مقالات

لـــقـــمـــــان..!

      ناجي سعيد/ لبنان

خاص “المدارنت”..

قد لا يعني الاسم أحدًا، فمن يبحث عن المعنى يجد بأن اسم “لقمان” مشتقٌ من لقَم، أو كما ورد في المعاجم الرجل كثير اللقم.. لكنّ من كسر هذا الموروث عبر التاريخ هو “لقمان الحكيم” وهو من قوم «عاد» في طليعة المعمرين في العالم بعد الخضر وقد حدد المفسرون والمؤرخون عمره بـ 560 سنة، وزاد بعضهم عمره على ذلك، وذكروا أنه طلب من ربه أن يعمر طويلًا، فأعطاه طلبه. وقد ورد ذكره في القرآن ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة﴾، [لقمان من الآية 12]، ولهذا عرف بالحكيم.

ومن الشائع في الثقافة الشعبية، بأن لكلّ امرئٍ من اسمه نصيب. فينعكس على حامل الاسم الطريقة التي ينادونه بها. وقد كانت الحكمة ما أوصى بها الخالق في كتابه المُنزل. ولكن، ما الذي بقي من هذه الحكمة؟ لا بل إلى ماذا تحوّلت؟

لقد كانت طفولتي شائكة من المحيط المجتمعي، ومريحة وآمنة جدًّا في بيئتي العائلية. فقد كان الاختلاف السياسي (وهو حقّ لا جدال عليه)، ذريعة لفئة مسيطرة في زمن الحرب الأهلية (1975-1990)، لتمارس القمع والتخويف والإرهاب أن صحّ القول.

أذكر إحدى الليالي، استيقظنا أنا وإخوتي على صوت رشقٍ من الرصاص، مع قرع مخيف على الباب، وصوت ملثّم يقول: يا بيت بو عادل عطونا السلاح اللي عندكن! ونحن وبكلّ فخرٍ، بيتٌ مليءٌ بالكتب. سبعة أولاد هم طلاب مدارس، ووالدٌ تعلّم القراءة في مدرسة محو أمّية، فلم تسمح ظروف جدّي بتعليم أولاده. ومن هذه البيئة المُتعلّمة، نشأت مواقف إنسانية، هي أعمق من الحصول على شهادة تسجن في إطار فخم لتعليقه في الصالون.

وكان الردّ من والدي على تلك الليلة الظلماء عميقًا، وقويًّا، لكن من دون سلاح. لقد حرِصَ على أن يلتزم أبنائه وبناته (السبعة) متابعة تعليمهم. وقد كانت أخلاقنا وتهذيبنا عنوانًا ومثالًا تستخدمه جاراتنا الأمهات، لتُعيّر به أولادها الشياطين.

لم التفت يومًا ولا يعنيني التعاطي مع السلاح. فمن يؤمن باستخدام السلاح، كأنّه يُلغي عمل أجزاءٍ من ذاته. العقل، والأحاسيس والمشاعر الإنسانية، ببساطة يقتل الإنسان الحقيقي بداخله. لستُ مُخوّلاً للحديث عن لقمان سليم، فلا أعرف عنه الكثير، والجزء الذي يعنيني، ففي التسعينات، حيث كان يعمل صديقي في دار نشر مع لقمان، تعرّفت به، وبالطبع، فإنّ احترامي للقراءة ولكل من يقرأ ليس تعميمًا، فلا مساحة احترام بداخلي لمن يقرأ، ولا يستثمر القراءة لصالح الإنسان. لم نكن مراهقين عندما “خربشنا” كمجموعة طلاب من كلّيتي الفنون والإعلام، فقد حوّلنا اعتراضنا على حياة سياسية، اجتماعية، فكرية، وفنيّة إلى نشرة، سميّناها “خربشة”، وقد كانت غير دورية (ومسلوقة سلق).

هذه اللغة ومفرداتها، كان قد شجّعنا عليها “المغدور” الآن، والمثقف من زمن وحتى النهاية. أشعر بحزنٍ شديد على إقدام سلاح أرعن، على إنهاء مسار ثقافي طامح.

أنا مؤمن باللاعنف، وليس إيماني استراتيجيّة تُستخدم عند اللزوم، لا بل هي فلسفة حياة أتّبعها. وقد تكون مُكلفة، لدرجة خسارة الحياة. لم أسمع لقمان يومًا يقول بأنه لاعنفي، لكنّي أجزم ذلك، فالكتاب هو لغة لاعنفيّة، تربط الحضارات الإنسانية ببعضها البعض.

لا أوافق ما سمعته من الفنان زياد الرحباني، في حلقة إذاعيّة، كانت ردًّا على أحد اغتيالات السياسيين المعارضين في الثمانينات: “الّلي بيضربك كفّ، ضربه كفّ، ما تردّ عليه ببيان بالجريدة، ما هوّ أصلاً ما بيقرا الجريدة”.

وأنا أعلم تمامًا أنّ من يقرأ حرفًا، كأنه يرمي حجرًا في حفرة الظلام والجهل، لينيرها. ومن “كلاسيكيات” المقولات من أيام المدرسة، ما قاله ميخائيل نعيمة: “فكري ضيّق ما دام لا يتّسع لأي فكرٍ آخر”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى