لوحة “كارلا”..

خاص “المدارنت”..
ما دفعني الى الكتابة عن “قضيّة” كارلا. هو أنّها ليست قضيّة. وقد تعرّفت بها من خلال لقاءات نقيمها منذ السنة الماضيّة على ما أعتقد. ومن نحن الذي نُقيم ذلك؟ لسنا سوى مجموعة أشخاص لدينا خبرة لا بأس بها بهذا المجال، وأقصد التواصل اللاعنفي.
فمن المجموعة المكوّنة مما لا يقلّ عن عشرة أشخاص، ولا يكثُر عن عشرين، يوجد بيننا حوالي الأربعة أشخاص (ولستُ متأكّدًا من ذلك) من لهم خلفيّة أكاديميّة في مجال اللاعنف، نتبادل الخُبرات والتجارب لتطوير أنفسنا، علّنا نسهم في تضميد جراح ورثناها في هذا الوطن المسلوب.
وهذا لا يعني أبدًا قصّة كارلا التي تفاعل معها الكثيرون (سلبًا وإيجابًا)، من الإعلام المرئي والمقروء ومن أوساط السياسة، والثوّار حتّى. لقد تأذّت كارلا مثل كثير من اللبنانيين من الانفجار المشؤوم، وإيمانها ساعدها على تحمّل الخسائر البشريّة والماديّة. وقوّة إيمانها دفعتها لتفعل شيئًا لبقعة من الوطن غالية على قلبها. استندت طبعًا إلى قدراتها والتي تتجلّى بمهنتها في الرسم (فهي مُعلّمة رسم)، وهي تؤمن كما كثيرون، بأنّ الرسم والألوان موجودة لإضفاء البهجة والسعادة والطمأنينة في حياة الناس.
ولكنّ ممارسة الأحزاب وأتباعها ارتكبت أفظع جريمة في لبنان، هي بموازاة الطائفيّة التي دمّرت لبنان وارتكبت حربًا أهلية، يضحك على نفسه من يقول بأنّها انتهت، لا بل بدّلت ملابسها الخارجيّة لتخدع الناس بالتغيير. التغيير الذي ارتكبته هذه الأحزاب، هو سرقة الألوان.
فكما كارلا، أنا أيضًا درست الرسم في معهد الفنون، وتعلّقي بالرسم والفنّ دفعني إلى تنظيم مهرجان في مدينة صور مع بعض الأصدقاء، وقد دعونا رسّامين لتنفيذ لوحات كبيرة تحت عنوان المهرجان: الألوان بتجمعنا.
فهكذا لبنان، السياسة تُفرّق والألوان تجمع. وقد ظنّت كارلا ببراءتها بأن هذا الجانب يكفي لتنفيذ مبادرتها اللاعنفيّة. وما أودّ قوله ليس لصديقتي كارلا فقط، بل للجميع، وخاصّةً لمن يحلو لهم الاصطياد في المياه العكرة. اللاعنف ليست نظّارة تجعل لابسها يرى الحياة ورديّة اللون. لا بل اللاعنف بالبداية هو موقف صلب بوجه الظلم. وما أزعجني كثيرًا في الموضوع، ردّة فعل طرفين. لقد انزعج “الثوّار” من طمس الحقيقة.
فبرأي الثوّار تلوين الجدار هو طمس للحقيقة! قبل جوابي للثوّار، لا بدّ من توضيح موقفي الشخصي، أنا من المشاركين بالثورة، واعتقد بأن أملي بنجاحها مرتبط بتعديل الخطأ الذي ارتكبناه كمجموعات عندما بدأنا بـ”طلعت ريحتكم” و”بدنا نحاسب”، فقد حصرنا ثورتنا في ساحات العاصمة. لم تطمس كارلا بالألوان “الحقيقة”، التي ستكشف مرتكبي كارثة الرابع من آب.
لقد لوّنت جملة كتبها شباب الثورة: “دولتي فعلت هذا”. الثوري الناجح برأيي لا “يبخّ” جدران مدينة مُدمّرة، بل يذهب ليبخّ أبواب وبيوت وسيارات، وكل ممتلكات السياسيين الفاسدين الذين نهبوا الدولة وحوّلوها إلى سلطة فاسدة. وهل نتوقّع من هكذا سلطة وهكذا أحزاب، بإعلامه وأبواقه، أن يتفهّموا مبادرة كارلا اللاعنفيّة، من دون إلصاقها بالسفارات الخارجيّة، و”الNGOs” الموضة الدارجة، لاتهام كل عمل نراه غريبًا عن ثقافتنا الهجينة.
أودّ أن أختم، وأعلن على الملأ، بأن كارلا لا تنتمي الى أي جهة خارجية، لا بل هي تكرّس انتماءها لجهة داخليّة وبقوّة: قلبها وعقلها، ولا تنتظر لومًا من أحد اللاعنفيين، فاللاعنفي لا يلوم، بل يساعد ويصوّب الأخطاء، مُدركًا تمامًا بأن الطريق إلى هذه الأخطاء مُعبّدة بالنوايا الحسنة.




