مقالات
غزو لبنان عام 1982.. الجزء “3”..!

خاص “المدارنت”..
… كثيرة هي الأسئلة التي كانت تراودنا، حين استقرينا في المعسكر التابع لـ”الاتحاد الإشتراكي العربي”، في بلدة الروضة البقاعية، أهمها ما العمل? بخاصة أن القوات الغازية الصهيونية، احتلت كل جنوب لبنان، ومعظم منطقة البقاع الغربي، والخسارة أصبحت كبيرة على كافة الصعد، والعدو الصهيوني أصبح على مشارف بيروت، التي دخلها فيما بعد، وأصبحت ثاني عاصمة عربية تحت الاحتلال الصهيوني بعد العاصمة الفلسطينية القدس.
… كانت الإجابة على السؤال ما العمل? هي المقاومة، وهو الايمان بما قاله جمال عبد الناصر: “سوف نشق طريقنا فوق بحر من الدم، وتحت أفق مشتعل من النار، والآن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.
ونحن على هذه الحالة، جاء المسؤول العسكري لـ”الاتحاد الاشتراكي العربي”، الأخ أبو خليل، وبرفقته شاب اسمه ناصر طه، وكنت لا أعرفه سابقا، وهو مناضل عربي سوري في صفوف “الإتحاد الاشتراكي العربي”، وكان يقيم في بلدة كامد اللوز. قال الأخ أبو خليل: عليك التعاون انت والاخ ناصر في عملية إستطلاع لمرابض جيش الاحتلال في خراج بلدة المنصورة، المواجهة لخراج بلدة الخيارة، في البقاع الغربي، وكان يفصل بينهما نهر الليطاني، حيث أراضي بلدة المنصورة تحت الاحتلال غرب نهر الليطاني، واراضي بلدة الخيارة، لم يدخل إليها الاحتلال، ويبقى الهدف مربض مدفعية العدو الصهيوني.
… كنت أعرف تضاريس أراضي بلدة الخيارة جيدا، اتفقت مع الأخ ناصر على تنفيذ العملية في فجر اليوم التالي، تزوّدنا بمسدسات حربية؛ وقمنا بتجهيز أنفسنا، وأبدلنا ملابسنا، وارتدينا ملابس مألوفة في اوساط المزارعين، الذين يعملون في الارض. استقلينا إحدى السيارات، واتجهنا بها الى بلدة حوش الحريمة، القريبة من بلدة الخيارة، ركنّا السيارة الى جوار منزل الأخ عبدو رباح، رحمه الله، وتوجهنا الى بلدة الخيارة، وبعد ساعة من الوقت، بتنا على مقربة من أحد مرابض مدفعية العدو الصهيوني، غرب نهر الليطاني، والذي يبعد عنا نحو 500 متر.
.. إن طبيعة عمليتنا استطلاعية، وتحديد مكان ملائم، يناسب تموضع راجمة كورية مجهزة لإطلاق 12 صاروخ دفعة واحدة، وهذه الراجمة الصغيرة الحجم، تزن نحو 600 كلغ، قطر القاذف حوالي 107 ملم، ويسهل استعمالها في حرب التحرير الشعبية، والمدى الفعال لهذه الراجمة هو ثلاثة كلم، تقريبا، وكانت أشجار الحور العالية تظلل المكان.
وبينما كنا نتحاور بشأن في المكان المناسب لتموضع الراجمة، سمعنا صوتا خفيفا، ثم بدأ الصوت يقترب منا رويدا رويدا، ظننا للوهلة الأولى، انه كمين متقدم للعدو، ولكن الأصوات المسموعة كانت باللغة العربية، وتحديدا اللهجة الفلسطينية، فاتخذنا لانفسنا أوضاعا قتالية في أحد الخنادق؛ وبعد أن تأكدنا أنهم اصدقاء، عرّفنا عن أنفسنا، وهم بدورهم عرفوا عن أنفسهم. كانا عنصرين من “الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين”، وبعد التعارف، بدأنا نقاشاً سريعًا هدفه توحيد الجهود، من أجل القيام بعملية مشتركة ضد قوات العدو الصهيوني. بخاصة، وأن الغاية واحدة من وجودنا جميعًا في هذه النقطة الجغرافية، وهي استهداف القوات الصهيونية الغازية.
إن وجودنا على الطرف الغربي لليطاني، والعدو في الطرف الشرقي، لم يسمح لنا برؤية الكثير من موقع قوات العدو، باستثناء فوهات مدفعيته، التي كانت تختفي نسبيا خلف ساتر ترابي يحيط بالموقع من كل كل الجهات، وهناك تلة ترابية عالية جدا، قريبة من موقعنا، وإذا استطعنا الوصول إليها، ستكشف لنا الكثير مما يدور داخل مربض العدو الصهيوني. سعينا الى الوصول الى التلة، والتي تبعد عن أشجار الحور نحو 200 متر. وقد أخبرني أحد مقاتلي “الجبهة الديموقراطية”، أن أن مقاتلي الجبهة، حاولوا الوصول إليها منذ يومين، ولكن قوات العدو كشفتهم، وأمطرتهم برشقات كثيفة من رشاش متوسط عيار “500”، واستشهد أحد عناصر الجبهة.
قلت له: بإمكاني الوصول إلى حافة التلة الترابية عبر الخنادق، ولكن المسافة طويلة، وشرحت لهم خريطة الوصول إلى تلك التلة الاستراتيجية، وبالفعل، انطلقت عبر الخنادق إلى أن وصلت، أعطيتهم إشارة الوصول، وتبعوني بنفس الطريقة. تسلقنا التلة، الواحد تلو الآخر، وقمنا بتسجل الملاحظات، ووضع إشارات على الأرض، حول المكان المحتمل لتموضع الراجمة الصغيرة، وبعدها، عمدنا الى الإنسحاب بالأسلوب الي اتبعناه في الوصول الى التلة، وعدنا، الواحد خلف الآخر، الى أن وصلنا إلى منطقة أشجار الحور، وكانت الشمس بدأت تميل إلى المغيب.
.. وفجأة، وقعنا في قبضة كمين للجيش السوري، وتم اقتيادنا إلى غرفة قائد الموقع، وهو برتبة نقيب. تعرف علينا، وتم حجزنا في غرفة مولد مياه لري المزروعات، وبقينا هناك لغاية طلوع الفجر. حيث جاءات الاوامر القاضية بإطلاق سراحنا والإفراج عنا؛ وقبل مغادرتنا المكان، شربنا الشاي مع النقيب والعسكريين السوريين المتواجدين في الموقع. وقال النقيب السوري: “يا شباب، انتم تطلقون قذيفة باتجاه مرابض العدو، وتغادرون المنطقة، بعدها، تقوم قوات العدو بتمشيط الأرض بغزارة نارية كبيرة، ونحن نتكبد خسائر كثيرة، وهذا لا يجوز، عليكم إبلاغ قيادتكم بالأمر؛ وودعنا النقيب، وغادرنا المكان باتجاه السيارة التي أقلتنا الى بلدة حوش الحريمي، وقفلنا عائدين الى مقر “الاتحاد الاشتراكي العربي”، في قرية “تعنايل”، والذي وصلنا اليه مع بدايات الصباح.
.. حضر الأخ ابو خليل، الى مقر الإتحاد، وأخبرناه بتفاصيل ما حصل معنا، وهو بدوره، كان يتابع الوضع مع مسؤولي الجيش السوري، كي يتم إطلاق سراحنا؛ وكان من الطبيعي أن يأخذ التعب والنعاس منّا كل مأخذ، فارتميت على كنبة، والاخ ناصر ارتمى على كنبة أخرى، ودخلنا في نوم عميق متواصل، لغاية الساعة الواحدة بعد الظهر. حيث استيقظنا على صوت هدير طائرات العدو القريبة من أجواء المقر، والتي كانت تستهدف صهاريج محروقات تابعة للجيش السوري، كانت قريبة جدًا من مقرنا، ولا تبعد عنه أكثر من كيم واحد.
استنفرنا على الفور، تحسبًا لأي طارىء، الى أن انتهت عملية قصف الصهاريج. اتجهنا الى المنطقة المستهدفة للاطلاع على نتائج القصف الصهيوني، ووجدنا سائقي الصهاريج ومرافقيهم جثثا متفحمة، منثورة يمينا وشمالا، ورائحة الجثث المحترقة ملأت المكان، طلبنا من الله عزّ وجلّ الرحمة لهؤلاء الشهداء، مرددين قول القائد جمال عبد الناصر: “لا يقدر على دفع ضريبة الدم الا الذين يقدرون شرف الحياة”..
=======================



