مقالات
في ضيافة السلطان.. “الفلاح الفيكاني الأخير)..!

خاص “المدارنت”..
رحلت “ضيعة زمان” مع أهلها البسطاء الطيّبين إلى غير رجعة. لم يبقَ من براءتها غير ذكريات جميلة تعانق قلوبنا بحميميّة لافتة.
رحلت الحقول التي تموج بسنابلها، والبساتين التي ترفل بخضرتها وثمارها الوفيرة . رحلت السهول المعشوشبة ورعيانها. رحلت المروج والطيور ورفيقات المزارع من الحيوانات الأليفة الوفيّة . رحلت السماء الصافية بشمسها المشرقة وهوائها النقيّ . رحلت الجباه السمراء المكلّلة بعرق العافية.
رحل هؤلاء جميعا، ولم يبق من هذه الجنّة الأرضية غير أثر بعد عين.
و”الفاكهة” التي طالما ازدهت بثوبها القرويّ الجميل. رحلت مع الراحلين.
وحده ” ديبو الحجّ برهيم” أبى أن يرحل. اعتصم بأرضه. تشبّث بكلّ حبّة من ترابها. لم يعرف بهرج الحداثة المعاصرة. بقيت جنّته الأرضية عصيّة على تقلّبات الزمن.
كان فلّاحا أصيلا، تقلّد شرف المهنة أبا عن جدّ، فلازم أرضه ووقف حياته على العناية بها منذ نعومة أظفاره . وعندما هجرها الآخرون بقي وفيّا” لتلك الأرض التي احتضنت طفولته وشبابه وكهولته ، ووفّرت له ولأسرته أسباب الاكتفاء والحياة الكريمة.
على “دونمات” قليلة منها انبسطت معالم جنّته فاستوى على عرشها ملكا تدين لسلطته المستقلّة كائناتها من جمادات وأحياء.
في هذه المملكة انفرد الرجل بكوخ من حجرتين، استقلّ بإحداهما، وجعل من الأخرى مزربا لدابّتيه وبقرته، فيما خصّ دجاجاته للكثيرات بخمّ واسع في الجوار.
كان يعيش في كوخه وحيدا، فقد فارقت زوجته إثر مرض عضال افترس حيويتها وجرجر كهولتها الى القبر. والتحق أبناؤه وبناته بعد زواجهم بمنازل مستقلّة عن دار الأهل في القرية، وبقي هو دون زواج يساكن وحدته وفاءً لتلك الزوجة الغالية.
وإذا كان فقد رفيقة العمر ، والتحاق الأبناء والبنات بالأزواج قد خلّف لديه وحدة قسريّة سبّبت له بعض الوحشة في البداية، إلا أنّ هذه الوحشة لم تدم، فسرعان ما بدّدها أُنْسه بعالم مملكته السعيدة؛ فقد كان يشعر أنّه وسط عائلة كبيرة يتفاعل معها تفاعل الأحبة الصادقين المخلصين؛ فبقرة الحليب ودابّتا الحراثة والدجاجات العشرون، وأشجار المشمش والتفاح أنسته فراق الحبيب ورفقة الأبناء الذين كانوا يطلّون عليه بين الحين والآخر.
هذا هو عالمه الذي يأنس به، وتشدّه إليه روابط إلفة ومحبّة صادقة. لذلك فهو لا ينفكّ يتفاعل مع أفراده: يكلّم هذه البقرة، يزجر تلك الدجاجة ، يلامس برفق غصن تلك الشجرة، يتغزّل بوجنتيّ تلك التفاحة الحمراء. وهكذا…
هكذا إذا” كان “ديبو” وسط عالم يتفاعل معه بحبّ، وينشط في تأدية متطلّباته العملية بهمّة عالية ؛ حتى لغدا الرجل على ألسنة عارفيه الفلاح الفيكانيّ الأخير الذي ينتمي بحقّ الى ذلك الرعيل من الفلاحين الذين كانت الأرض محور اهتمامهم الدائم إلى حدّ أن بلغ بهم الأمر مبلغ الذوبان في عالمها بما فيه من أشياء وأحياء.
كنت أبطن رغبة دفينة لديّ في زيارة هذا الرجل، وقد وافتني ظروف هذه الزيارة تستحثّ قدميّ لمسيرة طويلة نحو النهر” حيث تقع واحته الخضراء.
سماء صافية، وشمس مشرقة، وصباح دافئ جميل من صباحات “نوّار”، وكهل تدفعه الرغبة لسلوك طريق ترابية، كان يقطعها الفلاحون على دوابهم أو راجلين الى “النهر” في نحو ساعة من الزمن.
كنت أنوي تكبّد مشقّة هذا المسار الوعر رغبة في تفقّد صديق قديم رافقته طفولتي لسنوات، هو ذلك الدرب الذي كنت أسلكه برفقة والدي الى حقولنا وبساتيننا في أراضي “النهر”.
انطلقت نحو غايتي نشيطا. كانت الطريق مسكونة بذكريات من زمن الصبا الحبيب:
هنا وقف الصبيّ يرتعد خوفا، وقد سمع مَن يناديه باسمه والمكان قفر من الناس، فظنّه الجنّ حينها ليكتشف لاحقا أنّه صوت رفيقة المدرسة التي كانت “تنطر” كرمة العنب في بستان ذويها المجاور.
وهناك على تلك الربوة الصغيرة كانت مائدته من الطعام الشهيّ، حيث بسط قماشة الزوّادة التي كلّفته الوالدة بإيصالها إلى أبيه، الذي أمضى الليل في سقاية أشجاره في بساتين “النهر” ، فلم يترك الصبيّ من دلك الطعام إلّا أقلّه ممّا تسبّب لاحقا” بشجار بين والديه.
وهنالك طارده “بو عسّاف” محاولا الإمساك به، عندما ضبطه يسرق ثمار اللوز في بستانه؛ لكنّ عَدْوه السريع أنقذه من تلك المطاردة الفاشلة.
… وهنا وهناك وهنالك… ذكريات كثيرة من ماضٍ حميم كانت تلاقيه بابتسامة عريضة فيعانقها بحرارة الشوق والحنين.
ويبلغ به المسير أراضي “النهر”. يا له من مشهد يثير الكآبة والأسى ! أهذه هي أراضي “الفاكهة” وبساتينها، كما عرفناها مع الآباء والأجداد من الفلاحين؟! لقد كانت جنّة خضراء وجذوة متوقّدة من الحركة والحياة، لكنها اليوم غدت، وكأنّما حلّ بها اليتم، فلا عناية ولا من يعتنون. لقد غابت عن حياتها تلك السواعد التي طالما حوّلت قفرها الى جنّات تموج بالإخضرار، كما غابت تلك القلوب التي أحبّت وبذلت قصارى الجهد في الحرث والزرع والريّ والأعمال الزراعية الأخرى.
ها هو ما تبقّى من أشجارها يعيش على الطبيعة بعد أن فقد العناية البشريّة الكافية. هذه العناية التي باتت تقتصر على الريّ في مواعيد محدّدة، وعلى القطاف في مواسمه؛ أمّا ما عدا ذلك فالأرض في غربة عن أهلها الذين جرفتهم قشور المدنيّة الراهنة، فانصرفوا الى أعمال أخرى وتركوا أمّهم لوحدة قاتلة.
كان ذهني مسرحا لهذه الأفكار وغيرها، وأنا أشاهد بقلب متألّم تلك الأشجار اليتيمة التي فقدت أهلها الحقيقيين منذ سنين.
أين هو “أسعد نصر” يشقّ بمحراثه أرض بستانه بجوار النهر؟ وأين هو “هولو غنّام” يجرّد الساقية لريّ حقلة القمح لديه؟ أين “ديب” خليل، يطلق منجله في جذوع سنابل القمح لحصادها في أرض “الضهر”؟ أين صوت “خليل” الناطور يزجر “أسعد” ياسين لإخراج أغنامه من حقلة “الياس سلّوم” … أين، أين ، أين …
على وقع هذه التساؤلات الموجعة كانت خطاي قد بلغت بي حدود السلطنة. ها هو السلطان بقمبازه المشمّر وسرواله الأغبر يروي مزروعاته من الخضراوات المتنوّعة (البندورة والخبار والكوسا والباذنجان والبصل…) في قدميه جزمته الطويلة، وبين يديه مجرفته يمهّد بها للمياه طريقها الى تلك الخضراوات.
– العوافي يا “بو برهيم”.
– الله يعافيك. تفضّل. يالله جيتك. رح خلّص خمس دآيئ وبكون عندك.
… وتفضّلت! كان أمام باب غرفته كرسيان . جليت على أحدهما منتظرا”. وما هي غير دقائق معدودات حتى كان الرجل يقبل متهلّل الوجه يصافحني مرحّبا سائلا:
– يا هلا، كيف جرى وفكّرت تزورنا اليوم؟!
– إنت بالفكر دايما” يا “بو برهيم”
– كيف هالشغل؟ ما شالله هالارضايات ما نائصهن شي.
– شوفة عينك. الشغل هون ما بيخلص. اليوم سأيت الزرّيعه، وبعد الضهر بدّي رشّ كام مشمشه ما رشّيتهن بعد . مبارح إضيت النهار عمأحصد هالشعيرات وبعد كام يوم ببلّش بحصيدة الأمح . وعندك حواش ( قطاف) المشمش وزريعة (زرع) البطاطا والدّرى، وما تنسى رعاية البأره والجاجات… شو بدّي عُدّلك لعدّلك؟! بيجو هالولاد والبنات بيساعدوني بين يوم والتاني.
– يعطيك العافيه. ما بتتعب من كلّ هالشغل يا “بو برهيم”؟! آالولي بتأضّيها شتا صيف بهالأرضايات وحدك. ما بتضجر؟! ما بتخاف بهالشتويّه وإنت وحدك ما عندك جيران تتوانس فيهن ؟!
– من أيش بدّي خاف ؟! بدّو يجي الضبع ياكلني؟! بالشتويّه عندي حطب أدّْ ما بدّك. هالأوضه هاي ما بتعرف البرد ولا الهوا. وكل شي مأمّن لي انا وهالطيور والدّواب.
– طيّب. ما بتتعب وإنت بتشتغل كل هالشغل ؟! فيك نلحّئ عليه كلّه وحدك؟!
– من جهة الشغل، الشغل ما بيتعبني. بالعكس أنا بحبّ شغلي، وبشوف مالمزروعات من سجر وخضره وحبوب متل رفقات أوفيا لإلي . بعطيهن من تعبي وعرئي، وبيعطوني من الخيرات أضعاف مضاعفي. الحمد لله أنا هالأرض بتكفيني كلّ حاجاتي وبتزيد. وعايش كإني سلطان زماني.
عا كل حال ولادي ما بيتركوني. اليوم إجو البنات لعندي. خابزين بالضيعه عالتنور وجايبين لي معهن خبز بيأدّيني لجُمعه.
بدنا نتغدّى أنا ويّاك برغل عابندوره مع بصل أخضر. وبعد عندي من مبارح أراص كبّه مشويّه. أكلي طيّبي شو رأيك؟
أنا ركّبت البرغل عالنار. شويّ وبيصير كل شي جاهز.
– لشو عمتعزّب حالك ؟ شو أنا جايه جرّبك؟!
… وتناولنا الطعام معا”. كان شهيّا حقّا. لكنّ الأشهى لدى القلب هو هذه الجلسة الممتعة مع هذا الفلاح الأصيل الذي نذر حياته للأرض، وكان مستعدّا للتمسّك بصداقتها والوفاء لها حنى الرمق الأخير.
عندما قصدت زيارة “ديبو الحج” كان يوجّه خطواتي هدفان: أن أرى ما حلّ بجنّة “الفاكهة” التي هجرها أحباؤها في جحود مشهود ، وأن أتفقّد فلّاحها الأخير في مملكته الخضراء، فأرى ما أنتجته يداه المباركتان غي الأرض الطيّبة من ثمار خيّرة.
أمّا جنّة “الفاكهة”، فقد لمحت في جنباتها ذلك الحزن الدفين، لما حلّ بها من إهمال غدت تتقلّص معه مساحات الخضرة بالتدريج؛ وأمّا في مملكة ذلك الفلاح الفيكانيّ، فقد قرأت آثار الأصالة والوفاء والعطاء، وعلمت أنّه، ومهما أمحلت السنين، فإنّ ثمّة بذرة خير وبركة لا نندثر ولا تموت.
=======================



