مقالات

مأزق السياسة الإيرانية وأبعاد الحراك البرلماني الدولي!

د. سامي خاطر/ فلسطين

خاص “المدارنت”
في الوقت الذي تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية متسارعة، تبرز الأزمة الإيرانية كعنصر استقرار أو اضطراب مركزي. ومع تعثر مسارات الدبلوماسية التقليدية في تحقيق اختراقات جوهرية تجاه السلوك الإقليمي والداخلي لطهران، بدأت مراكز صنع القرار في العواصم الغربية تتجه نحو مقاربات جديدة تعيد صياغة العلاقة بين “المصلحة الوطنية” و”المبادئ الحقوقية”. ويعد المؤتمر الذي استضافه البرلمان الإيطالي مؤخراً تحت عنوان “أزمة إيران: الحل الديمقراطي للمستقبل” مؤشراً على تحول في هذا التوجه، حيث لم يعد الملف الإيراني شأناً دبلوماسياً مغلقاً، بل تحول إلى قضية رأي عام برلماني دولي.

شرعية البديل في ميزان السياسة البرلمانية
إن الحراك الذي تقوده شخصيات برلمانية إيطالية من مختلف المشارب السياسية، كالعضو نايكة غروبيوني، يعكس تحولاً نوعياً في كيفية تعاطي المؤسسات التشريعية الأوروبية مع المعارضة الإيرانية. وتُجمع مراكز الرصد الدولية على أن الدعم البرلماني الواسع – المتمثل في بيانات أغلبية أعضاء البرلمان ومجلس الشيوخ الإيطالي – يعبر عن رغبة في الخروج من دائرة “اللامبالاة السياسية”.

من وجهة نظر تحليلية، لا ينبع هذا الدعم من فراغ، بل يستند إلى مشروع سياسي هيكلي، متمثل في خطة المواد العشر التي تطرحها السيدة مريم رجوي. يرى الاستراتيجيون أن قوة هذا المقترح تكمن في كونه “خارطة طريق” إجرائية أكثر من كونه شعاراً سياسياً، حيث يركز على مبادئ فصل الدين عن الدولة، والمساواة الجندرية، وسيادة القانون؛ وهي مرتكزات يراها مراقبون دوليون ضرورية لأي استقرار ديمقراطي مستقبلي في إيران، بعيداً عن أهوال القمع أو ارتدادات الدكتاتوريات السابقة.

تفكيك معضلة “اللامبالاة السياسية”
يشير التقرير الصادر عن هذا الحراك البرلماني إلى أن الصمت الدولي تجاه ما يُوصف بـ “موجات الإعدامات” ليس مجرد موقف سلبي، بل يراه الكثير من المشرعين الأوروبيين كـ “تواطؤ غير مباشر” يمنح النظام هامشاً أكبر للمناورة. ومن منظور العلوم السياسية، تضع هذه المقاربة الديمقراطيات الغربية أمام اختبار أخلاقي ومؤسسي: هل تظل السياسة الخارجية أسيرة لحسابات المصالح الضيقة؟ أم تتحول نحو تبني قيم عالمية كبوصلة للعمل الاستراتيجي؟

إن التجمعات السياسية، مثل ذلك الذي عُقد في البرلمان الإيطالي، تهدف إلى إضفاء الطابع المؤسسي على الملف الإيراني، عبر تحويل مطالب الشعب الإيراني من صرخات ميدانية إلى ملفات تشريعية وضغوط دبلوماسية ملموسة، وهو ما يعكس نضجاً في أدوات المعارضة التي باتت تخاطب مراكز الثقل في العالم بـ “لغة الاستحقاق الديمقراطي”.

البعد الاستراتيجي.. ما بعد سقوط النظام
تُظهر التقارير الميدانية المستقلة أن الفراغ السياسي هو التحدي الأكبر لأي عملية تغيير في دول الشرق الأوسط. وفي السياق الإيراني، تتركز الرؤية الاستراتيجية على ضرورة وجود هيكل تنظيمي قادر على تجنب حالة التفكك. وهنا، تبرز أهمية الرهان على قوة الأفكار والبرامج التي تتبناها المقاومة الإيرانية، ليس كطرف حزبي فحسب، بل كإطار سياسي يمتلك الرؤية التعددية التي ترفض “نظام الولي الفقيه” وتتجنب في الوقت ذاته العودة إلى “دكتاتورية الشاه”.

إن الربط بين الحرية، وحقوق الإنسان، والكرامة الإنسانية في خطاب المشرعين الإيطاليين يؤكد على أن إيران لا تحتاج فقط إلى تغيير في نظام الحكم، بل إلى عقد اجتماعي جديد يضمن حقوق كافة المكونات. إن نجاح هذه المبادرات في استقطاب هذا الحضور الدولي المتميز يعطي انطباعاً بأن المجتمع الدولي، وخاصة المؤسسات التشريعية، بات يرى في الحركات السياسية المنظمة شريكاً موثوقاً لضمان انتقالات سياسية آمنة.

خلاصات الاستشراف الجيو/ سياسي
ختاماً، إن تحول الملف الإيراني إلى “إرث مشترك للديمقراطيات” يعيد تعريف مفهوم السيادة. فلم تعد الدول محصنة خلف أسوار القمع إذا ما تعارضت سياساتها مع المبادئ الإنسانية العالمية. وتخلص القراءات التحليلية إلى أن المبادرات البرلمانية الدولية، مثل المبادرة الإيطالية، هي خطوة ضرورية لإبقاء “الحل الديمقراطي” على طاولة الخيارات الاستراتيجية، بما يضمن أن التغيير القادم – أياً كان توقيته – سيسير في اتجاه تحقيق الاستقرار الإقليمي من خلال إرساء قواعد الديمقراطية والتعددية في إيران، وهو هدف يصب في مصلحة الأمن الدولي بمجمله.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى