخاض عسير، لتجد نفسها أمام جملة معوقات سياسية وإقتصادية وإجتماعية، تتطلب معالجات سريعة بل فورية، وفي مثل هذه الحالات، من باب أولى طرق باب ذي القربي والجار الجنب.
فجاء تصريح سيادته، بأنه سيتجه إلى الدول العربية، للمساعدة في الأيفاء بمتطلبات المرحلة الجديدة، وفي هذا السياق، تواصل مع الكويت على إعادة إحياء قرض خطة الكهرباء.
وهذا يندرج تحت صميم العلاقات الإقتصادية الدولية، وليس فيه إستجداء أو أخذ بلا مقابل، بل هو أمر بديهي ومرغوب فيه، أن يلجأ إلى محيطه العربي، وإلى حاضنته الطبيعية، وأن يبتعد عن البنك الدولي، إذا ما إستطاع إلى ذلك سبيلا.
وإستفزّ هذا التصريح، الكاتب الكويتي وليد الجاسم، وكتب مقالة بعنوان: “على العين والرأس العروبة ولكن أهل الكويت أولى”، على وزن مقولة الرئيس الأميركي السابق ترامب: “أميركا أولًا”.
وهذا مثير أيضا للدهشة! هل يوجد مبرر لما تفضل به الكاتب؟ لا أعتقد أنه يملك ذاكرة سمكية، تنسيه فضل العرب على أهله وعشيرته!
وهل إذا قدمت دولته قرضا – تأخذه وبفوائده فيما بعد – سينزلها من مراكز العلو والرقي؟ وهل إذا أحجمت عن إنفاذه ستصل إلى الثريا؟
وما تدفعه يا عزيزي، هو ليس من مالك، ولكن من مال الله، الذي أتاك، وستأخذه بعد حين، كاملا، وما هو بهبة أو منحة لوجه الله حتى تمتن.
لقد سقط الخطاب الشعبوي اليميني المتطرف في أميركا، وتوارى في الهامش السياسي في أوروبا، ولا مكان له فى عالمنا العربي المتسامح، المتكافل، و“«مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى».
وستظل الكويت، في قلب وعقل العرب، ولن تغير الأصوات النشاذ من دورها المهم، أو تقلل من فعلها المؤثر في العالم العربي، وستبقى العروبة هى الثابتة والخالدة.



