ما بين إيران وأميركا!

خاص موقعيّ “المدارنت” و”ملتقى العروبيّين”
.. منذ حرب احتلال العراق، عام 2003، انتهجت الولايات المتحدة الأمريكية، نهجا واضحا مدروسًا بعناية، يتضمن فرض حكومة تستمد وجودها من القوة الأمريكية، وبالتالي، لا تخرج عن القرار الأمريكي في أيّ وقت، وقد كان ذلك البديل الوحيد للوجود العسكري الدائم في العراق .
لكن المشكلة كانت تكمن في طريقة منع سقوط تلك الحكومة، بفعل الثورات الداخلية المحتملة، كما حدث مرارًا في التاريخ مع الاحتلالات الغربية في مصر ودول أخرى، منها العراق أيضا .
من أجل ذلك، وضعت استراتيجية إغراق العراق بالمشاعر الطائفية, وإعادة تكوين الدولة وفق الديموقراطية – الطائفية على الطريقة اللبنانية.
ووفق تلك الاستراتيجية، لن يتمكن الشعب العراقي، المنقسم على ذاته من التوحد ضدّ أيّ حكومة، ما دام الصراع الطائفي سيد الموقف.
وللمزيد من الاحتياط من إمكانية صعود حركة وطنية لا طائفية، كما بدأت تباشير ذلك في العراق، ضد الحكومات الفاسدة العميلة، كان لا بد من وجود قوى طائفية مسلحة، تمنع تحوّل الصراع إلى صراع سياسي وطني، وكَنس القوى السياسية الطائفية الحاكمة.
هكذا نشأ تقاطع للمصالح، بين ايران التي أخذت على عاتقها تشكيل وتدريب وتسليح تلك الفصائل، وتغذيتها بالمشاعر الطائفية الضرورية، لفصلها عن معاناة الشعب ومصلحة البلاد وروح الاستقلال والحرية, وبين الولايات المتحدة، الحريصة على إبقاء سيطرتها على العراق، بعد ما بذلته من جهد في تثبيت احتلالها العسكري خلال فترة طويلة، ولماريملكه هذا البلد من مخزون نفطي هائل.
ذلك التقاطع في المصالح وحده، هو ما يبرر غضّ نظر الولايات المتحدة عن توالد تلك الميليشيات، وتكاثرها وتعاظم نفوذها في الدولة العراقية على حساب الجيش، بل وتمددها نحو سوريا، والتقائها بـ”حزب الله” اللبناني، الذي كان السابق في إنشاء قوة مسلحة طائفية تعمل ضمن الاستراتيجية الايرانية بنجاح.
لكن نمو نفوذ وحجم تلك الميليشيات، أعطى لايران قوة إضافية في المنطقة، جعلتها تفكر باستخدام تلك الميليشيات في الضغط على الغرب، لتحسين موقفها في المسائل المصيرية المعلقة بين الطرفين، أيّ رفع العقوبات الاقتصادية، والسماح بعلاقات اقتصادية طبيعية، والتغاضي عن امتلاك ايران السلاح النووي، عبر اتفاق مؤقت، لا يلبث أن يتم تجاوزه بطريقة أو بأخرى.
تواجه السياسة الأمريكية اليوم معضلة صعبة الحل, فهي لم تعد قادرة على سحق الميليشيات الشيعية في العراق وسوريا, ومهما وجهت لها من ضربات، من غير الممكن الانتهاء منها، بعد تجذرها في الدولة العراقية، والدعم المطلق الذي تقدمه لها ايران.
وحتى إذا افترضنا أن الولايات المتحدة قد استطاعت الانتهاء من تلك الميليشيات الاخطبوطية بطريقة من الطرق، معنى ذلك أن الطريق أصبح مفتوحا أمام الشعب العراقي لتغيير النظام السياسي، وذلك أخطر من وجود تلك الميليشيات، وتحمّل ما تقوم به بين الحين والآخر في محاولة دفع ما تبقى من القوة العسكرية الأمريكية الى الخروج من العراق، وينطبق ذلك إلى هذا الحدّ أو ذاك على وضع سوريا أيضا .
من أجل ذلك، نشهد ذلك الاضطراب اليوم في السياسة الأمريكية تجاه أذرع ايران في المنطقة, بل وتحمّل ما لم تتعود الولايات المتحدة على تحمّله من أعمال التحرّش العسكري، حتى يكاد الرد على قصف قواعدها المتكرر وقتل جنودها، يصبح ردًا باهتًا عديم الجدوى. يتصف بقرقعة عالية وحصاد متواضع.
حتى اليوم، تميل الولايات المتحدة، الى شراء تهدئة الأذرع الايرانية في المنطقة من طهران، وليس لردع ايران، وربما كانت مستعدة لدفع ثمن ما من أجل ذلك.
أما ايران، فلم تكن في أي وقت أقوى منها سياسيا في المنطقة, وهي في غزلها الذي يتخذ أحيانا طابعا خشنا مع الغرب، لا تبدو مغلقة الأبواب, فالهدف واضح إلى حد كبير, هي تقول للغرب باللغة التي يفهمها: إذا كنتم تريدون الهدوء في المنطقة، فعليكم الاعتراف بايران قوة اقليمية رئيسية شريكة، والكفّ عن محاولة تحجيمها, أيها المتعبون تعالوا إليّ وأنا أريحكم.



