لماذا يعتبر الهجوم على ميناء مصري تطورا خطيرا؟
“المدارنت”
يمثّل الهجوم الذي استهدف ميناء دمياط المصري على البحر الأبيض المتوسط مساء الأربعاء الماضي تحوّلا نوعيا وخطيرا في جغرافيا الصراع في الشرق الأوسط.
طال الاستهداف ناقلة غاز أمريكية ووحدة «إنرغوس وينتر» لتخزين الغاز المسال، وبعد تردد طويل وتقديم روايات متناقضة، اعترفت السلطات المصرية بأن الحادث ناتج عن هجوم بطائرة مسيرة.
أطلق الهجوم المفاجئ أسئلة حول موقع انطلاق المسيرة، وضمّت قائمة المشتبه بهم أطرافا عديدة ترتبط بإيران، لكنّ بعد المسافة عن مواقع نشاط هذه الميليشيات فتح الباب لافتراضات متعددة.
إذا بدأنا من فرضية انطلاق المسيرة من اليمن حيث يلعب «أنصار الله» (الحوثيون) دورا بارزا في الصراع البحريّ للسيطرة على البحر الأحمر تجلّى في استهداف ناقلات نفط سعودية وغير سعودية، فسنجد أن المسافة الخطية من شمال اليمن إلى ميناء دمياط على البحر المتوسط تبلغ قرابة 2200 كيلومتر. يمتلك الحوثيون مسيّرات بعيدة المدى مثل «صماد 3»، ومسيّرة «يافا»، التي استهدفت تل أبيب سابقا، وتتراوح مديات هذه المسيرات بين 1800 و2500 كيلومتر، وهو ما يسمح، من الناحية النظرية والمدى العملياتي، بوصول مسيّرات اليمن إلى دمياط.
تواجه هذه الفرضية تحديا عملياتيا فالوصول إلى دمياط يتطلب اختراق المسيّرة أجواء البحر الأحمر بالكامل، ثم عبور شبه جزيرة سيناء او خليج السويس لتصل إلى ساحل مصر الشمالي. يمر هذا المسار الطويل جدا بمناطق ترصدها رادارات وتغطيها منظومات دفاع جوي مصرية وإقليمية مكثفة، مما يجعل التسلل من دون رصد أمرا صعبا.
بالنسبة لفرضية الانطلاق من العراق، تبلغ المسافة من غربه (في محافظة الأنبار مثلا) إلى دمياط حوالي 800 إلى 1000 كيلومتر، وتمتلك الفصائل العراقية الموالية لإيران مسيّرات من طراز «شاهد» الإيرانية، و»الأرفاد»، وهي مسيرات انتحارية يصل مداها الأقصى إلى 2000 كيلومتر.
رغم أن العراق أقرب إلى دمياط من اليمن فإن المسار يتطلب عبور الأجواء الأردنية أو السورية ثم أجواء إسرائيل أو سيناء، وفي سياق التصعيد الجاري والضربات الأمريكية على العراق ضد الفصائل، فإن إطلاق مسيرة من العراق نحو عمق البحر المتوسط يعد خيارا ممكنا تقنيا، وخاصة أن تلك الفصائل أعلنت في حوادث سابقة استهداف موانئ حيفا وأشدود في إسرائيل.
ضمن الفسيفساء المعقدة للصراع الإقليمي، تظهر فرضية ثالثة يمكن أن تكون أكثر ترجيحا وخطورة كونه على البحر المتوسط وليس البحر الأحمر، وهي فرضية الإطلاق من البحر باستخدام قطع بحرية او سفن تجارية (أو حتى قوارب صيد) يتم توجيهها للإبحار في شرق المتوسط، وتعديلها لإطلاق مسيرات انتحارية قصيرة أو متوسطة المدى (مثل مسيّرات شهاب أو أبابيل) من مسافة لا تبعد أكثر من 100 إلى 200 كيلومتر عن الساحل المصري. يلتفّ هذا الأسلوب على الدفاعات الجوية الأرضية ويمنح المسيّرة مسافة قصيرة للتحليق بشكل يمنع رصدها أو إسقاطها مبكرا.
يمكن، بالنظر إلى وجود تنسيق كبير ضمن أطراف متعددة في المنطقة، النظر في احتمالات أخرى منها دور ممكن لـ»حزب الله» على الساحل اللبناني حيث يتطلب الطيران من الساحل اللبناني إلى دمياط قرابة 500 كيلومتر في «ممر مائي مفتوح» يسهل استغلاله لتجنب الرادارات الأرضية.
أشار بعض المحللين إلى دور إسرائيلي محتمل، وهو أمر لا يجب استبعاده بشكل مطلق، ويمكن أن يكون على شكل تساهل في إبلاغ السلطات المصرية عن معلومات استخبارية، أو عبر عدم اعتراض مسيّرات لا تشكل خطرا على إسرائيل، وهو أمر واجه الفلسطينيون أشكالا عديدة منه، وتم تناقل أنباء عن تعمّد إسرائيل عدم إسقاط الصواريخ أو المسيّرات المؤكد وصولها إلى تجمعات عربية.
يبعث الهجوم رسالة واضحة حول قدرة طهران ومحورها على تنفيذ «تصعيد أوسع» يشمل شل حركة الطاقة والغاز المسال في الشرق الأوسط، والضغط على المصالح الأمريكية، والأغلب أن عدم إعلان طهران، أو أي جهة محسوبة عليها، مسؤوليتها المباشرة عن الهجوم يقع ضمن استراتيجية «الغموض البناء» لتجنب رد فعل مصري مباشر، مع إيصال رسالة الردع للقوى الدولية.



