عندما تخون المؤسسات مبادئها وأهدافها.. الجزء (1-2)

خاص “المدارنت”
استنادا للنص القرآني، اذهب بمقالي هذه للتوضيح ولبيان ما للخيانة الواقعة على المبادئ والأهداف التي اؤتمن عليها القيمون على المؤسسات الرسمية، (من أعلى الهرم وصولا إلى القاعدة) وغيرها مما ينضوي تحت لواء الدولة، من مؤسسات ترعى شؤون الطوائف والمذاهب.
هذا من جهة، واتناول ايضا، تلك الخاصة المعارضة لمنظومة الدولة القائمة والتي تحمل ألوية الأحزاب، وما يتفرع عنها على المستوى اليميني واليساري، وايضا، القومي والديني، كما يطلق عليها من تسميات.
هنا لا بد من ذكر الآيات القرآنية التي تحملك إلى مضمون ما عنونت مقالي:
– “وإن تكذبوا فقد كذب امم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين”. العنكبوت/18.
– “ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون”. المائدة/ 99.
– “يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته”. المائدة/ 67.
– “وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا “. الانعام/ 112.
– ولاضلنهم ولامنينهم ولامرنهم فليبتكن آذان الانعام ولامرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا”. النساء/ 119.
آيات سماوية تكشف أساليب الاغواء والانحراف عن الفطرة السليمة، مما يؤدي الى خيانة الإنسان لمبادئ ورسالات المؤسسة التي هو قائم عليها تطويرا ونماء جراء تحقيق ما يلزم تحقيقه من أهداف، التي وُجدت من أجلها. ولكن ومن المؤسف، فقد ابتلانا الله تعالى، بقوم اتخذوا من المقام والمكانة والموقع الذي أسند إليهم، سلطانا وسطوة مع حرية التصرف بالمؤسسة، وكأنها ورثوها عن ابيهم، (مدنيون ودينيون)، ظانين أن الله تعالى لم يهدِ سواهم، ولم يخلق غيرهم، لمثل هذا المنصب أو ذاك.
يدعون الناس إلى الجنة، أو إلى فعل الخيرات، وهم عاجزون أمام سطوة رغباتهم، فيعملون ما لا يقولون، عاجزون قول كلمة حق أمام حمقى البلاد من قطاع الطرق الذين سرقوا البراءة من عيون الايتام والاطفال، وملأوا الشوارع بالجياع والمتسولين، كما اهملوا تكديس نفايات أعمالهم العفنة فوق أجنحة الحرية والعدالة، فاثقلتها إلى حضيض الخيانة، فورثوا الأرض وما عليها.
كما ورثوا بيوت السماء، زخرف القول غرورا، متغافلين عن أن الاستقامة الحقيقية ليست ملكا حصريا لأحد. اذ ليس لزعيم بشري حق التسلط والتملك لقرارات المؤسسات (مدنية كانت أو دينية) كما يمارس اليوم. لكن الاستقامة ضالة المؤمن الواعي أنى وجدها. وما السبيل إلا أن يتجسد في تحطيم جدران الجمود وهدم قلاع الخرافة والجهل والتبعية ثم الانطلاق بعقول ناضجة منفتحة، فتبحث عن المعنى خلف النص، وعن وجود الانسان خلف العقيدة، فامثال هؤلاء يمارسون التفكير عبادة، ويتخذون من التأمل منهج حياة.
الحضارة ليست سكن أبنية اسمنتية حجرية تعلوها رقي فن معماري، وليست شوارع ممهدة تزينها انوار النهار قبل الليل، إنما الحضارة الحقة هي تلك التي تمثل المنظومة القيمية الأخلاقية، تتجسد في مؤسسات تعمل لتحقق ما اؤتمنت عليه من رسالات ومبادئ وأهداف، فتحفظ الإنسانية بتحقق العدالة والحرية حيث الإيمان سبيلها.
وهذا الأمر يتعارض مع من يتخذون من أعمالهم سترًا وخوفا من العبث بجدران هيبة المؤسسة والقائمين عليها، متعامين عن أن في ذلك يؤدي حتما الى ضياع الضمير الجمعي، كما يسبب خللا معرفيا يطعن في ذاكرة الامة وفي حصن الوطن.
لذلك، من الضرورة الحفاظ على رسالات المؤسسات إذ بها تحفظ الأوطان والامم، وبها تكتب تاريخها. فالحضارة ما هي إلا مجموعة مؤسسات تمثل الدولة، التي تحمل الماضي من أجل بناء المستقبل مع حرص عدم الانزلاق إلى العدم.
وهكذا، فالمؤسسات هي تلك الرسالة التي تحملها، وتلك الأهداف التى ينبغي تحقيقها، أي انها، من حيث البداهة المبدأ، تمثل منظومة من القيم والقوانين، تسيرها سبل وطرائق ومنهج، والتي من خلالها يتحرك القيمون عليها ينفذون بعقول مدركة واعية تمسك مفاتيح ابوابها، فإما تفتحها وتحفظ الأمانة وتحقق الرسالة، واما تغلقها على ذاتها فتغلفها عتمة الخيانة وغطاء الدياسة.
نحن شعب في وطننا لبنان، نعاني ونتألم، لقد اعتدنا حال مؤسسات خانت ولا تزال تخون رسالاتها وأهدافها، والقيمون عليها حولوها إلى هياكل أشباح تأكل ذاتيتها، أولئك الذين اتخذوا من الشيطان وليًا، بل جعلوه أسوتهم في أعمالهم النرجسية وتصرفاتهم الإبليسية، إلى أن جسدوا شياطين الإنس والجن يتخفون بلباس بشري مقدس، فيبدأون أعمالهم بتشويه الاتجاه السليم، ثم ينتقلون إلى تعطيل الارادة، ثم إلى قتل أدوات الوعي إلى أن يصلون بالإنسان إلى مرحلة العبث بأصول فطرته، فتنحرف به البوصلة إلى الضلال، ثم تذهب به إلى ضياع البوصلة الوجودية، والتي معها تضيع الغاية والمرتجى، والتي بها تنتظم حياة الإنسان ومن ثم تنتظم المؤسسات.
أن فقدان البوصلة الفطرية سيؤدي حتما الى اختلال المعايير القيمية الأخلاقية، وايضا، تختلط على أصحابها مسالك الامور، العملية والعلمية والإنسانية، فيتحولون إلى أحجار تحركهم رغباتهم واهواءهم ثم يندفعون باتحاهات مبهمة الأهداف، فيسيرون ولا يصلون. انظر الاية/ 119 من سورة النساء.
هكذا تبدأ خطوات الخيانة لمبادئ المؤسسات ورسالاتها، ينتقل من ضلال إلى ضلال ثم إلى وهم، فيعيش أصحاب المناصب المسؤولة على أحلامهم، فينعمون بالامن والامان ويعززونها بالنصر على الفساد والتغيير للاصلح، من دون جهد ولا تضحية ولا عمل، يدعون الناس زخرف القول غرورا، ومن أخطر ما تنتجه هذه المرحلة هو الغوص في الفساد والإفساد، وقبول الظلم، واستحسان الخضوع والإذلال والاستسلام لافكار ترضيهم بالتمني، بان الله سينصرهم ويعزز مكانتهم، وهذا من أخطر أساليب الشيطان.. “إلا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون”. البقرة/ 12.
اننا أمام أزمة متداخلة ما بين الهيبة والخيبة، والتي قد زعزعت أركان دار فتوى الجمهورية اللبنانية، (لقد ذهبت ذاكرا الاسم لأنها وعلى ما اعتقد يقينا أنها المؤسسة المسؤولة عن إصلاح ما يُفسد وما يتجاوز القوانين)، لكنها هدمت جوهر رسالتها والمعقود عليها مبدأ التبليغ الإلهي الذي يلزم ضرورة التبليغ، لقوله تعالى لرسوله (ص): “يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته”. المائدة/ 67، لقد وقع التجاوز والتخاذل والاستهزاء بحق رسالة مؤسسة دار الفتوى، التي انحرفت وعصت الأمر الالهي، (بعد أن تم تمديد سن التقاعد لمفتي الجمهورية).
وللبيان، إنما تتم تلك الخيانة عندما تبدأ بضياع البوصلة الوجودية، أي انفصال الإنسان عن فطرته، الانفصال الذي يحول الإنسان إلى سيل من الانحرافات والخضوع والطاعة لمن يملي عليه من منهج سائد. وبهذا يصبح الانحراف وطريق الخيانة ثقافة تتلقى وتنفذ بطاعة عمياء، ابتغاء الكسب والربح، ثم الغطاء السياسي لدناءة اعماله.
إضافة للبيان، فإن أخطر الخيانات فتك وتمزيق للمؤسسات والمجتمع والدولة هي تلك التي ترضخ وبطاعية عمياء إلى أعراف وتقاليد دينية أو اجتماعية، تتناقض مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، مما يؤدي، وبالعلن، على تبرير الظلم والفساد، والأخطر أنها تمارس داخل المؤسسات وعلى رؤوس الأشهاد، من دون خجل ولا حياء، مع الإشارة إلى أن القيمين على المؤسسات لا يكتفون بفساد انفسهم، إنما ينشرونه، ويعملون على تعطيل العقول، وتخدير الارادات، ويدعون إلى الوهن وإلى الوهم، متجاهلين كل سعي أو بحث، وباسم الدين يغطون خياناتهم العملية والفكرية، فيحولون مبادئ المؤسسات ورسالاتها إلى عادات تؤمن بعبودية الانحراف بعد الباسها ثوب القداسة والتقديس.



